رأي

ألف دينار ما عادش تسوى!

رجب عصر

الدينار‭ ‬الليبي‭ ‬بين‭ ‬انهيار‭ ‬القيمة‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬وغياب‭ ‬الحلول

‮ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خبير‭ ‬اقتصادي‭ ‬يشرح‭ ‬له‭ ‬معنى‭ ‬انخفاض‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار،‭ ‬فهو‭ ‬يكتشف‭ ‬ذلك‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وفي‭ ‬محلات‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬وعند‭ ‬محطات‭ ‬الوقود،‭ ‬وحتى‭ ‬عند‭ ‬شراء‭ ‬أبسط‭ ‬الاحتياجات‭ ‬لأسرته‭.‬

بالأمس‭ ‬كانت‭ ‬الألف‭ ‬دينار‭ ‬مبلغاً‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقضي‭ ‬به‭ ‬المواطن‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬بيته،‭ ‬أما‭ ‬اليوم‭ ‬فأصبحت‭ ‬الألف‭ ‬وكأنها‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تكفي‭ ‬شيئاً‭. ‬الأسعار‭ ‬ترتفع،‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬تتراجع،‭ ‬والمرتبات‭ ‬تلتهمها‭ ‬الزيادات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬الشهر‭ ‬إلى‭ ‬منتصفه‭. ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬الدولار،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وفي‭ ‬السياسات‭ ‬المالية،‭ ‬وفي‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬الوطنية‭.‬

أين‭ ‬الخلل؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬الدولار‭ ‬وحده،‭ ‬فهناك‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬من‭ ‬بينها‭:‬

‭- ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭: ‬تضخم‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬دون‭ ‬تنمية‭ ‬حقيقية‭ ‬للإنتاج‭ ‬ومصادر‭ ‬الدخل‭.‬

‭- ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط‭: ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬شبه‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬النفط،‭ ‬دون‭ ‬تنويع‭ ‬حقيقي‭ ‬لمصادر‭ ‬الدخل‭.‬

‭- ‬غياب‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والإداري‭: ‬الانقسام‭ ‬وتعدد‭ ‬مراكز‭ ‬القرار‭ ‬ينعكسان‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭.‬

‭- ‬المضاربة‭ ‬في‭ ‬العملة‭: ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السعر‭ ‬الرسمي‭ ‬والسوق‭ ‬الموازي‭ ‬يخلق‭ ‬فرصاً‭ ‬للمضاربة‭ ‬والاستفادة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المواطن‭.‬

‭- ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭: ‬ارتفاع‭ ‬الدولار‭ ‬يتحول‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬زيادات‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع،‭ ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬ينخفض‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬انخفاضاً‭ ‬مماثلاً‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬

ومن‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن؟

ليس‭ ‬المسؤول‭ ‬الذي‭ ‬يتقاضى‭ ‬مرتباً‭ ‬كبيراً،‭ ‬ولا‭ ‬التاجر‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬تعديل‭ ‬أسعاره‭ ‬كل‭ ‬يوم،‭ ‬وإنما‭ ‬المواطن‭ ‬البسيط‭.‬

الموظف‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬مرتبه،‭ ‬والأب‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬توفير‭ ‬احتياجات‭ ‬أطفاله،‭ ‬والشاب‭ ‬الذي‭ ‬يحلم‭ ‬بتكوين‭ ‬أسرة،‭ ‬والمتقاعد‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬راتبه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬حتى‭ ‬لتوفير‭ ‬متطلبات‭ ‬الحياة‭ ‬الأساسية‭. ‬المفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬بلد‭ ‬يمتلك‭ ‬ثروة‭ ‬نفطية‭ ‬كبيرة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أصبح‭ ‬المواطن‭ ‬يحسب‭ ‬حساب‭ ‬كل‭ ‬دينار‭ ‬قبل‭ ‬إنفاقه،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الألف‭ ‬دينار‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬مبلغاً‭ ‬له‭ ‬قيمة،‭ ‬بالكاد‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تغطي‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسرة‭.‬

ما‭ ‬الحل؟

الحل‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬بالتصريحات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬ولا‭ ‬بتحميل‭ ‬المسؤولية‭ ‬للسوق‭ ‬الموازي‭ ‬وحده،‭ ‬ولا‭ ‬بإجراءات‭ ‬مؤقتة‭ ‬لتهدئة‭ ‬الشارع‭.‬

الحل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬توحيد‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬وضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام،‭ ‬ومكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬وإيقاف‭ ‬الهدر،‭ ‬وتوفير‭ ‬الدولار‭ ‬وفق‭ ‬آليات‭ ‬عادلة‭ ‬وشفافة،‭ ‬ودعم‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬ووضع‭ ‬سياسة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واضحة‭ ‬تحمي‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭.‬

في‭ ‬الختام‭…‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطرحه‭ ‬كل‭ ‬ليبي‭ ‬اليوم‭:‬كيف‭ ‬لدولة‭ ‬تمتلك‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والثروات‭ ‬والإمكانيات،‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬فيها‭ ‬المواطن‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬عملته‭ ‬الوطنية‭ ‬تفقد‭ ‬قيمتها‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم؟‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نطالب‭ ‬بمعجزات،‭ ‬ولا‭ ‬نطالب‭ ‬بأن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬رفاهية‭ ‬تفوق‭ ‬إمكانيات‭ ‬الدولة،‭ ‬بل‭ ‬نطالب‭ ‬بحقنا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كريمة،‭ ‬وعملة‭ ‬لها‭ ‬قيمة،‭ ‬ومرتب‭ ‬يكفي‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسرة،‭ ‬ودولة‭ ‬تحترم‭ ‬مواطنيها‭. ‬الدينار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة‭ ‬نقدية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬لقوة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وثقة‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬دولته‭. ‬وعندما‭ ‬يفقد‭ ‬المواطن‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬عملته،‭ ‬فالمشكلة‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭. ‬فإلى‭ ‬متى‭ ‬يبقى‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬هو‭ ‬الحلقة‭ ‬الأضعف،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬فاتورة‭ ‬أخطاء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬طرفاً‭ ‬فيها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى