
للمرة الثانية اجد نفسي اكتب عن – التيه – الذي نعيشه . فقد سبق وان كتبت عنه في مقال سابق تناولت فيه الواقع المعاش الذي يزداد رتابة من خلال افتعال الازمات التى كسرت ظهور الناس . ما ان تنتهي ازمة الا وتكون الازمة الثانية بعدها من البنزينة الى السيولة الى الغاز الى غلاء الاسعار الى التهريب المستشري الى تدفق العمالة التي لم تتوقف ولن يكن لها أي بوادر من الحلول . الى انتشار المخدرات الى نقص الدواء الى الانقسام السياسي الى محطات الفتنة وخطاب الكراهية . الى . الى . الى . فهل ليبيا وطن يعيش فيه الجميع وفق قواعد واحدة أم مساحة تتصارع فيها المصالح بينما المواطن هو الحلقة الأضعف ؟
فالبلاد ليست ملكًا لمن يتولى منصبًا . وليست ملكًا لمن يملك المال . وليست ملكًا لمن يملك السلاح . وليست ملكًا لمن يستطيع الوصول إلى دوائر القرار . ليبيا ملك الليبيين جميعًا. وكل من يتولى شأنًا عامًا يجب أن يتذكر أن الكرسي مؤقت بينما آثار القرارات قد تبقى عقودًا. والتيه – في أعمق معانيه ليس مجرد السير بلا اتجاه .. إنه فقدان البوصلة . وأن تعرف أن الطريق الصحيح أمامك ثم لا تسلكه. وأن تعرف أن الفساد يهدم الدولة ثم تتعايش معه. وأن تعرف أن المحسوبية تقتل الكفاءة ثم تستخدمها. وأن تعرف أن الانقسام يضعف الوطن ثم تتمسك بما يحقق مصلحتك الخاصة. وأن تعرف أن الشباب هم ثروة البلاد ثم تتركهم بلا أفق. وأن تعرف أن المال العام حق للناس ثم تسمح بإهداره.
هذا هو – التيه – الذي يجب أن نخاف منه. تيهٌ – لا تقاس سنواته بالرقم بل بعدد الأجيال التي تضيع فيه. الحقيقة التي يجب ألا نخاف منها .. الحقيقة أن ليبيا لن تخرج من أزمتها بتغيير الأشخاص وحدهم . بل ستخرج عندما يتغير منطق إدارة الدولة. عندما تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص . وعندما يصبح القانون أقوى من النفوذ . وعندما تصبح الكفاءة أقوى من الواسطة . وعندما تصبح المحاسبة حقيقة لا شعارًا. وعندما يصبح المال العام خطًا أحمر. وعندما يصبح المنصب مسؤولية لا فرصة للثراء. وعندما يدرك الجميع أن الوطن ليس خزينة مفتوحة لمن يستطيع الوصول إليها.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الكلام المنمق . نحن نحتاج إلى شجاعة الاعتراف. و يجب ان نقول بالسوط العالي وفى كل المنابر والساحات إن هناك خللًا عميقًا و استمرار الوضع بهذه الحالة في البلاد ليس حلًا . وأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون انتقائيًا . لابد أن يبدأ من القاعدة إلى القمة ومن أصغر مؤسسة إلى أكبر مؤسسة. فالفساد الذي يفسد مؤسسة صغيرة والفساد الذي يفسد مؤسسة كبيرة كلاهما يضرب فكرة الدولة. والتي قد اصيبت في مقتل ..
كفى تيهًا فقد تعب المواطن من الانتظار. ومن الوعود. وتعب من أن يرى وطنًا غنيًا يعيش أزمات لا تليق بإمكاناته. وتعب الشباب من أن يكون مستقبلهم مؤجلًا إلى أجل غير مسمى . وتعبت البلاد من أن تُدار بعقلية الأزمة بينما العالم من حولها يبني ويخطط ويتقدم . والتعب لا ينبغي أن يتحول إلى يأس والغضب لا ينبغي أن يتحول إلى فوضى جديدة. بل يجب أن يتحول إلى وعي . فالدولة لا تُبنى بالتصفيق للأشخاص وإنما ببناء المؤسسات. وأن الوطنية ليست شعارًا نرفعه وإنما مال عام نحافظ عليه وقانون نحترمه ووظيفة نؤديها بإخلاص وحق لا نعتدي عليه وواجب لا نهرب منه. ليبيا لا تحتاج إلى معجزة. تحتاج إلى إرادة حقيقية للخروج من هذه الدائرة . وإلى رجال ونساء يؤمنون بأن الوطن أكبر من مصالحهم . وتحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تقول للفاسد .لا. وللمحسوب على النفوذ . لا. ولمن يعبث بالمال العام لا. ولمن يضع مصلحته فوق مصلحة البلاد . لا. وتحتاج قبل كل شيء إلى أن نستعيد شيئًا فقدناه . فقد يختلف الليبيون في السياسة وفي الرؤية وفي طريقة إدارة البلاد وهذا طبيعي . لكن لا ينبغي أن يختلفوا على أن الدولة يجب أن تكون دولة قانون وأن المال العام ليس غنيمة وأن المواطن ليس تابعًا لأحد وأن الشباب ليسوا فائضًا عن الحاجة وأن الوطن ليس ملكًا لمن يجلس على كرسي السلطة. لقد طال – التيه. وطال الانتظار. وطال استنزاف الوطن . ولم يعد السؤال .. متى تنتهي الأزمة ؟ بل السؤال الأخطر هو.. كم جيلًا آخر سندفعه ثمنًا لاستمرارها ؟
الوقت ايها السادة لم يعد يسمح بمزيد من الدوران حول أنفسنا. فإما أن نبدأ في بناء دولة حقيقية أو نظل ننتقل من أزمة إلى أزمة ومن مرحلة انتقالية إلى مرحلة انتقالية والسنوات تضيع ويكبر اليأس ويرحل الشباب وتصبح الفوضى شيئًا طبيعيًا في حياة الناس. فالوطن لا يموت فجأة. ولكن قد يموت ببطء حين يعتاد الناس الخطأ. ويصبح الفساد عاديًا وحين يصبح القانون ضعيفًا . وحين يفقد الشباب الأمل . وحين يصبح الصمت أسهل من المواجهة . فهل نستمر في التيه – أم نمتلك أخيرًا شجاعة العودة إلى الطريق؟ ذلك هو السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه بعد اليوم.
حفظ الله ليبيا واهلها



