
ألزمتني الواجبات الأُسرية ويسر الأحوال الخاصة مغادرة إقامتي في الحاضرة، كما كانت تُدعى عند حلولي بها في مطلع خمسينيات القرن الماضي وقيام دولة الاستقلال، والتوجه إلى مسقط الرأس والمشاركة في بعض التزامات الأُبُوَّة، وقد أبت الظروف أن يكون السفر الخاص داعيا لمحادثة الرفيقين المنطلق من طرابلس ومثله العائد من هناك مع نفس الرفيقين، يكون الجانب الأُسري أكثر حضورًا من الشأن العام الذي جعلت منه صعوبات الواقع لا يدعو إلا لمزيد التحسّر على الماضي واستشعار الضجر من الحاضر خاصة وأن الكثير من الذين يعولون في تحسين مداخيلهم ومواجهة غول الغلاء الذي يتربص بكل شي على نشاط النقل الخاص لتبدأ رحلة السفر مع من فضّلَ نشاطه هذا عندما تبين له عجز ما يدرّه الإعلام الحكومي عن سد الحد الأدنى حالة ما إذا أراد من هذا الإعلام أن يكون مترفعا على رديء الخدمات، تلك التي كثيرا ما يسيل لها لعاب بعض ضعاف النفوس بينما لم تدفع إلا لمزيد احتقارهم، وقبل أن أستغرب ما سرده رفيق رحلتي هذا وهو يتخذ من عمِّه بطاقة تعريف، وجدتني مدعوا إلى الوالد وقبله الجد الذي دخلت تجربته المعيشية ذاكرتي الأولى عندما تكونت في تلك الربوع لتدخل معي لبنة ذلك التفكير الذي طالما فتّشَ عن مثله الأعلى من أولئك الذين اتخذوا من قوت عملهم لكريم معيشتهم ولم تتردد في الترفع عن كل من حاول أن يسرق قوة عملهم ويسخرهم لاحقا لمسيرات تأييده في أكثر من عهد وعلى أكثر من صعيد، هو توجه لم تزده الحادثات إلا المزيد من القناعة والتمسك بالقناعة، هي قناعة زاد منها بعد أن أنجزت مهمتي الأُسرية وأُطالب عن طريق ابن أخي تدبير الركوبة الكفيلة برجوعي إلى حيث اخترت وأصررت على اختياري فأبدأ وأنا أمتطي مقعدي إلى جانب السائق بالتهيؤ لكتابة هذا الالتزام انطلاقا مما أشرت إليه مما قفز إلى ذاكرتي من مخزون التاريخ ولا سيما ما أثاره المثقف العضوي محمود شمام بإحدى إدراجاته التي نوَّه فيها لمغادرة الحلبة لدافع صحي على الأغلب، لم يملك شركاء الميدان إلا أن يعربوا عن مشاعرهم المقرونة بالحض على عدم ترك الميدان ومع عدم إهمالي لما جاء في اتفاق 4+4 من الإدلاء بدلوي لم أجد غير أن أضم صوتي إلى رفاق الدرب الحاليين مستدعيا بالتأكيد بقية من ملأوا حياتنا في مطلع سبعينيات القرن الماضي عندما نهضوا للإبقاء على اتحاد الطلبة بيد الوطنيين فدفع بعضهم الثمن حين لم يسارع بالرحيل فيما أصرَّ بعضهم الآخر على مواصلة المشوار خارج الحدود ممن كان منهم شمام شد الله أزره للمواصلة والرحمة لمن غيبه الرحيل.



