
في أروقة مجمع المحاكم لا تُختصر الحكايات في أوراق القضايا وأحكام القضاة؛ فخلف كل ملف وجع إنساني، وخلف بعض التنازلات حكايات لا يعرف تفاصيلها إلا أصحابها. هناك التقيتُ «أمًّا مطلقة»، تنازلت عن حضانة أطفالها الستة لوالدهم، لا لأنها لم تعد تريدهم، بل لأنها خافت أن تعجز عن توفير حياة كريمة لهم. واليوم، تعود إلى المحكمة بقلب مثقل بالندم، وأمنية واحدة: أن تستعيد أبناءها وتجد ما يعينها على تربيتهم.
تروي حكايتها بصوت تختلط فيه الحسرة بالخوف، وتقول: )أنا مطلقة وصغاري مع أبوهم، وعطيته حضانتهم، لكن والله مش قادرة نفارقهم. طول اليوم بالي معاهم، وكل مرة يجيني شعورٌ إني ناخذهم ونضمّهم لحضني، لكن نفكر في المسؤولية ونقول: كيف بنقدر عليهم وهم ستة؟(.
لم يكن قرارها سهلًا؛ فالأم التي تحمل همّ ستة أطفال تعرف أن الحب وحده لا يكفي لتأمين احتياجاتهم، وأن الحنان لا يدفع إيجار المسكن ولا يوفر الطعام والملبس. وبين رغبتها في احتضان أبنائها وخوفها من ضيق الحال، اختارت أن يبقوا مع أبيهم، على أمل أن يجدوا لديه استقرارًا ماديًا افتقدت القدرة على توفيره.
لكن الحياة لم تمنحها راحة البال التي تصورتها. فالأطفال الذين تركتهم في رعاية والدهم ظلوا حاضرين في تفاصيل يومها، بينما بقيت هي أسيرة سؤال يتكرر كلما اشتاقت إليهم: هل كان تنازلها القرار الصحيح، أم أنها دفعت ثمن خوفها من الفقر بحرمان نفسها من أبنائها؟.
وتضيف: )النفقة ما تسدش حتى أسبوع، وتقعدي تجري عليها باش يعطيهالك، وبعد أكثر من شهر يمكن تتحصلي عليها. وأنا نفكر لقدّام، الصغار كل ما يكبروا تكبر مسؤوليتهم، ونخاف نجيبهم عندي ونعيشهم عيشة قليلة ونظلمهم معاي(.
إنها لا تخشى المسؤولية في حد ذاتها، بقدر ما تخشى ألا تستطيع الوفاء بمتطلباتها. فستة أطفال يحتاجون إلى أكثر من سقف يجمعهم؛ يحتاجون إلى رعاية وتعليم وعلاج واحتياجات تتزايد مع مرور السنوات. ومع محدودية إمكاناتها، تجد نفسها أمام خيارين كلاهما موجع: أن تبقى بعيدة عنهم، أو تستعيد حضانتهم وتواجه أعباء الحياة بما تملك.
وتقول بمرارة: )توا هم مع بوهم، يقدر يتعايش مع الدنيا، كل شي قدامهم، ياكلوا ويلبسوا ويشربوا. لكن لو خذيتهم، نخاف أبوهم ما عادش يسأل عليهم، ونلقى روحي نشقى ونشقيهم معاي، وهو يعيش مرتاح البال(.
اليوم، قررتْ الأم العودة إلى القضاء، بعدما غلبها الحنين ولم تعد قادرة على التعايش مع غياب أبنائها. وهي تطالب باستعادة حضانتهم، والحصول على نفقة مناسبة، وإيجاد حل لمسألة السكن، حتى تتمكن من استقبالهم وتوفير بيئة مستقرة لهم.
وتقول: )أنا ندمت إني تنازلت على صغاري. توا جاية للمحكمة ونبي نستأنف القرار، ونطالب بالنفقة وبدل السكن، لأني استاحشتهم ونبيهم معاي(.
حكاية هذه الأم تفتح ملفًا اجتماعيًا يتجاوز تجربتها الشخصية؛ فحين تصبح الإمكانات المادية عاملًا حاسمًا في قرارات الحضانة، تبرز الحاجة إلى النظر في ظروف الوالدين واحتياجات الأطفال، وضمان تحمّل كل طرف مسؤولياته وفق القانون، بعيدًا عن الخلافات التي قد يدفع الأبناء ثمنها.
فمصلحة الطفل لا تتحقق بالحنان وحده، ولا بالإنفاق وحده، بل بتوفير الأمان والرعاية والاستقرار النفسي والمادي. وتظل قرارات الحضانة والنفقة والسكن خاضعة لتقدير القضاء وفق القانون والمصلحة الفضلى للأطفال.
في نهاية اللقاء، لم تكن هذه الأم تبحث عن حياة مثالية، بل عن فرصة تجمع فيها أبناءها تحت سقف واحد، دون أن تضطر إلى الاختيار بين أمومتها وقدرتها على إعالتهم.
ويبقى سؤالها مفتوحًا أمام كل من مرّ بتجربة مشابهة: )لو كنتوا مكاني، شن تديروا؟ تخلو صغاركم مع بوهم خوفًا عليهم من الفقر، ولا تاخذوهم لحضنكم وتواجهوا الدنيا بيهم؟(.


