
أنا لست معلمة لكنني أؤمن أن التعليم ليس شأن يخص المعلم وحده ولا ملفا إداريا يغلق بانتهاء العام الدراسي… التعليم هو الذاكرة التي يصنع بها الوطن مستقبله والعقل الذي يواجه به جهله والضمير الذي يحفظ للأجيال معنى الانتماء.
ولهذا فإن ما يحدث اليوم في قطاع التعليم يستحق وقفة جادة لا تكتفي بوصف الأزمة بل تذهب إلى جذورها فالأوطان لا تنهض حين تكثر فيها الشهادات وإنما حين تبنى فيها عقول قادرة على الفهم والتمييز والإبداع وتحمل المسؤولية.
لطالما تردد القول إن الطاغية جهلنا وهو كلام مردود على أصحاب العقول الهلامية… لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل كان الجهل إرثا لا يراجع أم أن بعض ممارسات الحاضر تعيد إنتاجه في صورةٍ أخرى…!؟ لا أطرح هذا السؤال لتبرئة الماضي أو لإدانة الحاضر وإنما لأقول إن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند تغيير الأنظمة بل تبدأ حين تدرك أن بناء الإنسان هو المعركة الأهم.
لقد عرفنا سنوات كانت فيها العملية التعليمية أكثر انتظاما وكان المعلم يؤدي رسالته وكانت المدرسة تمضي في مسارها دون أن تصبح كل بداية عام دراسي مناسبة جديدة للارتباك. أما اليوم فقد أصبح التعليم يواجه أزمات متراكمة تتداخل فيها المطالب المهنية والاختلالات الإدارية ونقص الإمكانات وضعف التخطيط وتأخر الصيانة وغياب المعالجة الجذرية.
وهنا لا بد من كلمة واضحة:
المعلم ليس خصمًا للتعليم، والطالب ليس ورقة ضغط، والوزارة ليست جهةً تكتفي بإدارة الأزمة من يومٍ إلى آخر. المعلم صاحب حق والطالب صاحب حق والدولة صاحبة واجب.. وإذا كانت هناك مطالب مشروعة للمعلمين فإن معالجتها يجب أن تكون عبر الحوار الجاد والالتزام والشفافية بما يضمن كرامة المعلم واستمرار حق الطالب في الدراسة. أما أن تتحول الاعتصامات إلى تعطيل متكرر للمسيرة التعليمية فذلك يضع مستقبل آلاف الطلبة أمام ثمن لا ينبغي أن يدفعوه.
وزارة التعليم مطالبة اليوم بأن تسمع قبل أن تتحدث وأن تعالج قبل أن تبرر وأن تخطط قبل أن تتفاجأ. يجب صنع جلسات حقيقية وشفافة مع المعلمين لا لقاءات شكلية تنتهي بانتهاء التصريحات.
ومن حقنا كأولياء أمور المطالبة
بكشف واضح لمواطن الخلل والفساد ومراجعة جادة للميزانيات ومعرفة دقيقة بمصير الأموال المرصودة للتعليم وأثرها الفعلي على المدارس والطلبة. فلا يكفي أن تعلن أرقام ضخمة بينما لا تزال مدارس تحت الصيانة وأخرى تفتقر إلى التجهيز وفصول يزدحم فيها الطلبة بصورةٍ لا تليق بكرامة الإنسان ولا برسالة التعليم. أي عقل نطلب منه أن يتعلم في بيئة لا تمنحه شروط التعلم؟
كيف نطالب الطالب بالتركيز والفصل لا يتسع لأعداد الجالسين فيه؟ كيف نطلب من المعلم أن يمنح أقصى طاقته وهو يواجه اكتظاظا يثقل كاهله، ويحد من قدرته على متابعة الفروق الفردية بين الطلبة؟ وكيف نتحدث عن جودة التعليم بينما لا تزال بعض المدارس تنتظر اكتمال صيانتها وتجهيزها؟
إن المدرسة ليست جدران وأبواب ومقاعد
المدرسة بيئة تصنع فيها الشخصية ويُكتشف فيها الموهوب ويتعلم فيها الطفل معنى النظام والحوار والاختلاف والانتماء. وكل خلل يصيب هذه البيئة يترك أثرا في جيل كامل.
ثم تأتي قضية المعلمين المحالين إلى التقاعد وهي ملف لا يجوز أن يترك للمفاجأة. فإذا كانت بعض المدارس تعاني من نقص المدرسين فأين خطط الإحلال؟ وأين حصر الاحتياجات الفعلية لكل مدرسة؟ وأين التوزيع العادل للكادر التعليمي؟ وكيف ستضمن الوزارة ألا يتحول خروج أعداد من المعلمين إلى فجوةٍ تتسع عامًا بعد عام؟
التخطيط للتعليم
لا يبدأ عند وقوع العجز بل يبدأ قبل وقوعه. والميزانيات لا تقاس بحجم ما يرصد لها بل بما تتركه من أثر ملموس في حياة الطالب والمعلم. نريد أن نرى مدارس جديدة حيث تفرض الكثافة السكانية ذلك. نريد دراسات حقيقية للتوسع وخططا معلنة للصيانة والتجهيز ورؤية واضحة لاستيعاب الزيادة في أعداد الطلبة. نريد أن نعرف: ما الذي أنجز؟ وما الذي تعثر؟ ومن يتحمل مسؤولية التعثر؟ فالدولة التي لا تراجع أداءها تترك الخلل يتكاثر حتى يصبح أمرا واقعا.
التعليم لا يحتمل الترقيع..
لأن كل عام دراسي ضائع لا يقاس بعدد الأيام التي لم يدخل فيها الطالب فصله بل بما يفوته من معرفة وما يتراكم في نفسه من إحباط وما تخسره البلاد من فرصة لبناء جيل أكثر وعيا وقدرة. إن إصلاح التعليم ليس تحسينًا لخدمة عامة فحسب إنه إعادة بناءٍ للثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
حين يرى الطالب مدرسة مجهزة ومعلما مصان الكرامة وإدارة مسؤولة فإنه يتعلم درسا أعمق من الكتب: أن النظام ممكن وأن العدالة ليست شعارا وأن الوطن قادر على الوفاء بوعوده.
ليبيا لا تحتاج إلى جيلٍ يحفظ المناهج فقط
بل إلى جيلٍ يفهم وطنه ويقرأ واقعه ويملك أدوات التفكير ولا يكون فريسة للإشاعة أو التضليل أو الاستغلال. وهذا لا يتحقق بمدرسة مرتبكة ولا بمعلم مستنزف ولا بوزارةٍ تكتفي بإطفاء الحرائق.
نحتاج إلى مشروعٍ وطني للتعليم تتكامل فيه مسؤولية الوزارة والبلديات والمؤسسات الرقابية والمعلم والأسرة والمجتمع. مشروع تكون فيه الأولوية للإنسان قبل الأرقام وللنتائج قبل التصريحات وللمعالجة قبل تفاقم الأزمة.
ومن أراد أن يحمي مستقبل ليبيا فليحفظ حق أبنائها في العلم. ومن أراد أن يواجه الجهل فلا يكفي أن يصفه.. عليه أن يهدم أسبابه ويبني مكانه وعيا ومعرفة ومؤسسات لا تترك الأجيال رهينة للفوضى.
التعليم أمانة في عنق الدولة
وحقٌ لا يجوز أن يضيع بين الاعتصامات والميزانيات والوعود المؤجلة. آن الأوان لوقفة صادقة. وقفة لا تبحث عن متهم فقط بل تبحث عن حل. لا تكتفي بتسكين الأزمة، بل تقتلع جذورها. ولا تنظر إلى العام الدراسي باعتباره موعدا في التقويم بل باعتباره عهدًا مع جيلٍ كامل.
فهل تملكون شجاعة الإصلاح؟ وهل نملك إرادة أن نجعل من المدرسة بدايةً حقيقية لاستعادة الثقة، وبناء الإنسان، وصناعة مستقبلٍ يليق بليبيا؟ الوطن الذي يهمل مدرسته يؤجل نهضته والوطن الذي يصون التعليم يضع أول حجر في بناء مستقبله.

