في زمن تحوَّل فيه «البودكاست» لأداة ثقافية..إلى أي مدى تراها مهمة؟ وهل صار حقًا إلى مساحة مجانية فيها من التزوير أكثر من الحقيقة؟ وإنها تعتمد الإثارة أكثر من الموضوعية.
البودكاست تحوّل عند
البعض إلى أداة لتضخيم الذات
الكاتب والباحث / صالح أبوالخير:
«البودكاست» في أصله مساحة ثرية للحوار والمعرفة، يمنح المستمع متعة الاكتشاف وفائدة التجربة الإنسانية. لكن مع الوقت، تحوّل عند البعض إلى أداة لصناعة السرديات وتضخيم الذوات؛ حيث تُنسج بطولات خيالية وتُروى قصصٌ منمّقة، فيختلط الإلهام بالاستعراض وتضيع الحقيقة بينهما.
أداة حديثة لها عديد ميزات الجذب
الكاتب والقاص/ محمد ناجي:
«البودكاست» هو وسيلة إعلامية حديثة واكبتْ التطور الحاصل في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.. وقد يتناول مواضيع ثقافية، أو علمية أو سياسية، أو شيرة ذاتية، أو غيرها.. له خصوصيته وجوانبه الفنية التي يأخذ بها المختصون في المجال من صورة وصوت وديكور ومكياج وإخراج وغيرها..ما يحدد نجاحه، أو فشله في الموضوعات المختص بها أو القضايا التي يتناولها، أو الشخصيات التي يقدمها..وإبهاره وجذبه للمتلقي بجوانب فنية متعددة .. وكل فئة معينة، أو شريحة من شرائح المجتمع تنجذب إلى ما يهمها ويشبع شغفها وهوايتها..إذا تناولنا شريحة المثقفين فهم المعنيون بمسك زمام المبادرة والتحكم في هذه الأداة وتطويعها لتوصيل رسالتهم إلى المجتمع وطرح قضايا وهموم ومشروعات ثقافية وطنية محلية عربية وعالمية..وأهميتها تكمن في كونها أداة حديثة لها العديد من ميزات الجذب والتميز..وبالتالي مطلوب من فئة المثقفين التمكن من أدواتها والاستفادة منها إلى أبعد مدي ممكن..وهل تحوَّل حقًا الى مساحة مجانية فيها من التزوير أكثر من الحقيقة؟ هذا يعتمد على من يعد ويقدم هذه البرامج وأيضًا الضيوف الذين يتم استضافتهم، وأيضًا المواضيع التي تلامس النَّاس ومشكلاتهم وطموحاتهم.
هناك النزيه، والصادق، والشريف وهناك اللص، والكاذب، والنصاب.. وكل شخص معروف باسمه والصفة الملاصقة ليه – يقول المثل: )حارتنا ضيقة ونعرف بعضنا( وفي ظل فضاء الإنترنت المفتوح فإن حبل الكذب قصير ولا يمكنك أن تغطي عين الشمس بالغربال..وعمومًا فإن فضاء «الإنترنت» وجميع مواقع التواصل اإجتماعي هي مساحة مجانية لكل شيء وليس «البودكاست» تحديدًا..
وإنها تعتمد الإثارة أكثر من الموضوعية؟ الإثارة هي تضخيم الأمور وإعطاءها أكثر من حجمها..
وهي صفة في الخطاب الإعلامي عموما يتم اللجوء إليها لغرض هدف خفي غير معلن، أو لغرض توجيه الرأي العام في إتجاه معين لكن اعتقد في وجود آلاف المواقع الإعلامية فإن المتلقي لديه خيارات عديدة في الإستماع ومشاهدة وجهات نظر مختلفة ولديه عقل وفهم وإدراك شخصي من خلاله يستطيع التمييز وغربلة الغث من السمين.
عودة الإصغاء
الشاعرة / زينب البرعصي:
«البودكاست» أعاد إلينا عادة الإصغاء، منذ زمن الراديو حين كانتْ جميع الحواس تُشحذ للإنصات فقط. في زمنٍ تنوعتْ فيه الألوان والأمزجة، والتغيير المستمر لأطوار البرامج الإذاعية، عاد الصوت وحده ليصنع حضوره؛ فقط ميكروفون ومقعدان، وفضفضة دون تكلف..ومن رأيي، المشكلة ليستْ في «البودكاست»، بل في طريقة التلقي. فهو في النهاية أداة، لكن الأهم: أمام مَنْ؟ إنها عجلة قيادة صوتية يديرها صاحب الحوار المتمكن، ليصل بالمستمع أو المشاهد إلى محتوى هادف، يحترم ذائقته الأدبية والفكرية .. المستمع يشعر بأن المتحدث هو الأقرب إليه، لذلك يكون تأثيره أعمق وأكثر بقاءً، لأن الصوت دائمًا يترك أثرًا يشبه الاعترافات الحميمة، لا مجرد حديث عابر.. أما الإثارة، فهي عنصر نجاح البودكاست، ولا يتقنها إلا المتمرس المحنّك؛ بنبرة صوته، وبحسب قدرته على السرد، إضافةً إلى الأرض الخصبة من الثقافة والمراس..أعتقد أنها تجذب الجمهور أكثر من الطرح الهادئ، والموضوعي.
البودكاست يشبه الصحافة الحرة
الصحفية / نجاح مصدق:
«البودكاست» أداة، أو وسيط رقمي مواكب يجمع بين الصوت والصوة والمعلومة، واستطاع إلى حد كبير شد انتباه المتلقي وجذبه بما يقدم من معرفة مدعومة بالصوت والصوت والإثارة، هذا لا يعني أن كل ما يقدمه موثوق به وخلفه حقيقة غير مضللة، بل هنا تجارب نجحت في شد الانتباه لكنها سقطت في محك الرسالة الحقيقية لتقديم معرفة وثقافة رصينة وموثقة، لكن لا يمكن اختزال «البودكاست»» في هذا الجانب فقط فهناك تجارب ثقافية ومعرفية جادة أعادت الاعتبار للحوار الطويل وقدمت التاريخ والفلسفة والعلوم والأدب بلغة قريبة من الناس دون ابتذال..لهذا يمكن القول إن «البودكاست» يشبه الصحافة الحرة في بداياتها، مساحة واسعة تحمل إمكانًا معرفيًا كبيرًا، لكنها تحتاج إلى وعي نقدي من المتلقي، وأخلاقيات مهنية من صانع المحتوى.
يكاد البريق يغلب المعنى..!!
الكاتبة / وفاء مفتاح:
«البودكاست»، في ظاهره، منبرٌ حر يشبه السوق المفتوح؛ كلّ من امتلك ميكروفونًا ظنّ نفسه صاحب قضية. لكن الحقيقة أن الصوت الجميل والصورة الواضحة صارا بديلاً عن الفكرة، حتى كاد البريق يغلب المعنى!! لقد تحوَّل، في كثير من حالاته إلى مساحة يعاد فيها تدوير الوهم بصيغةٍ جذابة؛ حيث تُقدَّم الإثارة على أنها معرفة، ويُستبدل العمق بزخرفة الكلام..ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بين هذا الضجيج أصواتًا جادّة، تقدم محتوى حقيقيًا ومؤثرًا، وتعيد الاعتبار للعقل لا للأذن فقط..هذه المفارقة ليستْ عيبًا في «البودكاست» بقدر ما هي ضريبة طبيعية لتطور الوسائط؛ فكلما اتسعتْ المنصات، اتسعتْ معها مساحة العبث..ة لذلك تبقى المسؤولية على المتلقي: أن يختار، وأن يحكّم وعيه دون انبهار فـ«البودكاست» أداة، لا قيمة لها إلا بقدر مهنية من يستخدمها، ووعي من يستمع إليها.



