رأي

الكبتي ودربه الأقوى

أمين مازن

لم‭ ‬أكد‭ ‬أستطعم‭ ‬مسرتي‭ ‬بحضور‭ ‬لقاء‭ ‬السبت‭ ‬الذي‭ ‬دأب‭ ‬على‭ ‬تنظيمه‭ ‬أسبوعيا‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬الصالون‭ ‬الثقافي‭ ‬لحزب‭ ‬السلام‭ ‬والازدهار،‭ ‬حتى‭ ‬وجدتني‭ ‬أزداد‭ ‬انتشاء‭ ‬عندما‭ ‬تبين‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬المتحدث‭ ‬هو‭ ‬الباحث‭ ‬المثابر‭ ‬الأستاذ‭ ‬سالم‭ ‬الكبتي‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يهاب‭ ‬مسافة‭ ‬من‭ ‬أطول‭ ‬المسافات‭ ‬وهو‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬محفل‭ ‬يتعلق‭ ‬بالثقافة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مدينة‭ ‬من‭ ‬المدن،‭ ‬عندما‭ ‬حضر‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مستجيبا‭ ‬للدعوة‭ ‬الموجهة‭ ‬إليه‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬هذا‭ ‬الصالون‭ ‬والتي‭ ‬حرص‭ ‬كما‭ ‬فهمت‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬بها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تجمع،‭ ‬وقد‭ ‬حددها‭ ‬للنشاط‭ ‬الإذاعي‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حصرها‭ ‬بدولة‭ ‬الاستقلال‭ ‬حتى‭ ‬حلول‭ ‬العام‭ ‬السبعين‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬تكد‭ ‬عقارب‭ ‬الساعة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الحادية‭ ‬عشر،‭ ‬وهو‭ ‬موعد‭ ‬النشاط،‭ ‬حتى‭ ‬أمسك‭ ‬العزيز‭ ‬الودود‭ ‬بناصية‭ ‬الحديث‭ ‬حول‭ ‬النشاط‭ ‬الذي‭ ‬عرفته‭ ‬مدننا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الاستقلال‭ ‬من‭ ‬مدينتي‭ ‬طرابلس‭ ‬وبنغازي،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬رحلة‭ ‬التعبير‭ ‬وهو‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الشعر‭ ‬والنثر‭ ‬والتطلع‭ ‬لإصدار‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬وثق‭ ‬وسعى‭ ‬إلى‭ ‬تجسيد‭ ‬المنجز‭ ‬الفكري‭ ‬المعبر‭ ‬عن‭ ‬النهضة‭ ‬والتحرر‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬المساوي‭ ‬لما‭ ‬وصل‭ ‬إليه‭ ‬عديد‭ ‬المجايلين‭ ‬العرب‭ ‬ونحن‭ ‬ننحى‭ ‬منحاهم‭ ‬بتبني‭ ‬مطالب‭ ‬النهضة‭ ‬والتحرر‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬المستوى‭ ‬الجيد‭ ‬المنشغل‭ ‬بهموم‭ ‬الوطن‭ ‬وآماله‭ ‬وتطلعاته‭ ‬للحاق‭ ‬بقطار‭ ‬التطور‭ ‬العالمي‭ ‬وما‭ ‬دأب‭ ‬عل‭ ‬فرضه‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬المثيرة‭ ‬مما‭ ‬ليس‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أوتي‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬جوامع‭ ‬الكلَم‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬منها‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬إنجاز‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬النابعة‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬المتعايشين‭ ‬فوقها‭ ‬بآمالهم‭ ‬ولحظات‭ ‬سرورهم‭ ‬وعجزهم،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬حفلت‭ ‬بها‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬مما‭ ‬لم‭ ‬يسأم‭ ‬العكوف‭ ‬عليها‭ ‬أمثال‭ ‬سالم‭ ‬الكبتي‭ ‬عندما‭ ‬شهد‭ ‬له‭ ‬إسهامه‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬أثر‭ ‬مكتوب‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬ديوان‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي‭ ‬الذي‭ ‬رعته‭ ‬الجامعة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ ‬عندما‭ ‬وجد‭ ‬فيها‭ ‬أحد‭ ‬المثقفين‭ ‬الليبيين‭ ‬المؤهلين‭ ‬خير‭ ‬مَنفَذٍ‭ ‬لممارسة‭ ‬ما‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬إمكانيات‭ ‬علمية‭ ‬استعصت‭ ‬على‭ ‬الإقصاء‭ ‬الذي‭ ‬كاد‭ ‬أن‭ ‬يسود‭ ‬بتأثير‭ ‬الهجمة‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬جميع‭ ‬ما‭ ‬عرفته‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬البقاء‭ ‬عقب‭ ‬سقوط‭ ‬التجربة‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬التاسع‭ ‬والستين‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬تشهد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تحرك‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬الوجود‭ ‬الليبي‭ ‬لما‭ ‬تأكد‭ ‬من‭ ‬احتوائه‭ ‬على‭ ‬الثروة‭ ‬النفطية‭ ‬وما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬يسر‭ ‬الاستثمار‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الندرة‭ ‬السكانية‭ ‬والحماس‭ ‬الكبير‭ ‬للمشروعات‭ ‬الوحدوية‭ ‬غير‭ ‬المتكافئة‭ ‬وما‭ ‬كانت‭ ‬تنذر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬الابتلاع‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الدولية‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬يسوغها‭ ‬لولا‭ ‬الصراع‭ ‬التاريخي‭ ‬المتعلق‭ ‬بنا‭ ‬منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الكونية‭ ‬الثانية‭ ‬وبروز‭ ‬إقامة‭ ‬كيان‭ ‬مستقل‭ ‬كمخرج‭ ‬أيسر‭ ‬ريثما‭ ‬تحل‭ ‬تسويات‭ ‬أنسب،‭ ‬وقد‭ ‬انتهت‭ ‬يومئذ‭ ‬بمولد‭ ‬ليبيا‭ ‬كمملكة‭ ‬ولِدت‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬بدأت‭ ‬فيه‭ ‬العروش‭ ‬تفقد‭ ‬بريقها‭ ‬ومقدرتها‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬المطلوب‭ ‬وبدأ‭ ‬تحركها‭ ‬بالقليل‭ ‬من‭ ‬المال،‭ ‬ولم‭ ‬تكد‭ ‬تحتفل‭ ‬بعيد‭ ‬استقلالها‭ ‬العاشر‭ ‬حتى‭ ‬بدأ‭ ‬تصدير‭ ‬البترول‭ ‬وتبين‭ ‬معه‭ ‬للشركاء‭ ‬عجز‭ ‬الملك‭ ‬المسن‭ ‬عن‭ ‬أداء‭ ‬المطلوب،‭ ‬فكان‭ ‬السماح‭ ‬لقيادة‭ ‬جديدة‭ ‬أن‭ ‬تنقض‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬وتدوم‭ ‬لأربعة‭ ‬عقود‭ ‬كان‭ ‬للحضور‭ ‬الفكري‭ ‬فيها‭ ‬وجوده‭ ‬مما‭ ‬تحدث‭ ‬عنه‭ ‬الكبتي‭ ‬في‭ ‬أسماء‭ ‬حددها‭ ‬وأشاد‭ ‬بقدراتها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكتوب‭ ‬ودفعت‭ ‬لاحقا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثمن‭ ‬وشارك‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عديد‭ ‬الحاضرين‭ ‬بما‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬الإضافة‭ ‬أهمه‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تناول‭ ‬السبعين‭ ‬سنة‭ ‬الكاملة‭  ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية،‭ ‬الملكية‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الملكية،‭ ‬وأخيرا‭ ‬التنبه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬إلحاحا‭ ‬من‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بضرورة‭ ‬الحذر‭ ‬من‭ ‬مغريات‭ ‬المساحة‭ ‬وسهولة‭ ‬الاختراق‭ ‬وصعوبة‭ ‬التخلص‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتجه‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬استشعار‭ ‬المسئولية‭ ‬والقبول‭ ‬بالإكراهات‭ ‬التي‭ ‬تؤذن‭ ‬بالوصول‭ ‬إلى‭ ‬أيسر‭ ‬المخارج‭ ‬مع‭ ‬وافر‭ ‬الاحترام‭ ‬جزيل‭ ‬الشكر‭ ‬لسالم‭ ‬الكبتي‭ ‬ومن‭ ‬على‭ ‬دربه‭ ‬الوطني‭ ‬الأجدى‭ ‬والأبقى‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى