ثقافة

قراءة تأملية في رواية .. (الأمـوي الأخـــير) للكاتب علي جمعة اسبيق

عبد الرسول محمد

يا‭ ‬سيدتي‭:‬‭ ‬هل‭ ‬سمعتِ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عن‭ ‬صوت‭ ‬الورقة‭ ‬حين‭ ‬تُقتلع‭ ‬من‭ ‬سفر‭ ‬التاريخ؟‭ ‬صوتٌ‭ ‬يشبه‭ ‬صدى‭ ‬القبور،‭ ‬خفيفٌ‭ ‬كوقع‭ ‬التراب‭ ‬على‭ ‬نعش‭ ‬الذاكرة‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬الزمن،‭ ‬بل‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬روايةٍ‭ ‬عنه،‭ ‬في‭ ‬قصةٍ‭ ‬تُحكى‭ ‬لنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ننام،‭ ‬ونصحو‭ ‬فنجد‭ ‬أنها‭ ‬أصبحتْ‭ ‬جلدنا‭.‬

هناك،‭ ‬على‭ ‬شواطئ‭ ‬برقة؛‭ ‬حيث‭ ‬البحر‭ ‬يُقلّب‭ ‬ألوانه‭ ‬كخائنٍ‭ ‬مُتردّد،‭ ‬تقف‭ ‬الأرضُ‭ ‬حائرة‭ ‬بين‭ ‬اسمين‭: ‬‮«‬قرنادة،‭ ‬وغرناطة‮»‬‭.‬

الأولى‭ ‬باب‭ ‬دخلنا‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ،‭ ‬والثانية‭ ‬نافذة‭ ‬طُرِدنا‭ ‬منها‭.‬

ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬الأرضُ‭ ‬حين‭ ‬تُجبر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فاتحةً‭ ‬وخاتمةً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه؟‭ ‬تنشقّ‭ ‬إلى‭ ‬نصفين‭: ‬نصفٌ‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬أصلٍ‭ ‬ضائع‭ ‬في‭ ‬رمال‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الإسلام،‭ ‬ونصفٌ‭ ‬يتشبث‭ ‬بصلاة‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬كما‭ ‬يتشبث‭ ‬الغريق‭ ‬بظلِّ‭ ‬سفينة‭.‬

الزمنُ‭ ‬لا‭ ‬يمرُّ‭ ‬هنا‭. ‬يتجسّدُ‭. ‬يصير‭ ‬رجلاً‭ ‬أمويًّا‭ ‬يسرجُ‭ ‬جواده‭ ‬للمرة‭ ‬الأخيرة‭. ‬اسمه‭ ‬‮«‬معاوية‮»‬،‭ ‬وكفى‭ ‬بالاسمِ‭ ‬جرحًا‭. ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يُغادر‭ ‬مكانًا،‭ ‬بل‭ ‬يُغادر‭ ‬زمنًا‭. ‬يُغادر‭ ‬وعده‭ ‬بأن‭ ‬التاريخ‭ ‬سيكون‭ ‬دائمًا‭ ‬حليف‭ ‬المؤمنين‭. ‬يترك‭ ‬وراءه‭ ‬أرضًا‭ ‬صارتْ‭ ‬جثةً‭ ‬تحت‭ ‬التشريح‭: ‬هذه‭ ‬العروق‭ ‬عربية،‭ ‬وهذا‭ ‬القلب‭ ‬بربري،‭ ‬وهذه‭ ‬الأعصاب‭ ‬آثار‭ ‬رومانية‭.‬

فلنبدأ‭ ‬عملية‭ ‬النبش‭.‬

أتعلمين‭ ‬ما‭ ‬أقسى‭ ‬أشكال‭ ‬الحرب؟‭ ‬ليستْ‭ ‬حرب‭ ‬المدافع،‭ ‬بل‭ ‬حرب‭ ‬المعاني‭.‬

أن‭ ‬تأتي‭ ‬إلى‭ ‬طفلٍ‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬تيزي‭ ‬وزو‭ ‬وتقول‭ ‬له‭: ‬لستَ‭ ‬من‭ ‬هنا‭. ‬أن‭ ‬تهمس‭ ‬في‭ ‬أذن‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭: ‬هؤلاء‭ ‬ليسوا‭ ‬أبناءك‭.‬

أن‭ ‬تُزيح‭ ‬يد‭ ‬الشيخ‭ ‬‮«‬عمران‮»‬‭ ‬الهادئة‭ ‬عن‭ ‬يد‭ ‬جاره‭ ‬ابن‭ ‬يونس،‭ ‬وتضع‭ ‬فيها‭ ‬صليباً‭ ‬من‭ ‬خشب،‭ ‬ثم‭ ‬تبتسم‭ ‬وأنتَ‭ ‬ترى‭ ‬الدماء‭ ‬تسيل‭ ‬باسم‭ ‬الرب‭.‬

إنهم‭ ‬لا‭ ‬يسرقون‭ ‬الأرض،‭ ‬بل‭ ‬يختالون‭ ‬الزمن‭. ‬يقلبون‭ ‬الساعات‭ ‬رأساً‭ ‬على‭ ‬عقب‭. ‬يجعلون‭ ‬من‭ ‬‮«‬طارق‮»‬‭ ‬البربري‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬الأندلس‭ ‬شبحاً‭ ‬يطارده‭ ‬أحفاده‭.‬

ويجعلون‭ ‬من‭ ‬‮«‬عقبة‮»‬‭ ‬العربي‭ ‬الذي‭ ‬بنى‭ ‬مدنًا‭ ‬غريبًا‭ ‬يحمل‭ ‬سيفًا‭ ‬بلا‭ ‬مقبض‭. ‬الفتح‭ ‬يصير‭ ‬غزوًا،‭ ‬والجوار‭ ‬يصير‭ ‬استعمارًا،‭ ‬والدم‭ ‬المختلط‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬واحدة‭ ‬يصير‭ ‬تلويثًا‭ ‬للعرق‭.‬

إنها‭ ‬لعبة‭ ‬المرايا‭ ‬القاتلة‭:‬

يعطونك‭ ‬مرآة‭ ‬مكسورة‭ ‬ويقولون‭ ‬لك‭: ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أنت‭.‬

شظايا‭ ‬منسية‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬هانيبال،‭ ‬وفتات‭ ‬أحلام‭ ‬قرطاجة،‭ ‬وغبار‭ ‬طريق‭ ‬الرومان

‭ ‬يخبئون‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬أنت‭: ‬التي‭ ‬رأيت‭ ‬فيها‭ ‬وجهًا‭ ‬واحداً‭ ‬حين‭ ‬صلّيت‭ ‬مع‭ ‬أخيك‭ ‬في‭ ‬‮«‬الزلاقة‮»‬،‭ ‬ووجهًا‭ ‬واحدًا‭ ‬حين‭ ‬حملتْ‭ ‬معه‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬جبال‭ ‬الجزائر‭.‬

الآن،‭ ‬يكتبون‭ ‬لكَ‭ ‬سيرةً‭ ‬لم‭ ‬تولدي‭ ‬بها‭.‬

يخترعون‭ ‬لكَ‭ ‬أجدادًا‭ ‬لم‭ ‬تعرفيهم،‭ ‬ويطمّسون‭ ‬قبور‭ ‬أجدادك‭ ‬الحقيقيين‭.‬

يزرعون‭ ‬في‭ ‬تربة‭ ‬الذاكرة‭ ‬بذورًا‭ ‬سامة‭: ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬غريب،‭ ‬وأن‭ ‬العربية‭ ‬لسان‭ ‬دخل‭ ‬على‭ ‬الأمازيغية،‭ ‬وأن‭ ‬هُويتك‭ ‬الحقيقية‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيءٍ‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬المشرق‭.‬

لكن،‭ ‬هل‭ ‬التاريخ‭ ‬ورقةٌ‭ ‬نمسحها‭ ‬ونعيد‭ ‬الكتابة؟‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬جرحٌ‭ ‬في‭ ‬خاصرة‭ ‬الزمن،‭ ‬يظلُّ‭ ‬ينزفُ‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬غطَّيناه‭ ‬بشواهد‭ ‬مزورة؟

يقف‭ ‬‮«‬معاوية‭ ‬الأخير‮»‬‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭.‬

البحر‭ ‬أمامه‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬سوى‭ ‬رائحة‭ ‬الغربة‭. ‬خلفه،‭ ‬أرض‭ ‬تتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬أسطورة‭ ‬أخرى،‭ ‬ستحكيها‭ ‬يومًا‭ ‬ألسنةٌ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬عمرو‭ ‬بن‭ ‬العاص‮»‬‭ ‬و«فرسان‭ ‬القديس‭ ‬يوحنا‮»‬‭.‬

ستُختزل‭ ‬كل‭ ‬القرون‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬واحدة‭:‬

كانوا‭ ‬هنا،‭ ‬ثم‭ ‬رحلوا‭. ‬ولكن،‭ ‬هل‭ ‬يرحلون‭ ‬حقاً؟‭ ‬أم‭ ‬أنهم‭ ‬يتحولون‭ ‬إلى‭ ‬شجنٍ‭ ‬في‭ ‬حلق‭ ‬البحر،‭ ‬إلى‭ ‬نجمةٍ‭ ‬تُرى‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬ليالي‭ ‬الشتاء،‭ ‬إلى‭ ‬اسمٍ‭ ‬يتناقله‭ ‬الرعاة‭ ‬في‭ ‬الأساطير‭:‬

‮«‬كان‭ ‬هنا‭ ‬رجالٌ‭ ‬صلّوا‭ ‬لقبلةٍ‭ ‬واحدة،‭ ‬وحفروا‭ ‬بئراً‭ ‬واحدة،‭ ‬وماتوا‭ ‬على‭ ‬وعدٍ‭ ‬واحد»؟

الزمن‭ ‬يُختال،‭ ‬لكن‭ ‬الضمير‭ ‬لا‭ ‬يموت‭. ‬يبقى‭ ‬كالملح‭ ‬في‭ ‬الأرض‭:‬

يحرق‭ ‬الجراح،‭ ‬ويحفظ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وينتظر‭ ‬مياهًا‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭. ‬نكتب‭ ‬تاريخنا‭ ‬على‭ ‬ماء‭. ‬وهم‭ ‬يكتبون‭ ‬تاريخهم‭ ‬على‭ ‬حجر‭.‬

لكن‭ ‬البحر،‭ ‬يا‭ ‬سادة،‭ ‬يأكل‭ ‬الحجرَ‭ ‬والماءَ‭ ‬معاً،‭ ‬ولا‭ ‬يبقي‭ ‬إلا‭ ‬صدى‭ ‬الأمواج‭: ‬تحكي،‭ ‬دوماً،‭ ‬عن‭ ‬شيءٍ‭ ‬ضاع‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى