أخبار

المجلس الوطني للمرأ ة.. مظلة أم وصاية؟ قرار حكومي يفتح باب الجـدل.. من يمنح المجلس شرعيتـه؟ ومن يحدد حدوده؟ من يمنح المجلس شرعيتـه؟ ومن يحدد حـدوده؟

شهد عبدالحفيظ

صدر‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬الجاري،‭ ‬ونص‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬المجلس‭ ‬كهيئة‭ ‬تتمتع‭ ‬بالشخصية‭ ‬الاعتبارية،‭ ‬والذمة‭ ‬المالية‭ ‬المستقلة،‭ ‬تتبع‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬وتعمل‭ ‬تحت‭ ‬الإشراف‭ ‬المباشر‭ ‬لوزير‭ ‬الدولة‭ ‬لشؤون‭ ‬المرأة‭. ‬ومنحه‭ ‬القرار‭ ‬اختصاصات‭ ‬واسعة‭ ‬تشمل‭ ‬اقتراح‭ ‬السياسات‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬الوطنية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمرأة،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬اقتراح‭ ‬التشريعات،‭ ‬ودعم‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬اعتباره‭ ‬‮«‬المرجعية‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‮»‬‭ ‬والمظلة‭ ‬المؤسسية‭ ‬الجامعة‭ ‬للاتحادات‭ ‬والجمعيات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والبرامج‭ ‬الوطنية‭ ‬المعتمدة‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬بشؤون‭ ‬المرأة‭.‬

وبعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬صدور‭ ‬القرار،‭ ‬بدأت‭ ‬الحكومة‭ ‬إجراءات‭ ‬استكمال‭ ‬تأسيس‭ ‬المجلس،‭ ‬فيما‭ ‬استمر‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬طبيعته‭ ‬وحدود‭ ‬اختصاصاته‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالأجسام‭ ‬النسائية‭ ‬القائمة‭. ‬وفي‭ ‬التاسع‭ ‬من‭ ‬سبتمبر،‭ ‬تابع‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬الدولة‭ ‬لشؤون‭ ‬المرأة‭ ‬مستجدات‭ ‬تأسيس‭ ‬المجلس‭ ‬والخطوات‭ ‬اللازمة‭ ‬لبدء‭ ‬نشاطه‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة،‭ ‬برزت‭ ‬اعتراضات‭ ‬حادة،‭ ‬لم‭ ‬ترفض‭ ‬مبدأ‭ ‬وجود‭ ‬مؤسسة‭ ‬تُعنى‭ ‬بالمرأة،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬طالت‭ ‬السند‭ ‬القانوني،‭ ‬وآلية‭ ‬التشكيل،‭ ‬وحدود‭ ‬الاختصاص،‭ ‬واستقلال‭ ‬العمل‭ ‬المدني،‭ ‬والعلاقة‭ ‬مع‭ ‬الأجسام‭ ‬القائمة‭.‬

من‭ ‬‮«‬مرجعية‭ ‬وطنية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬المشروعية

المفارقة‭ ‬التي‭ ‬تكشفها‭ ‬قراءة‭ ‬القرار‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬لم‭ ‬يُمنح‭ ‬دورًا‭ ‬تنسيقيًا‭ ‬محدودًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬وُصف‭ ‬بأنه‭ ‬المرجعية‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭ ‬والمظلة‭ ‬المؤسسية‭ ‬الجامعة‭ ‬للأجسام‭ ‬النسائية،‭ ‬مع‭ ‬منحه‭ ‬صلاحية‭ ‬تنظيم‭ ‬أوجه‭ ‬التنسيق‭ ‬والتكامل‭ ‬واعتماد‭ ‬الأطر‭ ‬العامة‭ ‬لخطط‭ ‬وبرامج‭ ‬تلك‭ ‬الأجسام‭.‬

وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬جهة‭ ‬تنسق‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات،‭ ‬أم‭ ‬جهة‭ ‬تمتلك‭ ‬سلطة‭ ‬مؤسسية‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬النسائي؟

انتصار‭ ‬القليب،‭ ‬رئيس‭ ‬مفوضية‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬بالمجلس‭ ‬الرئاسي‭ – ‬فرع‭ ‬طرابلس،‭ ‬تؤكد‭ ‬أنها‭ ‬مع‭ ‬‮«‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬حقيقية‭ ‬تخدم‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬إنشاء‭ ‬جسم‭ ‬جديد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬بسند‭ ‬قانوني‭ ‬واضح،‭ ‬واختصاصات‭ ‬محددة،‭ ‬وآلية‭ ‬شفافة‭ ‬للتشكيل،‭ ‬وعلاقة‭ ‬معلومة‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬القائمة‭.‬

وتضع‭ ‬القليب‭ ‬جوهر‭ ‬اعتراضها‭ ‬في‭ ‬سؤال‭ ‬مباشر‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيضيفه‭ ‬المجلس؟‭ ‬وما‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬سيعالجها؟

وترى‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬لديها‭ ‬بالفعل‭ ‬مؤسسات‭ ‬ومنظمات‭ ‬واتحادات‭ ‬نسائية‭ ‬تعمل‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬إنشاء‭ ‬جسم‭ ‬جديد‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ازدواجية‭ ‬أدوار‭ ‬أو‭ ‬تداخل‭ ‬اختصاصات‭ ‬أو‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬المدني‭.‬

وتذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬اعتراضها‭ ‬على‭ ‬التوجيه‭ ‬الحكومي‭ ‬المصاحب‭ ‬للقرار،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني‭ ‬شيء،‭ ‬وتحويل‭ ‬التنسيق‭ ‬إلى‭ ‬شرط‭ ‬مسبق‭ ‬لممارسة‭ ‬النشاط‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭.‬

التنسيق‭ ‬أم‭ ‬الوصاية؟

الجدل‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬إنشاء‭ ‬المجلس،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬التوجيه‭ ‬الحكومي‭ ‬الذي‭ ‬دعا‭ ‬الجهات‭ ‬التابعة‭ ‬لمجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬إلى‭ ‬الالتزام‭ ‬بالقرار‭ ‬وتنظيم‭ ‬ملف‭ ‬المرأة‭ ‬والتنسيق‭ ‬بين‭ ‬الكيانات‭ ‬والمبادرات‭ ‬النسائية‭. ‬وتضمن‭ ‬التوجيه‭ ‬منع‭ ‬أي‭ ‬جسم‭ ‬أو‭ ‬كيان‭ ‬نسائي‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعات‭ ‬أو‭ ‬فعاليات‭ ‬أو‭ ‬إطلاق‭ ‬مبادرات‭ ‬وبرامج‭ ‬تخص‭ ‬المرأة‭ ‬أو‭ ‬تمثيلها‭ ‬أمام‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬والدولية‭ ‬إلا‭ ‬وفق‭ ‬الأطر‭ ‬والإجراءات‭ ‬المعتمدة‭ ‬وبالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬مكتب‭ ‬وزير‭ ‬الدولة‭ ‬لشؤون‭ ‬المرأة‭.‬

وهنا‭ ‬برزت‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬التنظيم‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الوصاية‭ ‬على‭ ‬النشاط‭ ‬المدني‭.‬

الباحثة‭ ‬والناشطة‭ ‬الحقوقية‭ ‬زاهية‭ ‬المنفي‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية‭ ‬الأساسية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬إخضاع‭ ‬الأنشطة‭ ‬النسائية‭ ‬لإجراءات‭ ‬مسبقة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬استقلالية‭ ‬العمل‭ ‬الأهلي‭.‬

وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬الأنشطة‭ ‬والخدمات،‭ ‬بل‭ ‬يشكل‭ ‬مساحة‭ ‬للتعبير‭ ‬والمناصرة‭ ‬والرصد‭ ‬والتوعية‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق،‭ ‬وأن‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬مطلوب،‭ ‬لكنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الشراكة‭ ‬لا‭ ‬التبعية‭.‬

وتختصر‭ ‬المتفي‭ ‬المسألة‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬واضحة‭: ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬المدني‭ ‬مشروع،‭ ‬لكن‭ ‬تحويل‭ ‬التنظيم‭ ‬إلى‭ ‬وصاية‭ ‬أمر‭ ‬مختلف‭.‬

هل‭ ‬يعالج‭ ‬المجلس‭ ‬مشكلة‭ ‬قائمة‭ ‬أم‭ ‬يصنع‭ ‬مشكلة‭ ‬جديدة؟

الباحثة‭ ‬في‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬أحلام‭ ‬بن‭ ‬طابون‭ ‬تضع‭ ‬المسألة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬أكثر‭ ‬تحديدًا‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تعترض‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬إنشاء‭ ‬جهة‭ ‬تعنى‭ ‬بشؤون‭ ‬المرأة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتساءل‭ ‬عن‭ ‬السند‭ ‬القانوني‭ ‬وحدود‭ ‬الاختصاص‭ ‬ومدى‭ ‬توافق‭ ‬المجلس‭ ‬مع‭ ‬الهياكل‭ ‬القائمة‭.‬

وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لديها‭ ‬أصلًا‭ ‬اختصاصات‭ ‬تتصل‭ ‬بالمرأة‭ ‬والأسرة‭ ‬والرعاية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬يصبح‭: ‬ما‭ ‬الاختصاص‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬سيؤديه‭ ‬المجلس‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬المؤسسات‭ ‬القائمة‭ ‬أداءه؟

كما‭ ‬تطرح‭ ‬إشكالية‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬والأجسام‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬تشريعات‭ ‬أو‭ ‬أطر‭ ‬قانونية‭ ‬قائمة،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬الإداري‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينتقص‭ ‬من‭ ‬اختصاصات‭ ‬مقررة‭ ‬بتشريع‭ ‬أعلى‭ ‬مرتبة‭. ‬وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬جوهر‭ ‬الأزمة‭: ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬اسم‭ ‬المؤسسة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬الصلاحيات‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬المجلس‭ ‬سيضع‭ ‬السياسات‭ ‬الوطنية‭ ‬وينسق‭ ‬الجهود،‭ ‬فما‭ ‬حدود‭ ‬علاقته‭ ‬بالوزارة؟‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬مظلة‭ ‬للأجسام‭ ‬النسائية،‭ ‬فهل‭ ‬تعني‭ ‬المظلة‭ ‬التنسيق‭ ‬الطوعي‭ ‬أم‭ ‬الإشراف‭ ‬أم‭ ‬اعتماد‭ ‬البرامج؟‭ ‬كل‭ ‬إجابة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإجابات‭ ‬تنتج‭ ‬علاقة‭ ‬قانونية‭ ‬مختلفة‭.‬

‮«‬لسنا‭ ‬ضد‭ ‬المجلس‭ .. ‬نحن‭ ‬ضد‭ ‬فرضه‮»‬

من‭ ‬جهتها،‭ ‬ترى‭ ‬الناشطة‭ ‬المدنية‭ ‬حنان‭ ‬محمد‭ ‬شلوف‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬جهة‭ ‬تعنى‭ ‬بالمرأة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬أُنشئت‭ ‬بها‭ ‬وفي‭ ‬طبيعة‭ ‬الاختصاصات‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬لها‭.‬

وتعتقد‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬إضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تقييد‭ ‬حرية‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬التعبير،‭ ‬أو‭ ‬اختزال‭ ‬تعدد‭ ‬الرؤى‭ ‬النسائية‭ ‬في‭ ‬جسم‭ ‬واحد‭.‬

وتحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬جسم‭ ‬جديد‭ ‬داخل‭ ‬مشهد‭ ‬يعاني‭ ‬أصلًا‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬المؤسسات‭ ‬وتداخل‭ ‬الأدوار،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬الأولوية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لمعالجة‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬لا‭ ‬توسيعه‭.‬

أما‭ ‬القليب‭ ‬فتؤكد‭ ‬أن‭ ‬موقفها‭ ‬ليس‭ ‬رفضًا‭ ‬لمؤسسة‭ ‬وطنية‭ ‬للمرأة،‭ ‬وإنما‭ ‬رفض‭ ‬لفرضها‭ ‬كأمر‭ ‬واقع‭ ‬دون‭ ‬ضمانات‭ ‬قانونية‭ ‬ومؤسسية‭ ‬واضحة‭.‬

بين‭ ‬النص‭ ‬والواقع‭ .. ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬الإضافة؟

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬تقدم‭ ‬المجلس‭ ‬باعتباره‭ ‬أداة‭ ‬لتوحيد‭ ‬الجهود‭ ‬الوطنية‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضور‭ ‬المرأة،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬المعترضون‭ ‬أن‭ ‬التوحيد‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بمجرد‭ ‬إنشاء‭ ‬مؤسسة‭ ‬جديدة‭.‬

فالقرار‭ ‬يمنح‭ ‬المجلس‭ ‬صلاحيات‭ ‬تتصل‭ ‬بالسياسات‭ ‬والتشريعات‭ ‬والتنسيق‭ ‬والتمكين‭ ‬والبرامج‭ ‬والدراسات،‭ ‬ويجعله‭ ‬مرجعية‭ ‬عليا‭ ‬للجهات‭ ‬النسائية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يطالب‭ ‬المعترضون‭ ‬بتحديد‭ ‬دقيق‭ ‬لما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬عمليًا‭, ‬هل‭ ‬سيمنع‭ ‬التداخل‭ ‬أم‭ ‬يضيف‭ ‬إليه؟‭ ‬هل‭ ‬سيكون‭ ‬منصة‭ ‬تجمع‭ ‬الأصوات‭ ‬أم‭ ‬جهة‭ ‬تحدد‭ ‬أي‭ ‬الأصوات‭ ‬تمثل‭ ‬المرأة؟‭ ‬هل‭ ‬سيكون‭ ‬مستقلًا‭ ‬في‭ ‬قراراته،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬تبعيته‭ ‬لمجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬وإشراف‭ ‬وزير‭ ‬الدولة‭ ‬لشؤون‭ ‬المرأة‭ ‬سيجعلان‭ ‬استقلاله‭ ‬محل‭ ‬تساؤل؟‭ ‬وهل‭ ‬ستُختار‭ ‬قيادته‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬معلنة‭ ‬تضمن‭ ‬الكفاءة‭ ‬والتمثيل‭ ‬الحقيقي،‭ ‬أم‭ ‬وفق‭ ‬آلية‭ ‬حكومية‭ ‬مغلقة؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ترفًا‭ ‬سياسيًا،‭ ‬لأن‭ ‬الإجابة‭ ‬عنها‭ ‬ستحدد‭ ‬طبيعة‭ ‬المجلس‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تحدد‭ ‬صورته‭.‬

القضية‭ ‬ليست‭ ‬‮«‬مجلسًا‮»‬‭ ‬فقط

في‭ ‬العمق،‭ ‬يكشف‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للمرأة‭ ‬مشكلة‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬الليبية‭: ‬تعدد‭ ‬الأجسام‭ ‬دون‭ ‬وضوح‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الاختصاص‭ ‬والمسؤولية‭.‬

والإطار‭ ‬القانوني‭ ‬للجمعيات‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬قائم‭ ‬منذ‭ ‬قانون‭ ‬رقم‭ ‬19‭ ‬لسنة‭ ‬2001‭ ‬بشأن‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬الجمعيات‭ ‬الأهلية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مسألة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والمنظمات‭ ‬المدنية‭ ‬مسألة‭ ‬قانونية‭ ‬ومؤسسية‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬خلاف‭ ‬في‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬التشريعية‭ ‬الليبية‭ ‬عرفت‭ ‬أطرًا‭ ‬تنظيمية‭ ‬سابقة‭ ‬للعمل‭ ‬النسائي،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬سؤال‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬النسائي‭ ‬ليس‭ ‬جديدًا،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬تجربة‭ ‬جديدة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬سبقها،‭ ‬لا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بإضافة‭ ‬هيكل‭ ‬جديد‭      

بين‭ ‬التداخل‭ ‬والاحتكار‭.. ‬قراءة‭ ‬قانونية

يرى‭ ‬المحامي‭ ‬أحمد‭ ‬زيدان‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬حكومة‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬رقم‭ )‬520‭( ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬بشأن‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للمرأة‮»‬‭ ‬يعكس‭ ‬تخبطًا‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬القرارات،‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تداخل‭ ‬الاختصاصات‭ ‬مع‭ ‬هيئات‭ ‬قائمة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬احتكار‭ ‬تمثيل‭ ‬المرأة‭ ‬وحصر‭ ‬أنشطتها‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬واحد‭. ‬كما‭ ‬يثير‭ ‬القرار‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬نطاق‭ ‬تطبيقه،‭ ‬إذ‭ ‬يقتصر‭ ‬أصلًا‭ ‬على‭ ‬الجهات‭ ‬التابعة‭ ‬لحكومة‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬دون‭ ‬وضوح‭ ‬بشأن‭ ‬المناطق‭ ‬الخاضعة‭ ‬للحكومة‭ ‬المعيّنة‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬أو‭ ‬الهيئات‭ ‬المستقلة‭.‬

ويحذر‭ ‬زيدان‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬قد‭ ‬يقيد‭ ‬عمل‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬لعدم‭ ‬مراعاته‭ ‬الكافية‭ ‬لضمانات‭ ‬حرية‭ ‬الرأي‭ ‬وتكوين‭ ‬الجمعيات،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬إنشاء‭ ‬كيان‭ ‬جديد‭ ‬وسط‭ ‬الانقسام‭ ‬المؤسسي‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬المشكلات‭ ‬بدل‭ ‬حلها،‭ ‬بينما‭ ‬يتطلب‭ ‬ملف‭ ‬المرأة‭ ‬توحيد‭ ‬الجهود‭ ‬وتنسيق‭ ‬الأدوار‭.  

إلغاء‭ ‬الهياكل‭ ‬الموازي‭..‬شرط‭ ‬للنجاح‭ ‬ترى‭ ‬أ‭. ‬نعيمة‭ ‬سلامة،‭ ‬رئيس‭ ‬فرع‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بالزاوية‭ ‬الغرب،‭ ‬أن‭ ‬إنشاء‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للمرأة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬مؤسسية‭ ‬مهمة‭ ‬إذا‭ ‬اقترن‭ ‬بتوحيد‭ ‬المرجعية‭ ‬وإنهاء‭ ‬حالة‭ ‬التشتت‭ ‬القائمة‭. ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬المجلس‭ ‬يتطلب‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬المكاتب‭ ‬واللجان‭ ‬والأجسام‭ ‬الموازية،‭ ‬ودمج‭ ‬الاختصاصات‭ ‬والموارد‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬وطني‭ ‬واضح،‭ ‬بما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬الإنفاق‭ ‬وتنازع‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬ويوجه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬البرامج‭ ‬والخدمات‭ ‬المخصصة‭ ‬للمرأة‭. ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬مرجعية‭ ‬وطنية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬تعزيز‭ ‬الحوكمة‭ ‬والشفافية‭ ‬وتسهيل‭ ‬وصول‭ ‬المستفيدات‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات،‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للتخطيط‭ ‬والتنسيق‭ ‬وصناعة‭ ‬السياسات،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬هيكل‭ ‬إداري‭ ‬إضافي‭.‬

‮«‬تخبط‭ ‬إداري‮»‬‭ ‬أم‭ ‬ضرورة‭ ‬مؤسسية؟

في‭ ‬المقابل،‭ ‬ترى‭ ‬د‭. ‬خلود‭ ‬القماطي،‭ ‬الناشطة‭ ‬السياسية‭ ‬والمترشحة‭ ‬للبرلمان‭ ‬الليبي‭ ‬والمستشارة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة،‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬إنشاء‭ ‬المجلس‭ ‬يثير‭ ‬إشكالات‭ ‬قانونية‭ ‬ومؤسسية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬وزارة‭ ‬لشؤون‭ ‬المرأة‭ ‬ومكاتب‭ ‬معنية‭ ‬بتمكين‭ ‬المرأة‭ ‬داخل‭ ‬قطاعات‭ ‬الدولة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تعدد‭ ‬الأجسام‭ ‬الموازية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الانقسام‭ ‬المؤسسي‭ ‬والجغرافي‭. ‬وتنتقد‭ ‬القماطي‭ ‬ما‭ ‬تعتبره‭ ‬توسعًا‭ ‬في‭ ‬صلاحيات‭ ‬المجلس‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالأجسام‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬التعميمات‭ ‬المصاحبة‭ ‬للقرار‭ ‬قد‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬تقييد‭ ‬استقلالية‭ ‬العمل‭ ‬المدني‭ ‬واحتكار‭ ‬تمثيل‭ ‬المرأة‭. ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬إشراف‭ ‬على‭ ‬الكيانات‭ ‬المدنية‭ ‬والسياسية‭ ‬المستقلة،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأولوية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لمعالجة‭ ‬القضايا‭ ‬الملحة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬النساء،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬أوضاع‭ ‬النازحات‭ ‬والمهجرات‭ ‬والسجينات‭. ‬وتكشف‭ ‬القماطي‭ ‬عن‭ ‬توجه‭ ‬لتقديم‭ ‬مذكرة‭ ‬موقف‭ ‬قانونية‭ ‬للطعن‭ ‬قضائيًا‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬والتعميمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬به،‭ ‬دفاعًا‭ ‬عما‭ ‬تعتبره‭ ‬استقلالية‭ ‬العمل‭ ‬النسائي‭ ‬المدني‭ ‬والسياسي‭.‬

المرأة‭ ‬تحتاج‭ ‬مؤسسة‭ .. ‬لا‭ ‬وصاية

بين‭ ‬قرار‭ ‬حكومي‭ ‬يمضي‭ ‬نحو‭ ‬تأسيس‭ ‬المجلس،‭ ‬وأصوات‭ ‬نسائية‭ ‬وحقوقية‭ ‬تطالب‭ ‬بإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أساسه‭ ‬وحدود‭ ‬صلاحياته،‭ ‬تبدو‭ ‬القضية‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬سؤال‭: ‬هل‭ ‬نحتاج‭ ‬مجلسًا‭ ‬وطنيًا‭ ‬للمرأة؟‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭: ‬أي‭ ‬مجلس‭ ‬نريد؟

فالمرأة‭ ‬الليبية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬اللافتات‭ ‬والهياكل،‭ ‬بقدر‭ ‬حاجتها‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬بقضاياها‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬إلى‭ ‬السياسات،‭ ‬ومن‭ ‬المطالب‭ ‬إلى‭ ‬التشريعات،‭ ‬ومن‭ ‬التمثيل‭ ‬الشكلي‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬المجلس‭ ‬الجديد‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬الجهود،‭ ‬وتنسيق‭ ‬الأدوار،‭ ‬ودعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬القائمة،‭ ‬وفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬مختلف‭ ‬الأصوات‭ ‬النسائية،‭ ‬فقد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬استحقاق‭ ‬مؤسسي‭ ‬حقيقي‭.‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬جسم‭ ‬جديد‭ ‬ينافس‭ ‬أجسامًا‭ ‬قائمة،‭ ‬أو‭ ‬يتداخل‭ ‬مع‭ ‬اختصاصات‭ ‬مؤسسات‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬يضع‭ ‬العمل‭ ‬المدني‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬الوصاية،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬سيبقى‭ ‬قائمًا‭: ‬هل‭ ‬أُنشئ‭ ‬المجلس‭ ‬لحل‭ ‬أزمة‭ ‬تعدد‭ ‬الأجسام،‭ ‬أم‭ ‬أصبح‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الأزمة؟‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬نجاح‭ ‬المجلس‭ ‬لن‭ ‬تقيسه‭ ‬قرارات‭ ‬إنشائه‭ ‬ولا‭ ‬مقراته‭ ‬ولا‭ ‬عدد‭ ‬لجانه،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬سيتركه‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬ملموس‭. ‬فالمرأة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬باسمها‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تحتاج‭ ‬مؤسسة‭ ‬تسمع‭ ‬صوتها،‭ ‬وتحمي‭ ‬استقلالها،‭ ‬وتحوّل‭ ‬حقوقها‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى