
تعاون دولي ومسؤولية ليبية في البحث عن المفقودين
لم تكن الجهود المحلية وحدها في مواجهة ملف المفقودين؛ فقد شاركت فرق دولية متخصصة في عمليات البحث والتعرّف على الهويات منذ الأيام الأولى للكارثة. وقدّمت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين ، دعمًا تقنيًا وخبرات في تحليل الحمض النووي «DNA» وتنظيم قواعد البيانات المرجعية للعائلات، بالتعاون مع الهيئة العامة للبحث والتعرّف على المفقودين في ليبيا.
كما شاركت فرق بحث وإنقاذ من دول عربية وأجنبية في عمليات البحث والإنقاذ وانتشال الجثامين خلال الأسابيع الأولى من الكارثة. وعلى المستوى المحلي، ساهمت جهات عدة، من بينها الهلال الأحمر الليبي، وجهاز الإسعاف والطوارئ، ومركز طب الطوارئ والدعم، والكشافة، والدفاع المدني من مختلف المدن والمناطق الليبية، إلى جانب فرق مساندة ومتطوعين من مدن ليبية أخرى، في عمليات البحث والإنقاذ والتعامل مع الجثامين وتوفير المستلزمات اللازمة، فضلًا عن المساعدة في أعمال التوثيق الأولي.
ومع ذلك، ظلت المسؤولية الأساسية عن ملف المفقودين والتعرّف على هويات الجثامين تقع على عاتق المؤسسات الليبية، في ظل تحديات لوجستية وميدانية وأمنية، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى بعض مواقع الرفات، وهو ما ساهم في إبطاء وتيرة عمليات التعرّف على الهويات.
حجم النزوح وفق تقديرات دولية
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الفيضانات الكارثية التي نتجت عن انهيار السدين قرب درنة في سبتمبر 2023 أدّت إلى نزوح ما بين 40 و45 ألف شخص من المدينة ومحيطها، مع التأكيد على أن الرقم الفعلي قد يكون أعلى بسبب وجود آلاف المفقودين الذين لم تُحسم أوضاعهم بعد.
وتتقاطع هذه الأرقام مع تقديرات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمة الدولية للهجرة، التي تشير إلى أن إجمالي النازحين في شمال شرق ليبيا جراء الكارثة تخطى 40 ألف شخص، بينهم نحو 30 ألفًا من درنة وحدها، ما يعكس حجم الدمار وفقدان المساكن في المدينة.
فزعة خوت.. التلاحم الشعبي رغم الانقسامات
رصدت تقارير ودراسات دولية أن كارثة درنة وما تبعها من «فزعة خوت» شكّلت لحظة نادرة من التلاحم الوطني، حيث تجاوزت مبادرات التضامن حدود الانقسام السياسي والجغرافي بين الشرق والغرب.
فكانت الفزعة من كل مدينة وقرية في ليبيا، بمشاركة كافة أطياف الليبيين، بغض النظر عن انتماءاتهم الجهوية أو السياسية، في مشهد استثنائي من الوحدة الوطنية.
وبرغم الصراعات على السلطة بين أطراف عسكرية وسياسية متنافسة، أظهرت استجابة المجتمع المحلي أن الروابط الاجتماعية والعائلية لا تزال قادرة على خلق فضاء تضامني واسع في مواجهة الكوارث، حيث تدفقت المساعدات التطوعية من طرابلس ومصراتة وزوارة في الغرب، ومن بنغازي والبيضاء وطبرق في الشرق، دون تمييز أو شروط.
وهو ما اعتبره بعض الباحثين مؤشرًا إيجابيًا على إمكانية بناء مسارات مصالحة أوسع إذا توفّر دعم مؤسسي ورسمي جاد لهذا النوع من المبادرات الشعبية التلقائية.
غياب الدعم الرسمي المباشر
يقول نازحون من درنة يعيشون في طرابلس ومصراتة ومدن أخرى إنهم لم يتلقوا دعمًا يُذكر من وزارة الشؤون الاجتماعية، رغم وعود رسمية سابقة بتقديم مساعدات مالية لتغطية الإيجار ومتطلبات العيش اليومي، مؤكدين أن معظم ما وصلهم كان عبر مبادرات مدنية ومحلية داخل العاصمة طرابلس و مصراتة.
الإعمار بين الإنجاز السريع والشكاوى
في مدينة درنة، تتركز أعمال إعادة الإعمار في عدد من المناطق والمحاور الرئيسية، فيما شملت أعمال التأهيل في بعض الأحياء صيانة الواجهات الخارجية وإعادة طلائها، إلى جانب ترميم عدد من المدارس وبناء مدارس جديدة، وصيانة المرافق الصحية ومستشفى المدينة. وفي المقابل، يرى بعض السكان أن أجزاء أخرى من المدينة، ولا سيما المناطق الأكثر تضررًا في الوسط، لم تستفد من مشاريع الإعمار بالوتيرة نفسها، ولا تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والمعالجة.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حجم ما تحقق في درنة خلال فترة زمنية قصيرة مقارنة بحجم الكارثة؛ فقد أشاد عدد من سكان المدينة بما شهدته «درنة الجديدة» من مؤسسات ومرافق وخدمات، وبالتطور الذي طرأ على البنية التحتية وشبكة الطرق والمرافق العامة. ويرى هؤلاء أن صندوق إعمار درنة والمناطق المتضررة أسهم في تغيير المشهد العمراني للمدينة وإنجاز عدد كبير من المشاريع خلال فترة زمنية محدودة، فضلًا عن تنفيذ عدد من الحلول الهندسية والإجراءات الهادفة إلى حماية المدينة والحد من مخاطر تكرار كارثة مماثلة مستقبلًا.
وبينما ينظر فريق من السكان إلى هذه التحولات باعتبارها خطوة مهمة نحو استعادة المدينة وتعزيز قدرتها على مواجهة الكوارث، يعبّر فريق آخر عن قلقه من أن يكون الإعمار قد ركّز على الواجهة والبنى الكبرى على حساب الأحياء الداخلية والأسواق التقليدية التي كانت تشكل قلب الحياة الاقتصادية اليومية.
التقييم الاقتصادي لكارثة درنة واحتياجات التعافي
قدّر تقرير RDNA المشترك بين البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إجمالي أضرار وخسائر عاصفة دانيال وفيضانات درنة بنحو 1.65 مليار دولار، أي ما يعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي لليبيا لعام 2022، مقابل احتياجات تعافٍ وإعادة إعمار تُقدّر بـ1.8 مليار دولار.
ويستحوذ الإسكان على أكبر حصة من هذه الاحتياجات، بعد تضرر أو تدمير أكثر من 18,500 منزل. وتركزت 85% من الأضرار في خمس مدن هي درنة وسوسة والبيضاء والمرج وشحات، فيما أثرت الكارثة على نحو 1.5 مليون شخص، أي 22% من سكان ليبيا، من تلك المدن، ونزح منها مبدئيًا حوالي 44,800 شخص، بينهم 16,000 طفل.
الإسكان بعد الكارثة.. بين البناء وعدالة التوزيع
يُعد ملف الإسكان أحد أبرز بؤر التوتر في درنة. ومن خلال الحديث مع عدد من أهالي المدينة المتضررين من الفيضان، عبّر كل منهم عن مخاوفه بشأن هذا الملف. ومن بين القضايا التي أثارها الأهالي، استكمال بناء عدد محدود من العمارات السكنية المعروفة محليًا بـ«العمارات الكورية»، في وقت يقول مواطنون إنهم يحملون إيصالات تثبت دفعهم مبالغ تصل إلى 4,000 دينار قبل عام 2011 لحجز شقق فيها. وقد أدى استبعاد بعضهم من التخصيص النهائي، بحسب إفاداتهم، إلى احتجاجات ومطالبات بالحقوق عبر إجراءات وقضايا قانونية.
كما اشتكى أكثر من نازح من أن توزيع الشقق في مشاريع مثل «عمارات صداقة» تم، بحسب إفاداتهم، بشكل غير عادل؛ إذ لم يحصل بعض السكان الأصليين على وحداتهم رغم بقائهم في مقار إيواء مؤقتة، مثل مقر فوج الكشافة، بينما حصلت بعض العائلات التي لم تتضرر مساكنها بالكامل على وحدات سكنية. وفي حالات أخرى، يقول متضررون إن عائلات فقدت مباني كاملة مكوّنة من عدة شقق لم تحصل سوى على شقة واحدة، مع تقييد بيع الوحدة أو تأجيرها لمدة خمس سنوات.
وبالإضافة إلى ذلك، أثارت العمارات المقامة على أرض معسكر اللواء 166 مشاة، المعروفة محليًا بـ«معسكر عزوز»، جدلًا واسعًا؛ إذ تقول شهادات محلية إن بعض المتنفذين والمقربين من السلطات حصلوا على شقق، رغم أنهم ليسوا من المتضررين، في حين لا يزال سكان أصليون نازحين ينتظرون تخصيص وحداتهم حتى اليوم.
ولا يزال كثير من المتضررين إما يقطنون في مساكن بالإيجار أو يتقاسمون منازل مع عائلات أخرى، لعدم قدرتهم على إعادة بناء منازلهم أو ترميم ما تبقّى منها. ويقول متضررون إن هذه الأوضاع تطال بصورة خاصة سكان وسط المدينة، وبينهم من كانوا ينتمون إلى الطبقة الوسطى، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وذوو الدخل المحدود.
ولا يقتصر ملف الإسكان على الوحدات السكنية، إذ يقول أحد المتضررين من نازحي درنة إن عددًا من الأراضي خُصصت لإنشاء طرق أو جسور أو ملاعب ومساحات خضراء، من دون حصول أصحابها، بحسب إفادته، على تعويضات مناسبة.
ويروي الشاهد: «عائلات تسكن في منازل نصفها مدمر، لم تجد بديلًا عن البقاء بين أنقاض ذكرياتها. يعيشون كل يوم مع ذكرى الفيضان، بين جدار متصدع وسقف مهدد بالانهيار، لا يملكون ثمن إيجار ولا قدرة على إعادة البناء».
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن عددًا من المباني التي أُنجزت أو استُكملت بعد الكارثة نُفذت بمستوى جيد جدًا، وبمواصفات أفضل من كثير من المباني التي كانت قائمة قبل الفيضان. غير أن الإشكالية، بحسب ما يراه عدد من أهالي درنة المتضررين، لا تتعلق بجودة هذه المباني بقدر ما تتعلق بعددها ومدى تناسبه مع حجم الاحتياج الفعلي؛ إذ يرون أن أعداد الوحدات السكنية التي جرى إنشاؤها أو استكمالها لا تزال غير كافية لاستيعاب جميع الأسر والعائلات التي فقدت مساكنها أو تضررت بفعل الفيضان.
تغييرات عمرانية على حساب الذاكرة التاريخية
إلى جانب الطرق والكباري والمساحات الخضراء الجديدة، يأسف بعض الأهالي لأن أحد هذه المشاريع جاء على حساب المسجد العتيق، أحد أبرز معالم درنة التاريخية، ما أثار نقاشًا محليًا حول إعادة الإعمار التي تُحسّن الصورة العمرانية دون مراعاة كافية لذاكرة المدينة ورموزها الدينية والثقافية.
اندثار المدينة القديمة والمعالم التاريخية
مثلت درنة تاريخيًا مركزًا ثقافيًا وتراثيًا فريدًا في إقليم برقة، غير أن فيضانات سبتمبر 2023 أحدثت محوًا شبه كامل للذاكرة المكانية للمدينة.
وأكدت جهات ليبية مختصة، بينها مصلحة المدن التاريخية وجهاز إدارة الآثار، أن مباني المدينة القديمة مُسحت بالكامل، دون إمكانية ترميمها أو إعادة بنائها، في خسارة لا تُعوّض للتراث العمراني الليبي والإنساني.
وتعرّض «مسجد الصحابة»، الرمز الديني والثقافي للمدينة، لأضرار هيكلية جسيمة؛ إذ غمرت الأوحال باحاته، وتضررت أساساته وقبابه، ودُمر منبره التراثي بالكامل، فيما جُرفت مقبرة الصحابة الملاصقة له تمامًا، ما يجعل استعادة روحه المعمارية الأصلية أمرًا في غاية الصعوبة.
وهكذا، لم تمحُ الكارثة حاضر المدينة فحسب، بل قطعت جذورها الممتدة في عمق التاريخ، تاركةً وراءها فراغًا ثقافيًا وعمرانيًا يصعب ملؤه.
ويقول أحد الناجين من سكان درنة، بحزن، إن المدينة تغيّرت بشكل كبير، ولا سيما منطقة وسط المدينة، أو ما يعرفه أهل درنة بـ «البلاد»، التي كانت تمثل قلب المدينة وذاكرتها. ويضيف أن أعمال الإعمار والتغييرات العمرانية التي طرأت على المنطقة شوّهت، في نظر كثير من الأهالي، رمزية بعض معالمها التاريخية، وفي مقدمتها مسجد الصحابة، الذي لم يعد، بحسب وصفه، يحتفظ بالمكانة والملامح الرمزية ذاتها التي عرفها أهل درنة قبل الكارثة.
«البياصة الحمرة» و«سوق الظلام» و«شارع الفنار»
كان سوق الظلام القلب التجاري النابض لمدينة درنة ومستودع ذاكرتها الاقتصادية، يضم متاجر الذهب والفضة والملابس التقليدية والساعات، إلى جانب مقاهٍ وساحات تاريخية مثل «البياصة الحمرة».
وقد أدّى تدمير هذا السوق، مع شارع الفنار الحيوي، إلى القضاء على رأس المال التجاري للطبقة الوسطى والتجار المحليين، الذين فقدوا بضائعهم ومدخراتهم ووثائقهم التجارية.
ورغم الجهود الهندسية لإعادة تأهيل الواجهات، يبقى الأثر الاقتصادي أعمق من أن يُعالج بالطلاء والإسمنت؛ فغياب برامج مالية حكومية جادة موجّهة للقطاع الخاص الصغير جعل استعادة الديناميكية التجارية للشارع أمرًا شكليًا يفتقر إلى المضمون الاقتصادي الحقيقي.
تهميش القطاع الخاص وإعادة هندسة الاقتصاد
أظهر تحليل الواقع الاقتصادي في درنة أن تدمير القطاع الخاص التقليدي خلق فراغًا اقتصاديًا استُبدل باعتماد حصري على عقود المقاولات الكبرى والشركات الأجنبية أو التحالفات المرتبطة بالسلطة بحسب تقارير محلية .
ويرى أحد أصحاب المشاريع الصغرى، الذي كان يدير مشروعه في درنة قبل العاصفة، أن إعادة الإعمار ركزت بدرجة كبيرة على المشاريع الكبرى، في حين لم تحظَ المشاريع الصغرى والمتوسطة، التي كان يديرها أبناء المدينة، بالدعم نفسه. ويقول إن هذا الواقع أدى إلى تغير طبيعة النشاط الاقتصادي لدى عدد من سكان درنة، إذ انتقل بعض أصحاب الأعمال والتجار المستقلين إلى العمل بأجر يومي أو الاعتماد على المساعدات والإعانات التي قُدمت بعد الكارثة، وهي مساعدات لا تكفي، بحسب رأيه، لتعويض ما فقدوه أو استعادة مشاريعهم السابقة.
هذا التحول يمثل إعادة هندسة اجتماعية واقتصادية لمكونات المدينة، و يعيد تشكيل موازين القوة، ويُضعف استقلالية درنة التي عُرفت تاريخيًا كمركز للنشاط المدني المستقل ومنارة للثقافة في شرق ليبيا.
التعافي البشري لدرنة أهم من التعافي العمراني الخرساني
نجح صندوق التنمية وإعادة الإعمار في تغيير المعالم المادية لمدينة درنة بسرعة لافتة، غير أن هذا التعافي الخرساني لا يعكس تعافيًا مجتمعيًا أو إنسانيًا حقيقيًا.
فغياب مؤسسات الدعم النفسي المتخصصة، وطمس الهوية العمرانية، وتقويض استقلالية الطبقة الوسطى، خلق فجوة عميقة بين الواجهة العمرانية الجديدة والواقع الإنساني المتدهور.
وأدى الدمار الكامل للمدينة القديمة وسوق الظلام، مقترنًا بعدم تقديم تعويضات مالية عادلة ومباشرة لأصحاب المشاريع والمحال التجارية، إلى تآكل الطبقة الوسطى المستقلة في درنة.
وهو ما يستدعي وقفة جادة من مؤسسات الدولة لدعم مواطني درنة وتمكين القطاع الخاص من العودة بالمدينة إلى مكانتها التاريخية كمركز تجاري متميز في شرق ليبيا .
فدرنة لا تحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده، بل إلى استعادة الإنسان الذي كان يسكن هذا الحجر، وإلى إعادة الاعتبار لذاكرة المدينة واقتصادها ومجتمعها.
فالسؤال اليوم لم يعد فقط: كم مبنى أُعيد بناؤه في درنة؟
بل: أي درنة يجري بناؤها؟
فبينما تتغير الواجهات، وترتفع الطرق والجسور والمباني الجديدة، لا تزال ذاكرة المدينة تبحث عن مكانها في المشهد الجديد.
إن إعادة إعمار درنة لا ينبغي أن تُقاس بسرعة البناء وحدها، بل بقدرتها على إعادة الحياة إلى أهلها، وحماية حقوق المتضررين، واستعادة نشاطها الاقتصادي، وصون معالمها التاريخية، والحفاظ على شخصيتها التي صنعتها أجيال متعاقبة.
لأن المدينة التي فقدت آلافًا من أبنائها في ليلة واحدة، لا يمكن أن يكون تعافيها مجرد مشروع عمراني.
درنة تحتاج إلى أن تُبنى من جديد، نعم، ولكن دون أن تُدفن وهي تُبنى.



