
مع كل موجة حر تضرب المدن الليبية تتجدَّد معاناة آلاف الأسر التي تجد نفسها في مواجهة ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء يتبعها انقطاع المياه وسط ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة في مشهد يتكرَّر يومًا بعد يوم.
وبين الظلام والعطش تتوقف أجهزة التكييف وتعجز مضخات المياه عن العمل وتتأثر المستشفيات والمخابز والورش والمزارع بينما يقف المواطن في مواجهة أزمة تتجاوز حدود الخدمة العامة لتلامس أبسط مقومات الحياة الكريمة.
ورغم الإعلان بين الحين والآخر عن خطط للصيانة والتطوير ومشروعات لتحسين الشبكة الكهربائية لا تزال معاناة المواطنين مستمرة وتزداد حدتها خلال فصل الصيف الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول أسباب استمرار هذه الأزمة ومدى فاعلية الإجراءات المتخذة لمعالجتها وحقيقة التحديات التي تحول دون استقرار خدمات الكهرباء والمياه.
ومن هنا ينطلق هذا التحقيق الصحفي للإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسة:
لماذا تستمر أزمة انقطاع الكهرباء والمياه رغم أعمال الصيانة والمشروعات المعلنة؟
وكيف أثرتْ هذه الأزمة على حياة المواطنين وصحتهم وعلى قطاعات المياه والزراعة والاقتصاد والخدمات في ظل الحرارة، والرطوبة المرتفعة؟
وما الإجراءات والحلول المستدامة القادرة على إنهاء هذه المعاناة واستعادة استقرار الخدمات الأساسية؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة يرصد التحقيق شهادات مواطنين من عدة مدن وبلديات ليبية ويستعرض حجم التأثيرات التي خلفتها الانقطاعات المتكرّرة للكهرباء على مختلف مناحي الحياة مدعومة بآراء وملاحظات ميدانية بهدف نقل واقع المواطنين كما هو ووضعه أمام الجهات المعنية، والرأي العام أملاً في أن تتحوَّل المطالب إلى خطوات عملية تضمن خدمة مستقرة تحفظ للمواطن حقه في الكهرباء والمياه والحياة الكريمة.
يقدم الأدلة الميدانية التي تجيب عمليًا عن أسئلة التحقيق الاستقصائي: كيف أثرت الأزمة على المواطنين؟ وهل تتشابه المعاناة بين المدن؟ وما الأسباب والحلول التي يطرحها المواطنون؟
ومن خلال لقاء مع أحد مسؤولي الشركة العامة للكهرباء أوضح أن أزمة انقطاع التيار الكهربائي ترجع إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة في مقدمتها الارتفاع الكبير في درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف ما أدى إلى تسجيل أحمال قياسية تجاوزت القدرة المتاحة للإنتاج.
وأضاف أن من أبرز أسباب الأزمة أيضًا نقص إمدادات الغاز والوقود اللازمة لتشغيل بعض محطات التوليد وخروج عدد من الوحدات عن الخدمة بسبب الأعطال الفنية وأعمال الصيانة إلى جانب تهالك أجزاء من شبكات النقل والتوزيع والتوسع العمراني وارتفاع أعداد المشتركين فضلًا عن التوصيلات الكهربائية غير القانونية
خاصة في مناطق بلدية عين زارة الجنوبية والتي تسهم في زيادة الأحمال والتسبب في أعطال متكررة بالشبكة.
وأكد أن فرق الشركة تعمل على مدار الساعة لإجراء أعمال الصيانة وإصلاح الأعطال وإعادة التيار الكهربائي بأسرع وقت ممكن داعيًا المواطنين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء والامتناع عن التوصيلات المخالفة حفاظًا على استقرار الشبكة.
واختتم المسؤول تصريحه بالتأكيد على أن الشركة تواصل تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية لزيادة القدرة الإنتاجية.
مشيرًا إلى أن محطة جنوب طرابلس الجديدة شارفت على التشغيل بعد أن بلغت نسبة إنجازها نحو 98 % وبقدرة إنتاجية تصل إلى 1320 ميغاوات موزعة على أربع وحدات توليد ومن المتوقع دخول الوحدة الأولى الخدمة خلال أسبوعين أي منتصف شهر 8 وهو ما سيشكل دفعة مهمة لدعم الشبكة الكهربائية وتحسين مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.
شهادات ميدانية.. عندما تتحدث المدن بصوتٍ واحد
وقد تم إجراء مقابلات مع مواطنين في عدد من المدن والبلديات لرصد الآثار الحقيقية لانقطاع الكهرباء والمياه على الحياة اليومية.
ورغم اختلاف المواقع الجغرافية فإن الشهادات أجمعت على أن الأزمة لم تعد تقتصر على انقطاع التيار الكهربائي بل أصبحت أزمة مركبة تمس المياه والصحة والزراعة والاقتصاد وتزداد حدتها مع ارتفاع درجات الحرارة.
زليتن.. صيف قاسٍ بين الظلام والعطش
أكد المواطن صالح ناجم أن ساعات طرح الأحمال تتراوح بين «7 و12» ساعة يوميًا بينما لا تستمر عودة الكهرباء سوى لساعتين في بعض الأحيان الأمر الذي تزامن مع تعطل خط مياه النهر وأجبر كثيرًا من الأسر على شراء صهاريج المياه بتكاليف مرتفعة، مطالبًا بحلول عاجلة ومستدامة لأزمتي الكهرباء والمياه.
صبراتة .. الكهرباء والوقود والمياه أزمات متزامنة
يرى المواطن عبد الغني المرابط أن معاناة المدينة تضاعفت نتيجة تزامن انقطاع الكهرباء مع نقص الوقود وارتفاع أسعار مياه الشرب، موضحًا أن طول ساعات طرح الأحمال انعكس على مختلف مناحي الحياة، في ظل الاعتماد على إمدادات المياه القادمة من خارج المدينة وهو ما جعل المواطنين يتحملون أعباء معيشية إضافية خلال موجة الحر.
العوينات .. الزراعة تدفع ثمن انقطاع الكهرباء
وأشار المواطن مؤمن أغالي إلى أن الانقطاعات اليومية، التي تتراوح بين خمس وسبع ساعات إضافة إلى الانقطاع الشامل الذي شهدته المنطقة أثرت بصورة مباشرة على توفير المياه للمنازل والمزارع وهو ما انعكس سلبًا على النشاط الزراعي.
مؤكدًا أن ارتفاع درجات الحرارة زاد من الضغط على الشبكة الكهربائية وعلى المواطنين في آنٍ واحد.
الخمس.. المرضى أول المتضررين
وأوضح المواطن عبد الباسط العود أن ساعات انقطاع الكهرباء تصل إلى ما بين «10 و12» ساعة يوميًا الأمر الذي تسبب في احتجاجات شعبية وفاقم معاناة المرضى وذوي الإعاقة وكبار السن، بالتزامن مع ارتفاع أسعار مياه الشرب، ما ضاعف الأعباء الاقتصادية على الأسر.
مزدة .. خدمات محدودة وأعباء متزايدة
وأكد المواطن مختار عبدالله نقلًا عن أسرته في مزدة أن المدينة لا تزال تعاني من ضعف الخدمات الأساسية، واستمرار طرح الأحمال وارتفاع أسعار المياه وهي ظروف أثرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للمواطنين خاصة في ظل موجة الحر.
نالوت.. كهرباء مستقرة نسبيًا وأزمة مياه مزمنة
ورغم أن المواطن طارق ساسي وصف وضع الكهرباء في نالوت بأنه أفضل نسبيًا مقارنة ببعض المدن فإنه أكد أن أزمة المياه لا تزال التحدي الأكبر حيث يعتمد كثير من السكان على شراء صهاريج المياه بينما يخفف التكافل الاجتماعي من حدة الأزمة عبر توفير بعض الأهالي للمياه مجانًا.
بنت بيه.. خسائر زراعية وتلف للممتلكات
وأشار المواطن مصباح بلقاسم الزنتاني إلى أن تذبذب التيار الكهربائي أدى إلى احتراق مضخات المياه وتلف عدد من الأجهزة الكهربائية متسببًا في خسائر للمزارعين والأسر، متسائلًا عن أسباب استمرار الأزمة رغم وجود محطة غازية بالمنطقة ومطالبًا بتحسين استقرار الشبكة وحماية ممتلكات المواطنين.
سبها.. الصيانة الدورية جزء من الحل
ويرى المواطن عبد الباقي حامد أن معالجة الأزمة لا تقتصر على زيادة إنتاج الكهرباء بل تتطلب برامج صيانة دورية لمحطات التوليد والشبكات موضحًا أن انقطاع الكهرباء يؤدي مباشرة إلى انقطاع المياه ويجبر الأسر على تخزينها باستمرار خاصة خلال فصل الصيف.
قصر الأخيار.. شلل في الخدمات والاقتصاد
وأكد المواطن أحمد الشيباني أن الانقطاعات الطويلة أثرت في مياه الشرب والمحاصيل الزراعية والأنشطة الاقتصادية كما زادت من معاناة الأطفال وكبار السن والمرضى مشيرًا إلى أن محطات التحويل وحدها لا تكفي لإنهاء أزمة طرح الأحمال ما لم يصاحبها رفع لقدرات إنتاج الكهرباء.
سبها.. المواطن يطالب بالشفافية
وأشار المواطن محمد بودربلة إلى أن غياب المعلومات حول أسباب انقطاع الكهرباء ومواعيد عودتها يزيد من معاناة المواطنين ويجعلهم غير قادرين على تنظيم حياتهم اليومية داعيًا الجهات المختصة إلى اعتماد الشفافية وإعلان خطط واضحة لمعالجة الأزمة.
قراءة أولية في الشهادات
تكشف هذه الشهادات الممتدة من الجنوب إلى الغرب والجبل الغربي أن أزمة الكهرباء والمياه في ليبيا تتجاوز حدود الانقطاع المؤقت للخدمة لتصبح أزمة تنموية وإنسانية تمس الأمن المائي والصحة العامة والإنتاج الزراعي والأنشطة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. كما تعكس اتفاق المواطنين رغم اختلاف مناطقهم على أن الحلول لا تقتصر على زيادة إنتاج الكهرباء بل تشمل تطوير البنية التحتية والالتزام بالصيانة الدورية وتحسين إدارة الشبكات وضمان توفير المياه وتعزيز الشفافية في إبلاغ المواطنين بخطط المعالجة.
ذوو الإعاقة والمرضى .. الفئة الأكثر تضررًا
قالت أ. هبة عبدالله جبران رئيس المؤسسة الوطنية للتوعية وتمكين وتأهيل ذوي الإعاقة إن أزمة انقطاع الكهرباء لم تعد مجرد مشكلة خدمية بل أصبحت تمس حياة المواطنين وصحتهم واستقرارهم النفسي والمهني مؤكدة أن المرضى وذوي الإعاقة وكبار السن هم الأكثر تضررًا خاصة الذين يعتمدون على أجهزة طبية منزلية لا تحتمل انقطاع التيار الكهربائي.
وأضافت أن والدتها تعتمد على جهاز للتنفس وأن كل انقطاع للكهرباء يضعها في حالة صحية حرجة ويضاعف قلق الأسرة مشيرة إلى أن الأزمة عطلت أيضًا الأعمال والخدمات والاتصالات وزادت من معاناة المواطنين مع ارتفاع درجات الحرارة.
وتساءلت عن أسباب استمرار هذه الأزمة رغم ما تمتلكه ليبيا من إمكانات، مطالبة بفتح تحقيق جاد في أسبابها ومحاسبة المقصرين مؤكدة أن الكهرباء حق أساسي وليست رفاهية.
ورأت أن من أبرز الحلول الممكنة التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية، والاستفادة من المقومات الطبيعية التي تمتلكها ليبيا لتنويع مصادر إنتاج الطاقة بما يحد من تكرار هذه الأزمات مستقبلًا.
كما أكد أ. مفتاح الطابوني بوزارة الخدمة المدنية أن أزمة الكهرباء في ليبيا لم تعد مجرد أعطال فنية بل أصبحت أزمة إدارية واقتصادية وإنسانية أثرت في مختلف مناحي الحياة ولا سيما على المرضى وكبار السن والأطفال والطلاب بسبب الانقطاعات المتكررة وما تسببه من تعطّل للأجهزة الطبية والخدمات الأساسية وزيادة الأعباء المعيشية والاقتصادية على المواطنين.
وأوضح أن نقص إمدادات الغاز لمحطات التوليد يعكس خللاً في التنسيق والإدارة داعياً إلى تعزيز الرقابة والشفافية ومراجعة ملفات العقود والعدادات مسبقة الدفع مع دعم العاملين بقطاع الكهرباء وصرف مستحقاتهم لضمان استمرار أعمال الصيانة.
واقترح إعطاء الأولوية لتوفير الوقود لمحطات التوليد ووضع خطة وطنية شاملة لتطوير البنية التحتية للكهرباء والمياه مؤكداً أن توفير هاتين الخدمتين حق أساسي للمواطن وأن تجاوز الأزمة يتطلب إدارة كفؤة ومساءلة وحسن استثمار الموارد بما يخدم المصلحة الوطنية.
وقال أ.الطاهر الحاراتي -متقاعد إن الانقطاع المتكرر للكهرباء فاقم معاناة المواطنين لكنه يشكل خطراً أكبر على المرضى موضحاً أنه يعاني من السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وأن بعض أدويته تحتاج إلى التبريد وقد تعرض جزء منها للتلف بسبب استمرار انقطاع التيار كما تضررت بعض الأجهزة المنزلية نتيجة عودة الكهرباء بشكل غير مستقر.
وأضاف أن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى جانب انقطاع المياه، جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة وأثر سلباً في الحالة النفسية للمواطنين محذراً من تصاعد حالة الغضب الشعبي إذا استمرت الأزمة. وطالب الحكومة بوضع خطط استباقية لمواجهة ذروة الصيف وتعويض المتضررين عن خسائرهم ومحاسبة المقصرين في أداء واجباتهم.
وفي ختام هذا التحقيق
يتضح أن أزمة انقطاع الكهرباء والمياه لم تعد مجرد خلل خدمي عابر بل تحولت إلى أزمة وطنية تمس حياة المواطنين بشكل مباشر وتنعكس على صحتهم واقتصادهم واستقرارهم اليومي خصوصًا في ظل الارتفاع الحاد في درجات الحرارة والرطوبة. وبين شكاوى الأهالي وآراء المختصين وتصريحات المسؤولين يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى سيظل المواطن الليبي يتحمل كلفة أزمات كان يمكن التخفيف من حدتها عبر التخطيط السليم والصيانة الدورية والاستثمار الحقيقي في البنية التحتية؟
ورغم حجم المعاناة لا يزال هناك بصيص أمل مع استمرار بعض مشاريع التطوير في قطاع الكهرباء وفي مقدمتها قرب تشغيل محطة جنوب طرابلس الجديدة التي يُعوَّل عليها في دعم الشبكة وتقليل ساعات طرح الأحمال إلى جانب الحاجة الملحّة لإطلاق حلول جذرية ومستدامة لأزمة المياه بدل الاكتفاء بالمعالجات المؤقتة. كما يبرز هنا دور الحلول البديلة مثل توفير الطاقة الشمسية للأفراد والمؤسسات وتشجيع استخدامها كخيار مستدام يخفف الضغط على الشبكة العامة ويساهم في تقليل حدة الأزمة على المدى الطويل.
لكن الأمل وحده لا يكفي. فالمطلوب اليوم هو انتقال فعلي من مرحلة الوعود إلى مرحلة التنفيذ والمحاسبة.
ويوصي هذا التحقيق بضرورة وضع خطة وطنية عاجلة لإعادة تأهيل شبكتي الكهرباء والمياه وفق جدول زمني واضح وشفاف وتفعيل دور الأجهزة الرقابية لمتابعة أوجه الصرف والإنجاز ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو تورطه في تعميق الأزمة. كما يوصي بفتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين لاطلاعهم على الحقائق دون تجميل أو تضليل وإشراك الخبراء المستقلين في تقييم المشاريع الحيوية مع دعم التوجه نحو الطاقة الشمسية كأحد الحلول الاستراتيجية المستدامة.
في النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن الكهرباء والمياه ليستا خدمات ثانوية بل حق أساسي لا يقبل التأجيل أو المساومة. وإصلاح هذا الواقع يبدأ بإرادة سياسية جادة وإدارة رشيدة وإيمان بأن كرامة المواطن تبدأ من أبسط حقوقه اليومية.



