ثقافة

ذاكرة الخيام والأسلاك الشائكة

مفتاح ميلود

لطالما‭ ‬كان‭ ‬الشعرُ‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ديواناً‭ ‬حياً‭ ‬للذاكرة‭ ‬الوطنية،‭ ‬ووثيقة‭ ‬شفوية‭ ‬صلبة‭ ‬قاومت‭ ‬عوامل‭ ‬الطمس‭ ‬والمحو،‭ ‬لتوثق‭ ‬بطولات‭ ‬الشعب‭ ‬ومعاناته‭ ‬القاسية‭ ‬إبان‭ ‬الغزو‭ ‬الإيطالي‭. ‬في‭ ‬زمن‭ ‬غابت‭ ‬فيه‭ ‬وسائل‭ ‬التدوين‭ ‬التقليدية،‭ ‬تحول‭ ‬اللسان‭ ‬البدوي‭ ‬إلى‭ ‬صحيفة‭ ‬متنقلة‭ ‬تحرض‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬وتحفظ‭ ‬أسماء‭ ‬المعارك،‭ ‬وترثي‭ ‬قوافل‭ ‬الشهداء‭. ‬وقد‭ ‬تجلت‭ ‬أبشع‭ ‬صور‭ ‬المأساة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬مارسها‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬سلب‭ ‬حرية‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الليبيين،‭ ‬وتجميعهم‭ ‬قسراً‭ ‬في‭ ‬معتقلات‭ ‬صحراوية‭ ‬رهيبة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬يائسة‭ ‬لقطع‭ ‬شريان‭ ‬الحياة‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬المقاومة‭ ‬الباسلة‭ ‬بقيادة‭ ‬شيخ‭ ‬الشهداء‭ ‬عمر‭ ‬المختار‭.‬

خلف‭ ‬تلك‭ ‬الأسلاك‭ ‬الشائكة،‭ ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬موات‭ ‬القهر،‭ ‬والجوع،‭ ‬وتفشي‭ ‬الأوبئة،‭ ‬وُلدت‭ ‬الملحمة‭ ‬الشعرية‭ ‬الخالدة‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بي‭ ‬مرض‭ ‬غير‭ ‬دار‭ ‬العقيلة‮»‬‭.‬

صاغ‭ ‬هذه‭ ‬الملحمة‭ ‬الشاعر‭ ‬المجاهد‭ ‬رجب‭ ‬بوحويش‭ ‬المنفي،‭ ‬لتخرج‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المعتقل‭ ‬كزفرة‭ ‬جماعية‭ ‬لأمة‭ ‬تُساق‭ ‬نحو‭ ‬الفناء‭.‬

يفتتح‭ ‬بوحويش‭ ‬نصه‭ ‬العبقري‭ ‬بتفكيك‭ ‬عميق‭ ‬لمفاهيم‭ ‬الألم،‭ ‬مفصحاً‭ ‬بشموخ‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬العلة‭ ‬التي‭ ‬تكبل‭ ‬روحه‭ ‬وتضني‭ ‬جسده‭ ‬ليست‭ ‬خطباً‭ ‬عضويًا‭ ‬ولا‭ ‬مرضاً‭ ‬عابراً،‭ ‬هي‭ ‬مرارة‭ ‬احتجاز‭ ‬‮«‬القبيلة‮»‬،‭ ‬وفقدان‭ ‬الكرامة،‭ ‬والانتزاع‭ ‬القسري‭ ‬من‭ ‬الديار‭ ‬‮«‬الظليلة‮»‬‭ ‬لصالح‭ ‬قفار‭ ‬العزلة‭ ‬والهوان‭.‬

عبر‭ ‬أبيات‭ ‬ينبض‭ ‬فيها‭ ‬الحزن‭ ‬ممزوجاً‭ ‬بالأنفة،‭ ‬يسرد‭ ‬بوحويش‭ ‬يوميات‭ ‬الموت‭ ‬البطيء،‭ ‬من‭ ‬صراخ‭ ‬الأطفال‭ ‬المحرومين،‭ ‬إلى‭ ‬نظرات‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الشيوخ،‭ ‬وبطش‭ ‬الحراس‭ ‬الفاشيين‭.‬

لقد‭ ‬حولت‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬معتقل‭ ‬‮«‬العقيلة‮»‬‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬جغرافيا‭ ‬للبطش‭ ‬إلى‭ ‬أيقونة‭ ‬عالمية‭ ‬للمأساة‭ ‬والصمود،‭ ‬متجاوزة‭ ‬جدران‭ ‬الحصار‭ ‬لتصبح‭ ‬نشيداً‭ ‬للذاكرة‭ ‬الجماعية‭.‬

وفي‭ ‬سياق‭ ‬إحياء‭ ‬هذا‭ ‬الإرث،‭ ‬صدرت‭ ‬حديثاً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مركز‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬الطبعة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬شاعر‭ ‬المعتقلات‭ ‬رجب‭ ‬بوحويش‭ ‬وملحمة‭ ‬ما‭ ‬بي‭ ‬مرض‭ ‬غير‭ ‬دار‭ ‬العقيلة‮»‬،‭ ‬من‭ ‬إعداد‭ ‬الكاتب‭ ‬حسين‭ ‬نصيب‭ ‬المالكي،‭ ‬وبمقدمة‭ ‬نقدية‭ ‬للقاص‭ ‬والكاتب‭ ‬أحمد‭ ‬يوسف‭ ‬عقيلة‭.‬

يُعد‭ ‬هذا‭ ‬الإصدار‭ ‬التوثيقي‭ ‬خطوة‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬أول‭ ‬نص‭ ‬أدبي‭ ‬أرّخ‭ ‬لبشاعة‭ ‬تلك‭ ‬المعتقلات،‭ ‬ليظل‭ ‬شاهداً‭ ‬حياً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬الصادقة‭ ‬قادرة‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬هزيمة‭ ‬قسوة‭ ‬السجان‭ ‬وتخليد‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى