رأي

سَفَرٌ والتزاماتٌ وتعليقٌ

أمين مازن

ألزمتني‭ ‬الواجبات‭ ‬الأُسرية‭ ‬ويسر‭ ‬الأحوال‭ ‬الخاصة‭ ‬مغادرة‭ ‬إقامتي‭ ‬في‭ ‬الحاضرة،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬تُدعى‭ ‬عند‭ ‬حلولي‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وقيام‭ ‬دولة‭ ‬الاستقلال،‭ ‬والتوجه‭ ‬إلى‭ ‬مسقط‭ ‬الرأس‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التزامات‭ ‬الأُبُوَّة،‭ ‬وقد‭ ‬أبت‭ ‬الظروف‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬السفر‭ ‬الخاص‭ ‬داعيا‭ ‬لمحادثة‭ ‬الرفيقين‭ ‬المنطلق‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭ ‬ومثله‭ ‬العائد‭ ‬من‭ ‬هناك‭ ‬مع‭ ‬نفس‭ ‬الرفيقين،‭ ‬يكون‭ ‬الجانب‭ ‬الأُسري‭ ‬أكثر‭ ‬حضورًا‭ ‬من‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬جعلت‭ ‬منه‭ ‬صعوبات‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يدعو‭ ‬إلا‭ ‬لمزيد‭ ‬التحسّر‭ ‬على‭ ‬الماضي‭ ‬واستشعار‭ ‬الضجر‭ ‬من‭ ‬الحاضر‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يعولون‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬مداخيلهم‭ ‬ومواجهة‭ ‬غول‭ ‬الغلاء‭ ‬الذي‭ ‬يتربص‭ ‬بكل‭ ‬شي‭  ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬النقل‭ ‬الخاص‭ ‬لتبدأ‭ ‬رحلة‭ ‬السفر‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬فضّلَ‭ ‬نشاطه‭ ‬هذا‭ ‬عندما‭ ‬تبين‭ ‬له‭ ‬عجز‭ ‬ما‭ ‬يدرّه‭ ‬الإعلام‭ ‬الحكومي‭ ‬عن‭ ‬سد‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬حالة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإعلام‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مترفعا‭ ‬على‭ ‬رديء‭ ‬الخدمات،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يسيل‭ ‬لها‭ ‬لعاب‭ ‬بعض‭ ‬ضعاف‭ ‬النفوس‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تدفع‭ ‬إلا‭ ‬لمزيد‭ ‬احتقارهم،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬أستغرب‭ ‬ما‭ ‬سرده‭ ‬رفيق‭ ‬رحلتي‭ ‬هذا‭ ‬وهو‭ ‬يتخذ‭ ‬من‭ ‬عمِّه‭ ‬بطاقة‭ ‬تعريف،‭ ‬وجدتني‭ ‬مدعوا‭ ‬إلى‭ ‬الوالد‭ ‬وقبله‭ ‬الجد‭  ‬الذي‭ ‬دخلت‭ ‬تجربته‭ ‬المعيشية‭ ‬ذاكرتي‭ ‬الأولى‭ ‬عندما‭ ‬تكونت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الربوع‭ ‬لتدخل‭ ‬معي‭ ‬لبنة‭ ‬ذلك‭ ‬التفكير‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬فتّشَ‭ ‬عن‭ ‬مثله‭ ‬الأعلى‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬اتخذوا‭ ‬من‭ ‬قوت‭ ‬عملهم‭ ‬لكريم‭ ‬معيشتهم‭ ‬ولم‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬الترفع‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يسرق‭  ‬قوة‭ ‬عملهم‭ ‬ويسخرهم‭ ‬لاحقا‭ ‬لمسيرات‭ ‬تأييده‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عهد‭ ‬وعلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صعيد،‭ ‬هو‭ ‬توجه‭ ‬لم‭ ‬تزده‭ ‬الحادثات‭ ‬إلا‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القناعة‭ ‬والتمسك‭ ‬بالقناعة،‭ ‬هي‭ ‬قناعة‭ ‬زاد‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أنجزت‭ ‬مهمتي‭ ‬الأُسرية‭ ‬وأُطالب‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬ابن‭ ‬أخي‭ ‬تدبير‭ ‬الركوبة‭ ‬الكفيلة‭ ‬برجوعي‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬اخترت‭ ‬وأصررت‭ ‬على‭ ‬اختياري‭ ‬فأبدأ‭ ‬وأنا‭ ‬أمتطي‭ ‬مقعدي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السائق‭ ‬بالتهيؤ‭ ‬لكتابة‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬انطلاقا‭ ‬مما‭ ‬أشرت‭ ‬إليه‭ ‬مما‭ ‬قفز‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرتي‭ ‬من‭ ‬مخزون‭ ‬التاريخ‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬المثقف‭ ‬العضوي‭ ‬محمود‭ ‬شمام‭ ‬بإحدى‭ ‬إدراجاته‭ ‬التي‭ ‬نوَّه‭ ‬فيها‭ ‬لمغادرة‭ ‬الحلبة‭ ‬لدافع‭ ‬صحي‭ ‬على‭ ‬الأغلب،‭ ‬لم‭ ‬يملك‭ ‬شركاء‭ ‬الميدان‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يعربوا‭ ‬عن‭ ‬مشاعرهم‭ ‬المقرونة‭ ‬بالحض‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬ترك‭ ‬الميدان‭ ‬ومع‭ ‬عدم‭ ‬إهمالي‭ ‬لما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬4‭+‬4‭ ‬من‭ ‬الإدلاء‭ ‬بدلوي‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أضم‭ ‬صوتي‭ ‬إلى‭ ‬رفاق‭ ‬الدرب‭ ‬الحاليين‭ ‬مستدعيا‭ ‬بالتأكيد‭ ‬بقية‭ ‬من‭ ‬ملأوا‭ ‬حياتنا‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬نهضوا‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬اتحاد‭ ‬الطلبة‭ ‬بيد‭ ‬الوطنيين‭ ‬فدفع‭ ‬بعضهم‭ ‬الثمن‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يسارع‭ ‬بالرحيل‭ ‬فيما‭ ‬أصرَّ‭ ‬بعضهم‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬المشوار‭ ‬خارج‭ ‬الحدود‭ ‬ممن‭ ‬كان‭ ‬منهم‭ ‬شمام‭ ‬شد‭ ‬الله‭ ‬أزره‭ ‬للمواصلة‭ ‬والرحمة‭ ‬لمن‭ ‬غيبه‭ ‬الرحيل‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى