النفايات الطبية سموم تفتك بالهواء والغذاء والماء

أ.د.الطاهر الثابت: مستشفياتنا تتحوّل إلى بؤر للأوبئة والسرطان
بينما تُبنى المستشفيات لتكون ملاذًا للشفاء واسترداد الصحة، تحوَّلتْ مخلفاتها إلى أخطار داهمة تُهدّد الحياة البشرية، والبيئية على حدٍّ سواء، صحيفة )فبراير ( كان لها حوارٌ مع الخبير الوطني أ.د.الطاهر الثابت قسم علوم المختبرات الطبية بكلية التقنية الطبية بجامعة طرابلس، والمستشار العلمي والخبير الوطني بإدارة النفايات الطبية. ليحدثنا عن مخاطر النفايات الطبية كاشفًا لنا عن واقع مرير يمزج بين العشوائية في التخلص من المواد الخطرة، والقصور الرقابي الحاد الذي يفتح الباب أمام كوارث صحية ممتدة؛ من تفشي الأوبئة كـ)الكوليرا، والسل(، وصولاً إلى تسرب المواد المسرطنة في هوائنا وسلسلتنا الغذائية.
ما المعايير العلمية لتصنيف المخلفات؟.
أوضح أ.د.الطاهر أن المواد المستخدمة في التشخيص والرعاية تتحوَّل فورًا إلى نفايات خطرة بمجرد تلوثها بدم المريض، أو سوائله؛ حيث تنقسم إلى مخلفات حادة ومعدية، وأخرى باثولوجية وبيطرية، بالإضافة إلى الكيميائية والصيدلانية والمشعة، فضلاً عن المخلفات العامة الشبيهة بالمنزلية.
ما هي المخاطر الصحية المباشرة، الناتجة عن التعامل غير الآمن؟
هذه المنظومة، والتي تتنوع بين العدوى المباشرة بكائنات ممرضة كالسل، والتعرض للمطهرات الحارقة، والتأثيرات الهرمونية لأدوية الأورام، ناهيك عن الغازات السامة، والضغوط النفسية والمهنية التي تواجه الكوادر لغياب التدريب والدعم.
ولا تتوقف الكارثة عند حدود المستشفيات، بل تمتد لتسبب أضرارًا بيئية بعيدة المدى تشمل تلوث المياه الجوفية بمسببات الكوليرا، وتفشي ظاهرة مقاومة المضادات الحيوية، وتراكم المعادن الثقيلة في السلسلة الغذائية وصولاً لجسد الإنسان، بالإضافة إلى انبعاث مركبات مسرطنة كـ«الديوكسينات» جراء الحرق العشوائي.
وماذا عن تقنيات التخلص النهائي؟
استعرض وسائل المعالجة بين الحرق التقليدي الذي يقضي على 95 % من حجم النفايات لكنه يطلق انبعاثات خطرة تحظرها المعاهدات الدولية، وبين تقنيات التعقيم بالبخار والميكروويف الأكثر أمانًا بيئيًا، والمعالجة الكيميائية، وتقنية البلازما الحديثة، مؤكدًا توصية منظمة الصحة العالمية بالدمج بينها وتفضيل البدائل البيئية.
وآليات الرقابة على القطاع الخاص؟
أشار إلى وجود منظومة تشريعية تشترط خطط إدارة النفايات لمنح التراخيص مع تسيير حملات تفتيشية، مستدركًا بأن المنظومة تواجه فجوات حادة في الدول النامية كالنقص العددي للمفتشين، وضعف القوانين، وجشع بعض المراكز لتقليل التكاليف، والاعتماد على المعاملات الورقية سهلة التلاعب بدلاً من التتبع الرقمي.
وفيما يخص الوقاية من الفيروسات المنقولة بالدم كالكبد الوبائي ونقص المناعة؟
فشدَّد على إلزامية تطبيق احتياطات صارمة تمنع إعادة تغطية الإبر، والتخلص الفوري منها في حاويات صلبة مقاومة للثقب لا تتجاوز ثلاثة أرباع سعتها، مع توفير التحصينات وبرامج العلاج الوقائي الفوري.
وانتقد الخبير الوطني الواقع المهني للتدريب الحالي.
واصفًا إياه بالمتقطع والنظري الذي يهمش عمال النظافة، داعياً للانتقال نحو برامج مستدامة وتفاعلية كل 6 إلى 12 شهرًا تعتمد على المحاكاة الرقمية لترسيخ هذه الإجراءات كثقافة سلوكية يومية.
وركز على المواصفات الفنية الصارمة لمركبات النقل التي يجب أن تحوي حجرة مغلقة ومعزولة تمامًا عن السائق، بأسطح ملساء سهلة التطهير، ومزودة بأنظمة تثبيت للحاويات، وحقيبة طوارئ للانسكابات، مع رفع شعار الخطر البيولوجي.
وعن المعوقات المادية والفنية
لخصها في الميزانيات المحدودة، وخلط النفايات الخطرة بالعامة عند المصدر، وتداخل الصلاحيات الإدارية بين وزارات الصحة والبيئة والبلديات، مما يستوجب خططًا استراتيجية وتفعيلاً حقيقياً للمساءلة.
واختتم أ.د. الثابت برسم خارطة الطريق نحو منظومة خضراء تؤسس لنموذج المستشفى الأخضر القائم على الاقتصاد الدائري.
مؤكدًا أن 80 % من نفايات الرعاية الصحية هي في الأصل نفايات عامة يمكن تقليلها من المصدر وإعادة تدويرها كـ)الورق والبلاستيك النظيف( إذا ما فُصلتْ بدقة وأمان عبر تتبع رقمي شامل.
ختامـــًا ..
إن هذا المشهد القاتم الذي استعرضه أ.د.الطاهر يضع الجهات التنفيذية والرقابية في ليبيا أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية؛ فإدارة النفايات الطبية ليستْ ترفًا بيئيًا بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن الصحي القومي .. إن استمرار التهاون والاعتماد على الحلول الورقية التقليدية والفرز العشوائي يعني الاستمرار في تسميم أجساد المواطنين ومياههم وبيئتهم بشكل يومي وممنهج، والعبور نحو المستشفيات الخضراء لم يعد مجرد خيار مستقبلي، بل هو طوق النجاة الأخير لوقف هذا النزيف البيئي والصحي قبل فوات الأوان.


