الاولىرصد

انجاز عدد كبير من المشاريع و تنفيذ حلول هندسية للحد من مخاطر تكرار الكارثة

فرج أكويدير

تعاون‭ ‬دولي‭ ‬ومسؤولية‭ ‬ليبية‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المفقودين‭ ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬الجهود‭ ‬المحلية‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ملف‭ ‬المفقودين؛‭ ‬فقد‭ ‬شاركت‭ ‬فرق‭ ‬دولية‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬والتعرّف‭ ‬على‭ ‬الهويات‭ ‬منذ‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للكارثة‭. ‬وقدّمت‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬لشؤون‭ ‬المفقودين‭ ‬،‭ ‬دعمًا‭ ‬تقنيًا‭ ‬وخبرات‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬‮«‬DNA‮»‬‭ ‬وتنظيم‭ ‬قواعد‭ ‬البيانات‭ ‬المرجعية‭ ‬للعائلات،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للبحث‭ ‬والتعرّف‭ ‬على‭ ‬المفقودين‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭.‬

كما‭ ‬شاركت‭ ‬فرق‭ ‬بحث‭ ‬وإنقاذ‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬وأجنبية‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬والإنقاذ‭ ‬وانتشال‭ ‬الجثامين‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الكارثة‭. ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬المحلي،‭ ‬ساهمت‭ ‬جهات‭ ‬عدة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الهلال‭ ‬الأحمر‭ ‬الليبي،‭ ‬وجهاز‭ ‬الإسعاف‭ ‬والطوارئ،‭ ‬ومركز‭ ‬طب‭ ‬الطوارئ‭ ‬والدعم،‭ ‬والكشافة،‭ ‬والدفاع‭ ‬المدني‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬والمناطق‭ ‬الليبية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فرق‭ ‬مساندة‭ ‬ومتطوعين‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬ليبية‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬البحث‭ ‬والإنقاذ‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الجثامين‭ ‬وتوفير‭ ‬المستلزمات‭ ‬اللازمة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬التوثيق‭ ‬الأولي‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ظلت‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأساسية‭ ‬عن‭ ‬ملف‭ ‬المفقودين‭ ‬والتعرّف‭ ‬على‭ ‬هويات‭ ‬الجثامين‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المؤسسات‭ ‬الليبية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تحديات‭ ‬لوجستية‭ ‬وميدانية‭ ‬وأمنية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صعوبة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬مواقع‭ ‬الرفات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬إبطاء‭ ‬وتيرة‭ ‬عمليات‭ ‬التعرّف‭ ‬على‭ ‬الهويات‭.‬

حجم‭ ‬النزوح‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬دولية

تشير‭ ‬بيانات‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفيضانات‭ ‬الكارثية‭ ‬التي‭ ‬نتجت‭ ‬عن‭ ‬انهيار‭ ‬السدين‭ ‬قرب‭ ‬درنة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2023‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬نزوح‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬40‭ ‬و45‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬ومحيطها،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الرقم‭ ‬الفعلي‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أعلى‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬آلاف‭ ‬المفقودين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬أوضاعهم‭ ‬بعد‭.‬

وتتقاطع‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬مع‭ ‬تقديرات‭ ‬مكتب‭ ‬تنسيق‭ ‬الشؤون‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للهجرة،‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬النازحين‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬ليبيا‭ ‬جراء‭ ‬الكارثة‭ ‬تخطى‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬بينهم‭ ‬نحو‭ ‬30‭ ‬ألفًا‭ ‬من‭ ‬درنة‭ ‬وحدها،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الدمار‭ ‬وفقدان‭ ‬المساكن‭ ‬في‭ ‬المدينة‭.‬

فزعة‭ ‬خوت‭.. ‬التلاحم‭ ‬الشعبي‭ ‬رغم‭ ‬الانقسامات

رصدت‭ ‬تقارير‭ ‬ودراسات‭ ‬دولية‭ ‬أن‭ ‬كارثة‭ ‬درنة‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬‮«‬فزعة‭ ‬خوت‮»‬‭ ‬شكّلت‭ ‬لحظة‭ ‬نادرة‭ ‬من‭ ‬التلاحم‭ ‬الوطني،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوزت‭ ‬مبادرات‭ ‬التضامن‭ ‬حدود‭ ‬الانقسام‭ ‬السياسي‭ ‬والجغرافي‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭.‬

فكانت‭ ‬الفزعة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬مدينة‭ ‬وقرية‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬بمشاركة‭ ‬كافة‭ ‬أطياف‭ ‬الليبيين،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬الجهوية‭ ‬أو‭ ‬السياسية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬استثنائي‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭.‬

وبرغم‭ ‬الصراعات‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬عسكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬متنافسة،‭ ‬أظهرت‭ ‬استجابة‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭ ‬أن‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعائلية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬فضاء‭ ‬تضامني‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الكوارث،‭ ‬حيث‭ ‬تدفقت‭ ‬المساعدات‭ ‬التطوعية‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭ ‬ومصراتة‭ ‬وزوارة‭ ‬في‭ ‬الغرب،‭ ‬ومن‭ ‬بنغازي‭ ‬والبيضاء‭ ‬وطبرق‭ ‬في‭ ‬الشرق،‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬أو‭ ‬شروط‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬مؤشرًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬بناء‭ ‬مسارات‭ ‬مصالحة‭ ‬أوسع‭ ‬إذا‭ ‬توفّر‭ ‬دعم‭ ‬مؤسسي‭ ‬ورسمي‭ ‬جاد‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المبادرات‭ ‬الشعبية‭ ‬التلقائية‭.‬

غياب‭ ‬الدعم‭ ‬الرسمي‭ ‬المباشر

يقول‭ ‬نازحون‭ ‬من‭ ‬درنة‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬ومصراتة‭ ‬ومدن‭ ‬أخرى‭ ‬إنهم‭ ‬لم‭ ‬يتلقوا‭ ‬دعمًا‭ ‬يُذكر‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الشؤون‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬رغم‭ ‬وعود‭ ‬رسمية‭ ‬سابقة‭ ‬بتقديم‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية‭ ‬لتغطية‭ ‬الإيجار‭ ‬ومتطلبات‭ ‬العيش‭ ‬اليومي،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬ما‭ ‬وصلهم‭ ‬كان‭ ‬عبر‭ ‬مبادرات‭ ‬مدنية‭ ‬ومحلية‭ ‬داخل‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس‭ ‬و‭ ‬مصراتة‭.‬

‭ ‬الإعمار‭ ‬بين‭ ‬الإنجاز‭ ‬السريع‭ ‬والشكاوى‭ ‬

في‭ ‬مدينة‭ ‬درنة،‭ ‬تتركز‭ ‬أعمال‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬والمحاور‭ ‬الرئيسية،‭ ‬فيما‭ ‬شملت‭ ‬أعمال‭ ‬التأهيل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحياء‭ ‬صيانة‭ ‬الواجهات‭ ‬الخارجية‭ ‬وإعادة‭ ‬طلائها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ترميم‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬وبناء‭ ‬مدارس‭ ‬جديدة،‭ ‬وصيانة‭ ‬المرافق‭ ‬الصحية‭ ‬ومستشفى‭ ‬المدينة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬السكان‭ ‬أن‭ ‬أجزاء‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬المدينة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المناطق‭ ‬الأكثر‭ ‬تضررًا‭ ‬في‭ ‬الوسط،‭ ‬لم‭ ‬تستفد‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬الإعمار‭ ‬بالوتيرة‭ ‬نفسها،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬والمعالجة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬حجم‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬درنة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الكارثة؛‭ ‬فقد‭ ‬أشاد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬بما‭ ‬شهدته‭ ‬‮«‬درنة‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬ومرافق‭ ‬وخدمات،‭ ‬وبالتطور‭ ‬الذي‭ ‬طرأ‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وشبكة‭ ‬الطرق‭ ‬والمرافق‭ ‬العامة‭. ‬ويرى‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬صندوق‭ ‬إعمار‭ ‬درنة‭ ‬والمناطق‭ ‬المتضررة‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬المشهد‭ ‬العمراني‭ ‬للمدينة‭ ‬وإنجاز‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬محدودة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬الهندسية‭ ‬والإجراءات‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬المدينة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬تكرار‭ ‬كارثة‭ ‬مماثلة‭ ‬مستقبلًا‭.‬

وبينما‭ ‬ينظر‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬نحو‭ ‬استعادة‭ ‬المدينة‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الكوارث،‭ ‬يعبّر‭ ‬فريق‭ ‬آخر‭ ‬عن‭ ‬قلقه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإعمار‭ ‬قد‭ ‬ركّز‭ ‬على‭ ‬الواجهة‭ ‬والبنى‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأحياء‭ ‬الداخلية‭ ‬والأسواق‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشكل‭ ‬قلب‭ ‬الحياة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬اليومية‭.‬

التقييم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لكارثة‭ ‬درنة‭ ‬واحتياجات‭ ‬التعافي

قدّر‭ ‬تقرير‭ ‬RDNA‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬إجمالي‭ ‬أضرار‭ ‬وخسائر‭ ‬عاصفة‭ ‬دانيال‭ ‬وفيضانات‭ ‬درنة‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬65‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬3‭.‬6‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬لليبيا‭ ‬لعام‭ ‬2022،‭ ‬مقابل‭ ‬احتياجات‭ ‬تعافٍ‭ ‬وإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬تُقدّر‭ ‬بـ1‭.‬8‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

ويستحوذ‭ ‬الإسكان‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬حصة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاحتياجات،‭ ‬بعد‭ ‬تضرر‭ ‬أو‭ ‬تدمير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬18‭,‬500‭ ‬منزل‭. ‬وتركزت‭ ‬85‭% ‬من‭ ‬الأضرار‭ ‬في‭ ‬خمس‭ ‬مدن‭ ‬هي‭ ‬درنة‭ ‬وسوسة‭ ‬والبيضاء‭ ‬والمرج‭ ‬وشحات،‭ ‬فيما‭ ‬أثرت‭ ‬الكارثة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬شخص،‭ ‬أي‭ ‬22‭% ‬من‭ ‬سكان‭ ‬ليبيا،‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المدن،‭ ‬ونزح‭ ‬منها‭ ‬مبدئيًا‭ ‬حوالي‭ ‬44‭,‬800‭ ‬شخص،‭ ‬بينهم‭ ‬16‭,‬000‭ ‬طفل‭.‬

الإسكان‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة‭.. ‬بين‭ ‬البناء‭ ‬وعدالة‭ ‬التوزيع‭ ‬

يُعد‭ ‬ملف‭ ‬الإسكان‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬درنة‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬المدينة‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬الفيضان،‭ ‬عبّر‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬عن‭ ‬مخاوفه‭ ‬بشأن‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬أثارها‭ ‬الأهالي،‭ ‬استكمال‭ ‬بناء‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬العمارات‭ ‬السكنية‭ ‬المعروفة‭ ‬محليًا‭ ‬بـ«العمارات‭ ‬الكورية‮»‬،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يقول‭ ‬مواطنون‭ ‬إنهم‭ ‬يحملون‭ ‬إيصالات‭ ‬تثبت‭ ‬دفعهم‭ ‬مبالغ‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬4‭,‬000‭ ‬دينار‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬لحجز‭ ‬شقق‭ ‬فيها‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬استبعاد‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬التخصيص‭ ‬النهائي،‭ ‬بحسب‭ ‬إفاداتهم،‭ ‬إلى‭ ‬احتجاجات‭ ‬ومطالبات‭ ‬بالحقوق‭ ‬عبر‭ ‬إجراءات‭ ‬وقضايا‭ ‬قانونية‭.‬

كما‭ ‬اشتكى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نازح‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬توزيع‭ ‬الشقق‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬عمارات‭ ‬صداقة‮»‬‭ ‬تم،‭ ‬بحسب‭ ‬إفاداتهم،‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬عادل؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬بعض‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬على‭ ‬وحداتهم‭ ‬رغم‭ ‬بقائهم‭ ‬في‭ ‬مقار‭ ‬إيواء‭ ‬مؤقتة،‭ ‬مثل‭ ‬مقر‭ ‬فوج‭ ‬الكشافة،‭ ‬بينما‭ ‬حصلت‭ ‬بعض‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتضرر‭ ‬مساكنها‭ ‬بالكامل‭ ‬على‭ ‬وحدات‭ ‬سكنية‭. ‬وفي‭ ‬حالات‭ ‬أخرى،‭ ‬يقول‭ ‬متضررون‭ ‬إن‭ ‬عائلات‭ ‬فقدت‭ ‬مباني‭ ‬كاملة‭ ‬مكوّنة‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬شقق‭ ‬لم‭ ‬تحصل‭ ‬سوى‭ ‬على‭ ‬شقة‭ ‬واحدة،‭ ‬مع‭ ‬تقييد‭ ‬بيع‭ ‬الوحدة‭ ‬أو‭ ‬تأجيرها‭ ‬لمدة‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭.‬

وبالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أثارت‭ ‬العمارات‭ ‬المقامة‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬معسكر‭ ‬اللواء‭ ‬166‭ ‬مشاة،‭ ‬المعروفة‭ ‬محليًا‭ ‬بـ«معسكر‭ ‬عزوز‮»‬،‭ ‬جدلًا‭ ‬واسعًا؛‭ ‬إذ‭ ‬تقول‭ ‬شهادات‭ ‬محلية‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬المتنفذين‭ ‬والمقربين‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬شقق،‭ ‬رغم‭ ‬أنهم‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬المتضررين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬سكان‭ ‬أصليون‭ ‬نازحين‭ ‬ينتظرون‭ ‬تخصيص‭ ‬وحداتهم‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

ولا‭ ‬يزال‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المتضررين‭ ‬إما‭ ‬يقطنون‭ ‬في‭ ‬مساكن‭ ‬بالإيجار‭ ‬أو‭ ‬يتقاسمون‭ ‬منازل‭ ‬مع‭ ‬عائلات‭ ‬أخرى،‭ ‬لعدم‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬منازلهم‭ ‬أو‭ ‬ترميم‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬منها‭. ‬ويقول‭ ‬متضررون‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬تطال‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭ ‬سكان‭ ‬وسط‭ ‬المدينة،‭ ‬وبينهم‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬وأصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬وذوو‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬ملف‭ ‬الإسكان‭ ‬على‭ ‬الوحدات‭ ‬السكنية،‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬نازحي‭ ‬درنة‭ ‬إن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬خُصصت‭ ‬لإنشاء‭ ‬طرق‭ ‬أو‭ ‬جسور‭ ‬أو‭ ‬ملاعب‭ ‬ومساحات‭ ‬خضراء،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حصول‭ ‬أصحابها،‭ ‬بحسب‭ ‬إفادته،‭ ‬على‭ ‬تعويضات‭ ‬مناسبة‭.‬

ويروي‭ ‬الشاهد‭: ‬‮«‬عائلات‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬منازل‭ ‬نصفها‭ ‬مدمر،‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬البقاء‭ ‬بين‭ ‬أنقاض‭ ‬ذكرياتها‭. ‬يعيشون‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬مع‭ ‬ذكرى‭ ‬الفيضان،‭ ‬بين‭ ‬جدار‭ ‬متصدع‭ ‬وسقف‭ ‬مهدد‭ ‬بالانهيار،‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬ثمن‭ ‬إيجار‭ ‬ولا‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬البناء‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬المباني‭ ‬التي‭ ‬أُنجزت‭ ‬أو‭ ‬استُكملت‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة‭ ‬نُفذت‭ ‬بمستوى‭ ‬جيد‭ ‬جدًا،‭ ‬وبمواصفات‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المباني‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قائمة‭ ‬قبل‭ ‬الفيضان‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإشكالية،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬درنة‭ ‬المتضررين،‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بجودة‭ ‬هذه‭ ‬المباني‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتعلق‭ ‬بعددها‭ ‬ومدى‭ ‬تناسبه‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬الاحتياج‭ ‬الفعلي؛‭ ‬إذ‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬أعداد‭ ‬الوحدات‭ ‬السكنية‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬إنشاؤها‭ ‬أو‭ ‬استكمالها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬لاستيعاب‭ ‬جميع‭ ‬الأسر‭ ‬والعائلات‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬مساكنها‭ ‬أو‭ ‬تضررت‭ ‬بفعل‭ ‬الفيضان‭.‬

تغييرات‭ ‬عمرانية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية

إلى‭ ‬جانب‭ ‬الطرق‭ ‬والكباري‭ ‬والمساحات‭ ‬الخضراء‭ ‬الجديدة،‭ ‬يأسف‭ ‬بعض‭ ‬الأهالي‭ ‬لأن‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المسجد‭ ‬العتيق،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬معالم‭ ‬درنة‭ ‬التاريخية،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬نقاشًا‭ ‬محليًا‭ ‬حول‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬التي‭ ‬تُحسّن‭ ‬الصورة‭ ‬العمرانية‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬كافية‭ ‬لذاكرة‭ ‬المدينة‭ ‬ورموزها‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية‭.‬

اندثار‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬والمعالم‭ ‬التاريخية

مثلت‭ ‬درنة‭ ‬تاريخيًا‭ ‬مركزًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬وتراثيًا‭ ‬فريدًا‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬برقة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬فيضانات‭ ‬سبتمبر‭ ‬2023‭ ‬أحدثت‭ ‬محوًا‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬للذاكرة‭ ‬المكانية‭ ‬للمدينة‭.‬

وأكدت‭ ‬جهات‭ ‬ليبية‭ ‬مختصة،‭ ‬بينها‭ ‬مصلحة‭ ‬المدن‭ ‬التاريخية‭ ‬وجهاز‭ ‬إدارة‭ ‬الآثار،‭ ‬أن‭ ‬مباني‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬مُسحت‭ ‬بالكامل،‭ ‬دون‭ ‬إمكانية‭ ‬ترميمها‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬بنائها،‭ ‬في‭ ‬خسارة‭ ‬لا‭ ‬تُعوّض‭ ‬للتراث‭ ‬العمراني‭ ‬الليبي‭ ‬والإنساني‭.‬

وتعرّض‭ ‬‮«‬مسجد‭ ‬الصحابة‮»‬،‭ ‬الرمز‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭ ‬للمدينة،‭ ‬لأضرار‭ ‬هيكلية‭ ‬جسيمة؛‭ ‬إذ‭ ‬غمرت‭ ‬الأوحال‭ ‬باحاته،‭ ‬وتضررت‭ ‬أساساته‭ ‬وقبابه،‭ ‬ودُمر‭ ‬منبره‭ ‬التراثي‭ ‬بالكامل،‭ ‬فيما‭ ‬جُرفت‭ ‬مقبرة‭ ‬الصحابة‭ ‬الملاصقة‭ ‬له‭ ‬تمامًا،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استعادة‭ ‬روحه‭ ‬المعمارية‭ ‬الأصلية‭ ‬أمرًا‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الصعوبة‭.‬

وهكذا،‭ ‬لم‭ ‬تمحُ‭ ‬الكارثة‭ ‬حاضر‭ ‬المدينة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قطعت‭ ‬جذورها‭ ‬الممتدة‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬التاريخ،‭ ‬تاركةً‭ ‬وراءها‭ ‬فراغًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬وعمرانيًا‭ ‬يصعب‭ ‬ملؤه‭.‬

ويقول‭ ‬أحد‭ ‬الناجين‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬درنة،‭ ‬بحزن،‭ ‬إن‭ ‬المدينة‭ ‬تغيّرت‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬منطقة‭ ‬وسط‭ ‬المدينة،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬أهل‭ ‬درنة‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬البلاد‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬قلب‭ ‬المدينة‭ ‬وذاكرتها‭. ‬ويضيف‭ ‬أن‭ ‬أعمال‭ ‬الإعمار‭ ‬والتغييرات‭ ‬العمرانية‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬شوّهت،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأهالي،‭ ‬رمزية‭ ‬بعض‭ ‬معالمها‭ ‬التاريخية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬مسجد‭ ‬الصحابة،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد،‭ ‬بحسب‭ ‬وصفه،‭ ‬يحتفظ‭ ‬بالمكانة‭ ‬والملامح‭ ‬الرمزية‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬أهل‭ ‬درنة‭ ‬قبل‭ ‬الكارثة‭.‬

‮«‬البياصة‭ ‬الحمرة‮»‬‭ ‬و«سوق‭ ‬الظلام‮»‬‭ ‬و«شارع‭ ‬الفنار‮»‬

كان‭ ‬سوق‭ ‬الظلام‭ ‬القلب‭ ‬التجاري‭ ‬النابض‭ ‬لمدينة‭ ‬درنة‭ ‬ومستودع‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يضم‭ ‬متاجر‭ ‬الذهب‭ ‬والفضة‭ ‬والملابس‭ ‬التقليدية‭ ‬والساعات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مقاهٍ‭ ‬وساحات‭ ‬تاريخية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬البياصة‭ ‬الحمرة‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬أدّى‭ ‬تدمير‭ ‬هذا‭ ‬السوق،‭ ‬مع‭ ‬شارع‭ ‬الفنار‭ ‬الحيوي،‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬التجاري‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬والتجار‭ ‬المحليين،‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬بضائعهم‭ ‬ومدخراتهم‭ ‬ووثائقهم‭ ‬التجارية‭.‬

ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬الهندسية‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬الواجهات،‭ ‬يبقى‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُعالج‭ ‬بالطلاء‭ ‬والإسمنت؛‭ ‬فغياب‭ ‬برامج‭ ‬مالية‭ ‬حكومية‭ ‬جادة‭ ‬موجّهة‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬الصغير‭ ‬جعل‭ ‬استعادة‭ ‬الديناميكية‭ ‬التجارية‭ ‬للشارع‭ ‬أمرًا‭ ‬شكليًا‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬المضمون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الحقيقي‭.‬

تهميش‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬وإعادة‭ ‬هندسة‭ ‬الاقتصاد

أظهر‭ ‬تحليل‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬درنة‭ ‬أن‭ ‬تدمير‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬التقليدي‭ ‬خلق‭ ‬فراغًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬استُبدل‭ ‬باعتماد‭ ‬حصري‭ ‬على‭ ‬عقود‭ ‬المقاولات‭ ‬الكبرى‭ ‬والشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬أو‭ ‬التحالفات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسلطة‭ ‬بحسب‭ ‬تقارير‭ ‬محلية‭ .‬

ويرى‭ ‬أحد‭ ‬أصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغرى،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يدير‭ ‬مشروعه‭ ‬في‭ ‬درنة‭ ‬قبل‭ ‬العاصفة،‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬ركزت‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬تحظَ‭ ‬المشاريع‭ ‬الصغرى‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يديرها‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة،‭ ‬بالدعم‭ ‬نفسه‭. ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تغير‭ ‬طبيعة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لدى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬درنة،‭ ‬إذ‭ ‬انتقل‭ ‬بعض‭ ‬أصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬والتجار‭ ‬المستقلين‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬بأجر‭ ‬يومي‭ ‬أو‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المساعدات‭ ‬والإعانات‭ ‬التي‭ ‬قُدمت‭ ‬بعد‭ ‬الكارثة،‭ ‬وهي‭ ‬مساعدات‭ ‬لا‭ ‬تكفي،‭ ‬بحسب‭ ‬رأيه،‭ ‬لتعويض‭ ‬ما‭ ‬فقدوه‭ ‬أو‭ ‬استعادة‭ ‬مشاريعهم‭ ‬السابقة‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬يمثل‭ ‬إعادة‭ ‬هندسة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬لمكونات‭ ‬المدينة،‭ ‬و‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوة،‭ ‬ويُضعف‭ ‬استقلالية‭ ‬درنة‭ ‬التي‭ ‬عُرفت‭ ‬تاريخيًا‭ ‬كمركز‭ ‬للنشاط‭ ‬المدني‭ ‬المستقل‭ ‬ومنارة‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬ليبيا‭.‬

التعافي‭ ‬البشري‭ ‬لدرنة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬التعافي‭ ‬العمراني‭ ‬الخرساني

نجح‭ ‬صندوق‭ ‬التنمية‭ ‬وإعادة‭ ‬الإعمار‭  ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬المعالم‭ ‬المادية‭ ‬لمدينة‭ ‬درنة‭ ‬بسرعة‭ ‬لافتة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعافي‭ ‬الخرساني‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬تعافيًا‭ ‬مجتمعيًا‭ ‬أو‭ ‬إنسانيًا‭ ‬حقيقيًا‭.‬

فغياب‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬المتخصصة،‭ ‬وطمس‭ ‬الهوية‭ ‬العمرانية،‭ ‬وتقويض‭ ‬استقلالية‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬خلق‭ ‬فجوة‭ ‬عميقة‭ ‬بين‭ ‬الواجهة‭ ‬العمرانية‭ ‬الجديدة‭ ‬والواقع‭ ‬الإنساني‭ ‬المتدهور‭.‬

وأدى‭ ‬الدمار‭ ‬الكامل‭ ‬للمدينة‭ ‬القديمة‭ ‬وسوق‭ ‬الظلام،‭ ‬مقترنًا‭ ‬بعدم‭ ‬تقديم‭ ‬تعويضات‭ ‬مالية‭ ‬عادلة‭ ‬ومباشرة‭ ‬لأصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬والمحال‭ ‬التجارية،‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬المستقلة‭ ‬في‭ ‬درنة‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬لدعم‭ ‬مواطني‭ ‬درنة‭ ‬وتمكين‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬بالمدينة‭ ‬إلى‭ ‬مكانتها‭ ‬التاريخية‭ ‬كمركز‭ ‬تجاري‭ ‬متميز‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬ليبيا‭ .‬

فدرنة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الحجر‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسكن‭ ‬هذا‭ ‬الحجر،‭ ‬وإلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لذاكرة‭ ‬المدينة‭ ‬واقتصادها‭ ‬ومجتمعها‭.‬

فالسؤال‭ ‬اليوم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فقط‭: ‬كم‭ ‬مبنى‭ ‬أُعيد‭ ‬بناؤه‭ ‬في‭ ‬درنة؟

بل‭: ‬أي‭ ‬درنة‭ ‬يجري‭ ‬بناؤها؟

فبينما‭ ‬تتغير‭ ‬الواجهات،‭ ‬وترتفع‭ ‬الطرق‭ ‬والجسور‭ ‬والمباني‭ ‬الجديدة،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ذاكرة‭ ‬المدينة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مكانها‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الجديد‭.‬

إن‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬درنة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تُقاس‭ ‬بسرعة‭ ‬البناء‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬أهلها،‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المتضررين،‭ ‬واستعادة‭ ‬نشاطها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وصون‭ ‬معالمها‭ ‬التاريخية،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬شخصيتها‭ ‬التي‭ ‬صنعتها‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة‭.‬

لأن‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬آلافًا‭ ‬من‭ ‬أبنائها‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تعافيها‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬عمراني‭.‬

درنة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬نعم،‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُدفن‭ ‬وهي‭ ‬تُبنى‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى