
تتنوع النفايات الخطرة في ليبيا، كالمخلفات الطبية والصناعية والإلكترونية والزراعية، مما يتطلب إجراءات صارمة لمنع تسرب أضرارها للإنسان والبيئة، ويجعل إدارتها مسؤولية مشتركة تتداخل فيها الجوانب التشريعية والتنفيذية. ينطلق هذا التحقيق لبحث واقع إدارة هذه النفايات، ورصد مصادرها، وآليات التخلص منها، ومدى كفاية التشريعات، واستكشاف الحلول العملية المطروحة. ويتزامن طرح الملف مع اختتام «المؤتمر العلمي الدولي الأول للملوثات البيئية وإدارة النفايات الخطرة» بطرابلس. ولمناقشة هذه القضايا، أجرينا سلسلة لقاءات مع خبراء وباحثين مشاركين في المؤتمر.
كانت البداية مع مدير عام الهيئة الليبية للبحث العلمي، الدكتور/ فيصل العبدلي، الذي حذر من أن النفايات الخطرة لم تعد مجرد أزمة فنية، بل باتت تهديداً مباشراً للصحة والموارد والتنمية، ما يحتم التعامل معها كقضية وطنية تستوجب تكامل مؤسسات الدولة والاستناد إلى البحث العلمي في صنع القرار.
وأوضح العبدلي أن ليبيا تمتلك كفاءات علمية قادرة على ابتكار حلول واقعية عبر دعم الدراسات التطبيقية، مشدداً على أهمية «مقاربة الصحة الواحدة» التي تنطلق من الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان وسلامة البيئة. وخلص إلى أن الاستثمار في البحث العلمي، وتحديث التشريعات، وبناء الشراكات، يمثل الخيار الأمثل لابتكار حلول بيئية مستدامة تحمي الأجيال القادمة.
توصيات وحلول تستند للأدلة
من جهته، شدد رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر ومدير مركز البحوث بجامعة طبرق، أ.د./ صلاح علي محجوب إدريس، على ضرورة بناء السياسات والتشريعات البيئية على نتائج علمية وقواعد بيانات دقيقة بدلاً من التقديرات. وأوضح أن القيمة الحقيقية للدراسات تكمن في تحولها إلى أدوات تطبيقية تنسجم مع نهج «الصحة الواحدة».
وأشار إدريس إلى أن المؤتمر استعرض أكثر من 50 ورقة علمية محكّمة، بمشاركة خبراء من ليبيا وسوريا والعراق ومنظمة الصحة العالمية والهيئة العربية للطاقة الذرية. مؤكداً في ختام حديثه أن أهمية هذا الرصيد المعرفي لا تُقاس بحجم أو عدد الأبحاث، بل بقدرتها الفعلية على تقديم حلول واقعية وقابلة للتنفيذ لتطوير منظومة إدارة النفايات الخطرة.
القطاع الصناعي.. من مصدر للانبعاثات إلى شريك في الحد منها
وفي بُعدٍ آشخر للأزمة، يبرز دور القطاع الصناعي؛ إذ يؤكد مدير فرع الشركة الليبية للحديد والصلب بطرابلس، المهندس/ حسن سالم عبد الرحمن، أن إدارة النفايات وخفض الانبعاثات لم تعد تقتصر على الجهات الرقابية، بل أصبحت مسؤولية صناعية تحتمها المتغيرات والمعايير البيئية العالمية. داعياً إلى تكامل الجهود بين الصناعة والبحث العلمي لتبني تقنيات إنتاج نظيفة.
وأوضح عبد الرحمن أن الشركة اعتمدت منذ تشغيلها تقنيات أقل تأثيراً على البيئة، مثل «الاختزال المباشر» واستخدام الغاز الطبيعي، مع مراقبة المخرجات الصناعية على مدار الساعة. واستعرض سلسلة من المشاريع البيئية المنجزة، أبرزها التخلص من أكثر من 42 طناً من المواد المستنفدة للأوزون، وإزالة 3500 متر مكعب من «الأسبستوس» السام واستبداله بعوازل آمنة، إلى جانب إحلال الغاز الطبيعي محل الزيت الثقيل في بعض مصانعها. ولمواكبة التحول العالمي نحو «الاقتصاد الأخضر» واشتراطات آلية ضبط حدود الكربون «CBAM»، أشار عبدالرحمن إلى أن المنافسة المستقبلية ستقتصر على المنتجات منخفضة الكربون، كاشفاً عن توقيع الشركة مذكرة تفاهم مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP» في مايو 2025، بهدف خفض الانبعاثات، وتحسين كفاءة الطاقة، والتوسع في استخدامات الطاقة النظيفة وفق المعايير الدولية.
الشراكات الدولية.. ركيزة لتطوير منظومة الإدارة
وفي سياق متصل، شددت المستشارة العلمية لمدير عام الهيئة الليبية للبحث العلمي، أ.د./ عائشة فرج جربوع، على أن إدارة النفايات الخطرة تجاوزت النطاق المحلي لتصبح أولوية إقليمية ودولية، ما يستوجب توسيع مظلة التعاون بين المؤسسات الوطنية والمنظمات العالمية.
وأوضحت د. عائشة أن تطوير هذه المنظومة يتطلب تضافر الجهود العلمية والتقنية والتشريعية، إلى جانب استثمار فرص التمويل التي يتيحها «مرفق البيئة العالمي» «GEF» لدعم المشروعات البيئية واستلهام النماذج الدولية الناجحة.
وأشارت إلى أن المؤتمر شكّل منصة مهمة لتبادل الخبرات بفضل المشاركة الواسعة لجهات بارزة، منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الصحة العالمية، والهيئة العربية للطاقة الذرية، والاتحاد الأوروبي، ووكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا»، إلى جانب نخبة من الخبراء من العراق وسوريا وتونس ومصر. وخلصت إلى أن تحويل مخرجات البحث العلمي إلى برامج عملية على أرض الواقع يبقى رهيناً ببناء شراكات حقيقية وفاعلة بين المؤسسات البحثية والجهات التنفيذية والمجتمع الدولي.
تحديد المصادر والأولويات. خطوة أولى للحل
وفي ذات السياق الدولي، أوضحت مسؤولة مشاريع الطاقة والحد من التغير المناخي ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية، الدكتورة/ أمال الدبابسة، أن الخطوة الأولى لمعالجة النفايات الخطرة -ولاسيما الكيميائية منها كالملوثات العضوية الثابتة والزئبق- تبدأ بالتشخيص الدقيق لأنواعها ومصادرها لبناء برامج وطنية تلبي الأولويات البيئية.
وبيّنت الدبابسة أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر هذه الملوثات، مشددة على ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية والتوجه نحو «الاقتصاد الدائري» لتقليل الهدر وإعادة التدوير. وختمت حديثها بالتأكيد على أن نجاح أي برنامج وطني لا يتوقف عند تشخيص الخطر، بل يكمن في تحويل التوصيات العلمية إلى خطط تنفيذية مشتركة بين كافة الجهات المعنية.
من رصد المشكلة إلى تنفيذ الحلول
وفي اتجاه مكمل، شددت مستشارة مدير عام الهيئة الليبية للبحث العلمي، الدكتورة/ ناديا بن عامر، على ضرورة الانتقال من مجرد تشخيص الواقع البيئي إلى إعداد خطط عملية قابلة للتنفيذ. وأوضحت أن هذه المرحلة تستوجب تحليلاً دقيقاً لأنواع النفايات، ورصداً للفجوات التشريعية والتنفيذية، وتقييماً لتداعياتها الصحية والاقتصادية بالاستناد إلى التقنيات ونتائج البحوث الحديثة.
واعتبرت بن عامر أن «مقاربة الصحة الواحدة» تمثل الإطار الأمثل لبناء خارطة طريق وطنية. داعيةً إلى تكامل الجهود مع مراكز الطوارئ والأزمات ومختلف الجهات المعنية، وتوظيف الاتفاقيات والمعايير والشراكات الدولية لتحويل التوصيات العلمية إلى حلول ملموسة ومستدامة على أرض الواقع.
البحث العلمي.. أداة لفهم الواقع وصناعة القرار
وفي الإطار ذاته، أكدت عضو هيئة التدريس بالهيئة الليبية للبحث العلمي، الأستاذة/ سلمى الفرجاني، أن البحث العلمي يُعد الأداة الأساسية لتشخيص مشكلة الملوثات واقتراح حلول مبنية على الأدلة.
وأوضحت أن معالجة هذا الملف تتطلب دمج المسارين العلمي والتطبيقي لتحديث التشريعات وتحسين آليات الإدارة البيئية، بما ينسجم مع منظور «الصحة الواحدة».
واختتمت الفرجاني حديثها بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية للدراسات تكمن في توظيف نتائجها لخدمة احتياجات المجتمع ودعم دوائر صنع القرار، مشددة على أن استدامة التعاون بين الباحثين والمؤسسات التنفيذية هي السبيل لتطوير رؤى فاعلة للحد من النفايات الخطرة في ليبيا.
بين التشريعات والتطبيق.. أين تكمن الفجوة؟
وفي ختام هذا التحقيق، تتقاطع الآراء عند خلاصة مفادها أن التحدي الحقيقي في إدارة النفايات الخطرة لا يكمن في غياب التشريعات، بل في ضعف آليات تطبيقها وغياب الرقابة والإمكانات الكفيلة بتحويل النصوص إلى ممارسات آمنة.
واقعٌ جسدته بوضوح دراسة ميدانية قدمتها مدير مكتب التقييم بجامعة طبرق، الدكتورة/ تهاني بن شتوان، حول «إدارة النفايات الخطرة بالمختبرات الطبية». حيث كشفت الدراسة عن فجوة عميقة بين المعايير البيئية والممارسات الفعلية؛ راصدةً غياباً للفرز السليم والتخلص من النفايات الطبية مع القمامة العامة، ما يرفع معدلات العدوى المهنية خاصة بين عمال النظافة إلى 40%.
كما سجلت الدراسة عجزاً في تجهيزات المعالجة كأجهزة التعقيم «الأوتوكلاف»، وتصريفاً مباشراً للنفايات الكيميائية السائلة بشبكات الصرف الصحي دون معالجة، في مخالفة صريحة لقانون حماية البيئة الليبي رقم «15» لسنة 2003.
وخلصت بن شتوان إلى أن الأزمة تتجاوز ضعف الوعي إلى نقص البنية التحتية، مشددة على ضرورة إنشاء مراكز معالجة متخصصة، واعتماد بروتوكول وطني موحد للفرز والنقل والتخزين، مع تفعيل الرقابة الصارمة وتدريب الكوادر؛ لضمان الانتقال من التنظير التشريعي إلى التطبيق العملي الآمن.
ما بعد التشخيص. الطريق إلى الحل
بين رؤى الخبراء ونتائج الدراسات الميدانية، تبرز حقيقة ثابتة: إدارة النفايات الخطرة في ليبيا لم تعد مجرد شأن بيئي، بل أزمة معقدة تمس الصحة العامة والاقتصاد والموارد الطبيعية.
ورغم وفرة التشريعات والدراسات العلمية، يظل التحدي الأبرز في تحويلها إلى ممارسات فعلية. وهو ما يحتم تكامل الجهود بين الرقابة والتنفيذ والبحث العلمي، وتجهيز البنية التحتية المناسبة؛ لضمان ألا تبظطقى الحلول حبيسة التوصيات والأدراج، بل تُترجم إلى واقع ملموس يحمي الإنسان والبيئة.



