رأي

المرحوم بن حليم وفضل سبق التدوين

‬أمين‭ ‬مازن

حين‭ ‬شاءت‭ ‬الأقدارُ‭ ‬أن‭ ‬أُلبيَ‭ ‬نداء‭ ‬صلة‭ ‬الرحم‭ ‬وأُولِّي‭ ‬وجهي‭ ‬شطر‭ ‬مسقط‭ ‬الرأس،‭ ‬فأمُرُّ‭ ‬ببقايا‭ ‬المباني‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬الإيطاليون‭ ‬عقب‭ ‬احتلالهم‭ ‬البلدة‭ ‬وإسكانهم‭ ‬لمن‭ ‬ارتأوا‭ ‬ضرورة‭ ‬إسكانه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬رحلوا‭ ‬صاغرين‭ ‬فبقيتْ‭ ‬خالية؛‭ ‬لأنَّ‭ ‬البريطانيين‭ ‬لم‭ ‬يأتوا‭ ‬عند‭ ‬احتلالهم‭ ‬بالعدد‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬المباني،‭ ‬فبقيت‭ ‬شاغرة‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬رحيم‭ ‬أشهر‭ ‬أعيان‭ ‬قبائل‭ ‬‮«‬العبيدات‮»‬‭ ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬أحد‭ ‬أعضاء‭ ‬جمعية‭ ‬‮«‬الستين‮»‬‭ ‬حين‭ ‬بحثت‭ ‬مكان‭ ‬العاصمة‭ ‬فاقترحها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مقرًا‭ ‬للحكومة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬التوجه‭ ‬الذي‭ ‬أمر‭ ‬به‭ ‬الملك‭ ‬إدريس،‭ ‬عقب‭ ‬وفاة‭ ‬ناظر‭ ‬خاصته‭ ‬السيد‭ ‬إبراهيم‭ ‬الشلحي‭ ‬متأثرًا‭ ‬بالرصاصات‭ ‬التي‭ ‬اطلقها‭ ‬عليه‭ ‬نجل‭ ‬السيد‭ ‬محى‭ ‬الدين‭ ‬أحمد‭ ‬الشريف‭ ‬شقيق‭ ‬الملكة‭ ‬فاطمة،‭ ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬إبعاد‭ ‬جميع‭ ‬أفراد‭ ‬أسرة‭ ‬الشريف‭ ‬من‭ ‬بنغازي،‭ ‬فكان‭ ‬مجيؤهم‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬هون‮»‬‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬الأهل‭ ‬قد‭ ‬رأوا‭ ‬في‭ ‬مجيئهم‭ ‬فرصة‮ ‬‭ ‬لإكرامهم‭ ‬وليس‭ ‬اعتبارهم‭ ‬سجناء،‮ ‬فكانت‭ ‬العودة‭ ‬السريعة‭ ‬بهم‭ ‬جميعًا‭ ‬عندما‭ ‬نُقِلوا‭ ‬إلى‭ ‬الجبل‭ ‬الغربي‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬في‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬للعام‭ ‬الرابع‭ ‬والخمسين‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬آلتْ‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬لمصطفى‭ ‬بن‭ ‬حليم‭ ‬أحد‭ ‬وزراء‭ ‬حكومة‭ ‬الساقزلي‭ ‬المستقيلة‭ ‬لرفض‭ ‬الملك‭ ‬إدريس‭ ‬تنفيذ‭ ‬حكم‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬بعدم‭ ‬دستورية‭ ‬المرسوم‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬بحل‭ ‬المجلس‭ ‬التشريعي‭ ‬طرابلس،‭ ‬ذلك‭ ‬المرسوم‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شهود‭ ‬المرحلة‭ ‬ضلوع‭ ‬الشلحي‭ ‬وراءه‭ ‬باعتباره‭ ‬قد‭ ‬نصح‭ ‬بتعيين‭ ‬الصديق‭ ‬المنتصر‭ ‬واليًا‭ ‬لطرابلس‭ ‬دون‭ ‬تنسيق‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬محمود‭ ‬المنتصر‭ ‬كما‭ ‬تحدثت‭ ‬مذكرات‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬شهود‭ ‬المرحلة‭ ‬لأن‭ ‬الحاشية‭ ‬كانت‭ ‬تسعى‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يعلم‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬سياسات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الولاة‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬الولايات‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الإمارات‭ ‬كما‭ ‬تشهد‭ ‬المراسلات‭ ‬المتبادلة‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬الحكومة،‭ ‬وهو‭ ‬التوجه‭ ‬الذى‭ ‬رفضته‭ ‬حكومة‭ ‬المنتصر‭ ‬وبعده‭ ‬الساقزلي‭ ‬فيما‭ ‬اختار‭ ‬بن‭ ‬حليم‭ ‬أسلوبًا‭ ‬آخر‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬إظهار‭ ‬القبول‭ ‬ريثما‭ ‬تمكن‭ ‬لاحقًا‭ ‬بفضل‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬مذكراته‭ ‬التي‭ ‬فتح‭ ‬بها‭ ‬باب‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬العهد‭ ‬الملكي‭ ‬قبل‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬الفاتح‭ ‬عندما‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬عديد‭ ‬الأحداث‭ ‬وفى‭ ‬مقدمتها‭ ‬خروج‭ ‬السيد‭ ‬صالح‭ ‬بويصير‭ ‬بإحدى‭ ‬الرحلات‭ ‬الجوية‭ ‬متخفيًا‭ ‬في‭ ‬زي‭ ‬عُرف‭ ‬في‭ ‬حينه‭ ‬ورؤي‭ ‬غض‭ ‬النظر‭ ‬عنه،‭ ‬إنها‭ ‬المذكرات‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬تلقيه‭ ‬نبأ‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬الليبي‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬الرئيس‭ ‬‮«‬نكسون‮»‬‭ ‬وأعلن‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬بليبيا‭ ‬‮«‬ديفد‭ ‬نيوسم‮»‬‭ ‬عن‭ ‬ضمان‭ ‬مصالح‭ ‬أمريكا‮ ‬‭ ‬لثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬عقب‭ ‬حلول‭ ‬ذلك‭ ‬العهد،‭ ‬وبدأ‭ ‬أحد‭ ‬أبنائه‭ ‬يدخل‭ ‬البلاد‭ ‬ويكلف‭ ‬من‭ ‬العهد‭ ‬ببعض‭ ‬الأعمال‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬محكومًا‭ ‬غيابيًا‭ ‬وجرت‭ ‬محاولة‭ ‬لاختطافه‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬أما‭ ‬لماذا‭ ‬عددت‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬لمجرد‭ ‬حلولي‭ ‬بهذه‭ ‬الربوع؛‭ ‬ففضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬هاجس‭ ‬العمر‭ ‬الذى‭ ‬يحضنا‭ ‬دومًا‭ ‬على‭ ‬الأدلاء‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬لدينا‭ ‬عما‭ ‬لدينا‭ ‬عن‭ ‬تاريخينا‭ ‬ومواقف‭ ‬أهلنا‭ ‬وما‭ ‬يحرص‭ ‬عليه‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عما‭ ‬حدث‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الملكي،‭ ‬وقد‭ ‬أقول‭ ‬القذافي‭ ‬بسنواته‭ ‬الأولى‭ ‬والأخيرة،‭ ‬وفبراير‭ ‬وما‭ ‬ظهر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تخييب‭ ‬لعديد‭ ‬الطموحات‭ ‬والقلة‭ ‬القليلة‭ ‬من‭ ‬المتماسكين‭ ‬الذين‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬أقلامهم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يجنبهم‭ ‬الحواريات‭ ‬مدفوعة‭ ‬الثمن‭ ‬والمقابلات‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬الفوز‭ ‬بكثير‭ ‬الأضواء‭ ‬والقليل‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وللمرحوم‭ ‬فضل‭ ‬السبق‭ ‬الذى‭ ‬لا‭ ‬ينكره‭ ‬إلا‭ ‬جاحدٌ‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى