الرئيسيةتحقيقات

النفايات‭ ‬الخطرة‭ .. ‬بين‭ ‬التشريعات‭ ‬ومخاطر‭ ‬الواقع  ملف‭ ‬فتحه‭ ‬مؤتمر‭ ‬وأجاب‭ ‬عنـه‭ ‬المختصون

آمنة‭ ‬رحومة‭ ‬

تتنوع‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬كالمخلفات‭ ‬الطبية‭  ‬والصناعية‭ ‬والإلكترونية‭ ‬والزراعية،‭ ‬مما‭ ‬يتطلب‭ ‬إجراءات‭ ‬صارمة‭ ‬لمنع‭ ‬تسرب‭ ‬أضرارها‭ ‬للإنسان‭ ‬والبيئة،‭ ‬ويجعل‭ ‬إدارتها‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الجوانب‭ ‬التشريعية‭ ‬والتنفيذية‭. ‬ينطلق‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق‭ ‬لبحث‭ ‬واقع‭ ‬إدارة‭ ‬هذه‭ ‬النفايات،‭ ‬ورصد‭ ‬مصادرها،‭ ‬وآليات‭ ‬التخلص‭ ‬منها،‭ ‬ومدى‭ ‬كفاية‭ ‬التشريعات،‭ ‬واستكشاف‭ ‬الحلول‭ ‬العملية‭ ‬المطروحة‭. ‬ويتزامن‭ ‬طرح‭ ‬الملف‭ ‬مع‭ ‬اختتام‭ ‬‮«‬المؤتمر‭ ‬العلمي‭ ‬الدولي‭ ‬الأول‭ ‬للملوثات‭ ‬البيئية‭ ‬وإدارة‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‮»‬‭ ‬بطرابلس‭. ‬ولمناقشة‭ ‬هذه‭ ‬القضايا،‭ ‬أجرينا‭ ‬سلسلة‭ ‬لقاءات‭ ‬مع‭ ‬خبراء‭ ‬وباحثين‭ ‬مشاركين‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭.‬

كانت‭ ‬البداية‭ ‬مع‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬الهيئة‭ ‬الليبية‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬الدكتور‭/ ‬فيصل‭ ‬العبدلي،‭ ‬الذي‭ ‬حذر‭ ‬من‭  ‬أن‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬فنية،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬للصحة‭ ‬والموارد‭ ‬والتنمية،‭ ‬ما‭ ‬يحتم‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬كقضية‭ ‬وطنية‭ ‬تستوجب‭ ‬تكامل‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬والاستناد‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭.‬

وأوضح‭ ‬العبدلي‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬تمتلك‭ ‬كفاءات‭ ‬علمية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬حلول‭ ‬واقعية‭ ‬عبر‭ ‬دعم‭ ‬الدراسات‭ ‬التطبيقية،‭ ‬مشدداً‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬‮«‬مقاربة‭ ‬الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الترابط‭ ‬الوثيق‭ ‬بين‭ ‬صحة‭ ‬الإنسان‭ ‬والحيوان‭ ‬وسلامة‭ ‬البيئة‭. ‬وخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وتحديث‭ ‬التشريعات،‭ ‬وبناء‭ ‬الشراكات،‭ ‬يمثل‭ ‬الخيار‭ ‬الأمثل‭ ‬لابتكار‭ ‬حلول‭ ‬بيئية‭ ‬مستدامة‭ ‬تحمي‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

توصيات‭ ‬وحلول‭ ‬تستند‭ ‬للأدلة

‭ ‬من‭ ‬جهته،‭ ‬شدد‭ ‬رئيس‭ ‬اللجنة‭ ‬العلمية‭ ‬للمؤتمر‭ ‬ومدير‭ ‬مركز‭ ‬البحوث‭ ‬بجامعة‭ ‬طبرق،‭ ‬أ‭.‬د‭./ ‬صلاح‭ ‬علي‭ ‬محجوب‭ ‬إدريس،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬بناء‭ ‬السياسات‭ ‬والتشريعات‭ ‬البيئية‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬علمية‭ ‬وقواعد‭ ‬بيانات‭ ‬دقيقة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التقديرات‭. ‬وأوضح‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للدراسات‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تطبيقية‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬نهج‭ ‬‮«‬الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭.‬

وأشار‭ ‬إدريس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المؤتمر‭ ‬استعرض‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ ‬ورقة‭ ‬علمية‭ ‬محكّمة،‭ ‬بمشاركة‭ ‬خبراء‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬وسوريا‭ ‬والعراق‭ ‬ومنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬والهيئة‭ ‬العربية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية‭. ‬مؤكداً‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬حديثه‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭ ‬المعرفي‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بحجم‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬الأبحاث،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬واقعية‭ ‬وقابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬لتطوير‭ ‬منظومة‭ ‬إدارة‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭. ‬

القطاع‭ ‬الصناعي‭.. ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬للانبعاثات‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬منها

وفي‭ ‬بُعدٍ‭ ‬آشخر‭ ‬للأزمة،‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي؛‭ ‬إذ‭ ‬يؤكد‭ ‬مدير‭ ‬فرع‭ ‬الشركة‭ ‬الليبية‭ ‬للحديد‭ ‬والصلب‭ ‬بطرابلس،‭ ‬المهندس‭/ ‬حسن‭ ‬سالم‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن،‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬النفايات‭ ‬وخفض‭ ‬الانبعاثات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مسؤولية‭ ‬صناعية‭ ‬تحتمها‭ ‬المتغيرات‭ ‬والمعايير‭ ‬البيئية‭ ‬العالمية‭. ‬داعياً‭ ‬إلى‭ ‬تكامل‭ ‬الجهود‭ ‬بين‭ ‬الصناعة‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬لتبني‭ ‬تقنيات‭ ‬إنتاج‭ ‬نظيفة‭.‬

وأوضح‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬أن‭ ‬الشركة‭ ‬اعتمدت‭ ‬منذ‭ ‬تشغيلها‭ ‬تقنيات‭ ‬أقل‭ ‬تأثيراً‭ ‬على‭ ‬البيئة،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الاختزال‭ ‬المباشر‮»‬‭ ‬واستخدام‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬مع‭ ‬مراقبة‭ ‬المخرجات‭ ‬الصناعية‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة‭. ‬واستعرض‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬البيئية‭ ‬المنجزة،‭ ‬أبرزها‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬42‭ ‬طناً‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬المستنفدة‭ ‬للأوزون،‭ ‬وإزالة‭ ‬3500‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأسبستوس‮»‬‭ ‬السام‭ ‬واستبداله‭ ‬بعوازل‭ ‬آمنة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إحلال‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬محل‭ ‬الزيت‭ ‬الثقيل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مصانعها‭. ‬ولمواكبة‭ ‬التحول‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الاقتصاد‭ ‬الأخضر‮»‬‭ ‬واشتراطات‭ ‬آلية‭ ‬ضبط‭ ‬حدود‭ ‬الكربون‭ ‬‮«‬CBAM‮»‬،‭ ‬أشار‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المنافسة‭ ‬المستقبلية‭ ‬ستقتصر‭ ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬منخفضة‭ ‬الكربون،‭ ‬كاشفاً‭ ‬عن‭ ‬توقيع‭ ‬الشركة‭ ‬مذكرة‭ ‬تفاهم‭ ‬مع‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬‮«‬UNDP‮»‬‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2025،‭ ‬بهدف‭ ‬خفض‭ ‬الانبعاثات،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬الطاقة،‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬استخدامات‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭.‬

الشراكات‭ ‬الدولية‭.. ‬ركيزة‭ ‬لتطوير‭ ‬منظومة‭ ‬الإدارة

‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬متصل،‭ ‬شددت‭ ‬المستشارة‭ ‬العلمية‭ ‬لمدير‭ ‬عام‭ ‬الهيئة‭ ‬الليبية‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬أ‭.‬د‭./ ‬عائشة‭ ‬فرج‭ ‬جربوع،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ ‬تجاوزت‭ ‬النطاق‭ ‬المحلي‭ ‬لتصبح‭ ‬أولوية‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية،‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬توسيع‭ ‬مظلة‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية‭ ‬والمنظمات‭ ‬العالمية‭.‬

وأوضحت‭ ‬د‭. ‬عائشة‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬يتطلب‭ ‬تضافر‭ ‬الجهود‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنية‭ ‬والتشريعية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استثمار‭ ‬فرص‭ ‬التمويل‭ ‬التي‭ ‬يتيحها‭ ‬‮«‬مرفق‭ ‬البيئة‭ ‬العالمي‮»‬‭ ‬‮«‬GEF‮»‬‭ ‬لدعم‭ ‬المشروعات‭ ‬البيئية‭ ‬واستلهام‭ ‬النماذج‭ ‬الدولية‭ ‬الناجحة‭.‬

وأشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المؤتمر‭ ‬شكّل‭ ‬منصة‭ ‬مهمة‭ ‬لتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬بفضل‭ ‬المشاركة‭ ‬الواسعة‭ ‬لجهات‭ ‬بارزة،‭ ‬منها‭ ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي،‭ ‬ومنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬والهيئة‭ ‬العربية‭ ‬للطاقة‭ ‬الذرية،‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ووكالة‭ ‬التعاون‭ ‬والتنسيق‭ ‬التركية‭ ‬‮«‬تيكا‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وتونس‭ ‬ومصر‭. ‬وخلصت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحويل‭ ‬مخرجات‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬عملية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬يبقى‭ ‬رهيناً‭ ‬ببناء‭ ‬شراكات‭ ‬حقيقية‭ ‬وفاعلة‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات‭ ‬البحثية‭ ‬والجهات‭ ‬التنفيذية‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭.‬

تحديد‭ ‬المصادر‭ ‬والأولويات‭. ‬خطوة‭ ‬أولى‭ ‬للحل

‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬السياق‭ ‬الدولي،‭ ‬أوضحت‭ ‬مسؤولة‭ ‬مشاريع‭ ‬الطاقة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬ببرنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭ ‬للدول‭ ‬العربية،‭ ‬الدكتورة‭/ ‬أمال‭ ‬الدبابسة،‭ ‬أن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬لمعالجة‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ -‬ولاسيما‭ ‬الكيميائية‭ ‬منها‭ ‬كالملوثات‭ ‬العضوية‭ ‬الثابتة‭ ‬والزئبق‭- ‬تبدأ‭ ‬بالتشخيص‭ ‬الدقيق‭ ‬لأنواعها‭ ‬ومصادرها‭ ‬لبناء‭ ‬برامج‭ ‬وطنية‭ ‬تلبي‭ ‬الأولويات‭ ‬البيئية‭.‬

وبيّنت‭ ‬الدبابسة‭ ‬أهمية‭ ‬تعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬بمخاطر‭ ‬هذه‭ ‬الملوثات،‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬والتوجه‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الاقتصاد‭ ‬الدائري‮»‬‭ ‬لتقليل‭ ‬الهدر‭ ‬وإعادة‭ ‬التدوير‭. ‬وختمت‭ ‬حديثها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬وطني‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬تشخيص‭ ‬الخطر،‭ ‬بل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التوصيات‭ ‬العلمية‭ ‬إلى‭ ‬خطط‭ ‬تنفيذية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬كافة‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭.‬

من‭ ‬رصد‭ ‬المشكلة‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحلول

وفي‭ ‬اتجاه‭ ‬مكمل،‭ ‬شددت‭ ‬مستشارة‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬الهيئة‭ ‬الليبية‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬الدكتورة‭/‬‭ ‬ناديا‭ ‬بن‭ ‬عامر،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تشخيص‭ ‬الواقع‭ ‬البيئي‭ ‬إلى‭ ‬إعداد‭ ‬خطط‭ ‬عملية‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭. ‬وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تستوجب‭ ‬تحليلاً‭ ‬دقيقاً‭ ‬لأنواع‭ ‬النفايات،‭ ‬ورصداً‭ ‬للفجوات‭ ‬التشريعية‭ ‬والتنفيذية،‭ ‬وتقييماً‭ ‬لتداعياتها‭ ‬الصحية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬التقنيات‭ ‬ونتائج‭ ‬البحوث‭ ‬الحديثة‭.‬

واعتبرت‭ ‬بن‭ ‬عامر‭ ‬أن‭ ‬‮«‬مقاربة‭ ‬الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭ ‬تمثل‭ ‬الإطار‭ ‬الأمثل‭ ‬لبناء‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬وطنية‭. ‬داعيةً‭ ‬إلى‭ ‬تكامل‭ ‬الجهود‭ ‬مع‭ ‬مراكز‭ ‬الطوارئ‭ ‬والأزمات‭ ‬ومختلف‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية،‭ ‬وتوظيف‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬والمعايير‭ ‬والشراكات‭ ‬الدولية‭ ‬لتحويل‭ ‬التوصيات‭ ‬العلمية‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬ملموسة‭ ‬ومستدامة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

البحث‭ ‬العلمي‭.. ‬أداة‭ ‬لفهم‭ ‬الواقع‭ ‬وصناعة‭ ‬القرار

وفي‭ ‬الإطار‭ ‬ذاته،‭ ‬أكدت‭ ‬عضو‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬بالهيئة‭ ‬الليبية‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬الأستاذة‭/ ‬سلمى‭ ‬الفرجاني،‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬يُعد‭ ‬الأداة‭ ‬الأساسية‭ ‬لتشخيص‭ ‬مشكلة‭ ‬الملوثات‭ ‬واقتراح‭ ‬حلول‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الأدلة‭.‬

وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬معالجة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬تتطلب‭ ‬دمج‭ ‬المسارين‭ ‬العلمي‭ ‬والتطبيقي‭ ‬لتحديث‭ ‬التشريعات‭ ‬وتحسين‭ ‬آليات‭ ‬الإدارة‭ ‬البيئية،‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬منظور‭ ‬‮«‬الصحة‭ ‬الواحدة‮»‬‭.‬

واختتمت‭ ‬الفرجاني‭ ‬حديثها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للدراسات‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬نتائجها‭ ‬لخدمة‭ ‬احتياجات‭ ‬المجتمع‭ ‬ودعم‭ ‬دوائر‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬استدامة‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التنفيذية‭ ‬هي‭ ‬السبيل‭ ‬لتطوير‭ ‬رؤى‭ ‬فاعلة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭.‬

بين‭ ‬التشريعات‭ ‬والتطبيق‭.. ‬أين‭ ‬تكمن‭ ‬الفجوة؟

وفي‭ ‬ختام‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق،‭ ‬تتقاطع‭ ‬الآراء‭ ‬عند‭ ‬خلاصة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬التشريعات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬آليات‭ ‬تطبيقها‭ ‬وغياب‭ ‬الرقابة‭ ‬والإمكانات‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتحويل‭ ‬النصوص‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬آمنة‭.‬

واقعٌ‭ ‬جسدته‭ ‬بوضوح‭ ‬دراسة‭ ‬ميدانية‭ ‬قدمتها‭ ‬مدير‭ ‬مكتب‭ ‬التقييم‭ ‬بجامعة‭ ‬طبرق،‭ ‬الدكتورة‭/ ‬تهاني‭ ‬بن‭ ‬شتوان،‭ ‬حول‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ ‬بالمختبرات‭ ‬الطبية‮»‬‭. ‬حيث‭ ‬كشفت‭ ‬الدراسة‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬المعايير‭ ‬البيئية‭ ‬والممارسات‭ ‬الفعلية؛‭ ‬راصدةً‭ ‬غياباً‭ ‬للفرز‭ ‬السليم‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬النفايات‭ ‬الطبية‭ ‬مع‭ ‬القمامة‭ ‬العامة،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬معدلات‭ ‬العدوى‭ ‬المهنية‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬عمال‭ ‬النظافة‭ ‬إلى‭ ‬40‭%.‬

كما‭ ‬سجلت‭ ‬الدراسة‭ ‬عجزاً‭ ‬في‭ ‬تجهيزات‭ ‬المعالجة‭ ‬كأجهزة‭ ‬التعقيم‭ ‬‮«‬الأوتوكلاف‮»‬،‭ ‬وتصريفاً‭ ‬مباشراً‭ ‬للنفايات‭ ‬الكيميائية‭ ‬السائلة‭ ‬بشبكات‭ ‬الصرف‭ ‬الصحي‭ ‬دون‭ ‬معالجة،‭ ‬في‭ ‬مخالفة‭ ‬صريحة‭ ‬لقانون‭ ‬حماية‭ ‬البيئة‭ ‬الليبي‭ ‬رقم‭ ‬‮«‬15‮»‬‭ ‬لسنة‭ ‬2003‭.‬

وخلصت‭ ‬بن‭ ‬شتوان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬ضعف‭ ‬الوعي‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬مشددة‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬معالجة‭ ‬متخصصة،‭ ‬واعتماد‭ ‬بروتوكول‭ ‬وطني‭ ‬موحد‭ ‬للفرز‭ ‬والنقل‭ ‬والتخزين،‭ ‬مع‭ ‬تفعيل‭ ‬الرقابة‭ ‬الصارمة‭ ‬وتدريب‭ ‬الكوادر؛‭ ‬لضمان‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التنظير‭ ‬التشريعي‭ ‬إلى‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬الآمن‭. ‬

ما‭ ‬بعد‭ ‬التشخيص‭. ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الحل

بين‭ ‬رؤى‭ ‬الخبراء‭ ‬ونتائج‭ ‬الدراسات‭ ‬الميدانية،‭ ‬تبرز‭ ‬حقيقة‭ ‬ثابتة‭: ‬إدارة‭ ‬النفايات‭ ‬الخطرة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬شأن‭ ‬بيئي،‭ ‬بل‭ ‬أزمة‭ ‬معقدة‭ ‬تمس‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والموارد‭ ‬الطبيعية‭.‬

ورغم‭ ‬وفرة‭ ‬التشريعات‭ ‬والدراسات‭ ‬العلمية،‭ ‬يظل‭ ‬التحدي‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬فعلية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحتم‭ ‬تكامل‭ ‬الجهود‭ ‬بين‭ ‬الرقابة‭ ‬والتنفيذ‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وتجهيز‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المناسبة؛‭ ‬لضمان‭ ‬ألا‭ ‬تبظطقى‭ ‬الحلول‭ ‬حبيسة‭ ‬التوصيات‭ ‬والأدراج،‭ ‬بل‭ ‬تُترجم‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭ ‬يحمي‭ ‬الإنسان‭ ‬والبيئة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى