الدينار الليبي بين انهيار القيمة وغلاء المعيشة وغياب الحلول
لم يعد المواطن الليبي بحاجة إلى خبير اقتصادي يشرح له معنى انخفاض قيمة الدينار، فهو يكتشف ذلك كل يوم في السوق، وفي محلات المواد الغذائية، وعند محطات الوقود، وحتى عند شراء أبسط الاحتياجات لأسرته.
بالأمس كانت الألف دينار مبلغاً يمكن أن يقضي به المواطن جزءاً مهماً من احتياجات بيته، أما اليوم فأصبحت الألف وكأنها لا تكاد تكفي شيئاً. الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تتراجع، والمرتبات تلتهمها الزيادات المتلاحقة قبل أن يصل الشهر إلى منتصفه. المشكلة لم تعد مجرد ارتفاع سعر الدولار، بل أصبحت أزمة ثقة في الاقتصاد، وفي السياسات المالية، وفي قدرة المؤسسات على حماية قيمة العملة الوطنية.
أين الخلل؟
لا يمكن اختزال الأزمة في ارتفاع سعر الدولار وحده، فهناك جملة من العوامل التي ساهمت في الوصول إلى هذا الوضع، من بينها:
- الإنفاق العام غير المنضبط: تضخم الإنفاق الحكومي دون تنمية حقيقية للإنتاج ومصادر الدخل.
- الاعتماد على النفط: اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على إيرادات النفط، دون تنويع حقيقي لمصادر الدخل.
- غياب الاستقرار السياسي والإداري: الانقسام وتعدد مراكز القرار ينعكسان على السياسة الاقتصادية والمالية.
- المضاربة في العملة: اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي يخلق فرصاً للمضاربة والاستفادة على حساب المواطن.
- ضعف الرقابة على الأسعار: ارتفاع الدولار يتحول بسرعة إلى زيادات في أسعار السلع، لكن عندما ينخفض لا نرى انخفاضاً مماثلاً في الأسعار.
ومن يدفع الثمن؟
ليس المسؤول الذي يتقاضى مرتباً كبيراً، ولا التاجر الذي يستطيع تعديل أسعاره كل يوم، وإنما المواطن البسيط.
الموظف الذي ينتظر مرتبه، والأب الذي يحاول توفير احتياجات أطفاله، والشاب الذي يحلم بتكوين أسرة، والمتقاعد الذي أصبح راتبه لا يكفي حتى لتوفير متطلبات الحياة الأساسية. المفارقة المؤلمة أن ليبيا بلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة، ومع ذلك أصبح المواطن يحسب حساب كل دينار قبل إنفاقه، وأصبحت الألف دينار التي كانت تمثل مبلغاً له قيمة، بالكاد تستطيع أن تغطي جزءاً من احتياجات الأسرة.
ما الحل؟
الحل لا يكون بالتصريحات الإعلامية، ولا بتحميل المسؤولية للسوق الموازي وحده، ولا بإجراءات مؤقتة لتهدئة الشارع.
الحل يبدأ من توحيد المؤسسات المالية، وضبط الإنفاق العام، ومكافحة الفساد، وإيقاف الهدر، وتوفير الدولار وفق آليات عادلة وشفافة، ودعم الإنتاج المحلي، ووضع سياسة اقتصادية واضحة تحمي قيمة الدينار وتحافظ على القدرة الشرائية للمواطن.
في الختام…
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل ليبي اليوم:كيف لدولة تمتلك النفط والغاز والثروات والإمكانيات، أن يصل فيها المواطن إلى مرحلة يشعر فيها أن عملته الوطنية تفقد قيمتها يوماً بعد يوم؟ نحن لا نطالب بمعجزات، ولا نطالب بأن نعيش في رفاهية تفوق إمكانيات الدولة، بل نطالب بحقنا في حياة كريمة، وعملة لها قيمة، ومرتب يكفي احتياجات الأسرة، ودولة تحترم مواطنيها. الدينار ليس مجرد ورقة نقدية، بل هو انعكاس لقوة الاقتصاد وثقة المواطن في دولته. وعندما يفقد المواطن الثقة في قيمة عملته، فالمشكلة أكبر بكثير من مجرد سعر صرف. فإلى متى يبقى المواطن الليبي هو الحلقة الأضعف، وهو من يدفع فاتورة أخطاء لم يكن طرفاً فيها؟



