رتوش

بئر الغبي .. معركة فاصلة في مسيرة الجهاد الليبي

معركة فاصلة ومهمة في مسيرة الجهاد الليبي ضد الإيطاليين يفلصلنا عنها 101من الأعوام في الخامس من رمضان كان حدثا استثنائيا وغير عادي لانه اجتمع فيه قوة الحدث وعظمة الشخصية التي صنعت الحدث وهو شيخ الشهداء عمر المختار رحمه الله في معركة رمضانية سطر فيها اجدادنا ملحمة مرغت أنوف الإيطاليين في الوحل.

حدث اليوم كان في 23 أبريل 1923 الموافق 5 من شهر رمضان 1342هـ.

كان الطيان منزعجين بشكل كبير من شيخ الشهداء عمر المختار ومن العمليات التي كبدتهم خسائر مادية وبشرية وينتظرون  الفرصة المواتية لقتل الشيخ أو القبض عليه، في تلك الفترة كان الشيخ قد سافر لمصر في رحلة لجلب بعض الامدادات واحتياجات المجاهدين، وعند عودته مع الخطر المحدق، وصعوبة الرحلة ومع كل الحيطة والحذر الشديدين أثناء تحركه، رغم كل ذلك فقد لفت الأنظار فالاسود عند تجوالها تلفت أنظار الضباع مهما بدت حذرة، فقد رصد بعض الجواسيس الشيخ عند وصوله لأحد نجوع بئر الغبي جنوب  طبرق بحوالي 80 كيلومترا  وقام بإيصال  بلاغا للقوات الإيطالية المتمركزة في المنطقة مفاده أن الشيخ  رجع من مصر وهو في مكان قريب وهنا بدأت التحركات بتكليف قوة إيطالية مكونة من سبع سيارات مصفحة لنصب كمين محكم لإلقاء القبض عليه أو قتله في أسوأ الأحوال، وكل ذلك صوره لهم غباؤهم وغرورهم وظنهم أن المجاهدين صيدا سهلا وبدأ الايطاليون وكأنهم  في رحلة صيد لكن خابت ظنونهم فما إن برزوا للمجاهدين وحاولوا تطويقهم اشتبك المجاهدون معهم وأطلقوا عليهم النار، هنا تراجعت القوات الإيطالية للوراء  إلى نجع قريب وبعد اعادة ترتيب خطتهم تقدموا بسرعة، وتوزعوا توزيعًا  محكما ومدروسا بزعمهم وسرقوا صوف الأهالي خصوصا ان الوقت كان موسم الجز «المجلم»كما يطلق عليه في المنطقة الشرقية المهم سرقوا الصوف الخام الكثيف وكان يستخدم ضد الرصاص تصنع منه سواتر.

وحتى بعد انسحابهم واعداد خطة بديلة لقي الإيطاليون هزيمة نكراء على الرغم من أن قوتهم كانت مكونة من سبع سيارات إيطالية مصفحة، ومجهزة بالرشاشات سريعة الطلقات ومملوءة بالجنود، ولكن كل ذلك لايفيد ولايجدي نفعا مالم يجد قلوبا يملؤها اليقين والايمان بقضيتها وهي طرد المحتل والتصديق بوعد الله لمن ظلم وشرد وأخذ حقه بأن له إحدى الحسنيين، أما الإيطاليون فكانت قلوبهم خائفة وأيديهم مرتجفة، يعلمون علم اليقين أنهم مغتصبون ظلمة وليس أمام من يواجهونه خيار إما أن ينتصر وإما أن يستشهد فما كان من المجاهدين إلا أن امطروهم بوابل من الرصاص وأذاقوهم اصناف العذاب واروهم من فنون القتال والاقدام مالم تعرفه كليات وأكاديميات الفاشيين،  مما أدى لسقوط عدد كبير من جنود العدو بين قتيل وجريح، وكانت نتيجة المعركة نصرًا مؤزرًا للمجاهدين وإبادة القوة الإيطالية المهاجمة كافة، باستثناء مصفحة واحدة استطاعت الفرار، بينما استشهد ثلاثة من المجاهدين وهم عبد الحكيم بوهيف الشهيبي، ومرجان السوداني، واحميدة امحمد السنيني رحمهم الله تعالى.

ومما يجعل لهذه المعركة طابعا خاصا أن كتب ومصادر التاريخ تنقل لنا رواية الشيخ عمر المختار نفسه عن حيثيات المعركة لنستمع للشيخ يحدثنا إذ يقول 🙁كنَّا لانتجاوز الخمسين شخصًا من المشايخ والعساكر وبينما تجمع هؤلاء حولنا لسؤالنا عن صحة سموّ الأمير، وكنا صائمين رمضان وإذا بسبعة سيّارات إيطالية قادمة صوبنا فشعرنا بالقلق لأن مجيئها كان محل استغرابنا ومفاجأة لم نتوقعها، وكنّا لم نسمع عن هجوم الطليان على المعسكرات السنوسيَّة، واحتلالهم أجدابية، فأخذنا نستعد في هدوء والسيَّارات تدنوا منا في سير بطيء فأراد علي باشا العبيدي أن يطلق الرصاص من بندقيته ولكنني منعته قائلاً: «لا بد أن نتحقق قبلاً من الغرض ونعرف شيئًا عن مجيء هذه السيارات كي لانكون البادئين بمثل هذه الحوادث»، وبينما نحن في أخذ ورد وإذا بالسيَّارات تفترق في خطة منظمة المراد منها تطويقنا، وشاهدنا المدافع الرشاشة مصوَّبة نحونا فلم يبق هنا أي شك فيما يراد بنا فأمطرناهم وابلاً من رصاص بنادقنا، وإذا بالسيَّارات قد ولت الأدبار إلى منتجع قريب منا وعادت بسرعة تحمل صوفا، ولما دنت منا توزعت توزيعًا محكمًا وأخذ الجنود ينزلون ويضعون الأصواف (الخام) أمامهم ليتحصنوا بها من رصاصنا وبادرنا بإطلاق الأعيرة فأخذ علي باشا يولع سيجارة وقلت له: «رمضان يا علي باشا» منبهًا إيَّاه للصوم فأجابني قائلاً: «مو يوم صيام المنشرزام». وهذا المثل باللهجة البدوية ومعناه لم يكن اليوم من أيام الصيام حيث ان صوت البنادق أخذ يدوي وكلمة المنشر هي اسم لنوع من البنادق وكلمة زام دواء من الأدوية وفي أسرع مدة انجلت المعركة عن خسارة الطليان وأخذت النار تلتهم السيَّارات إلا واحدة فرّت راجعة، وغنمنا جميع ماكان معهم من الأسلحة).

ثمَّ استمرَّ المختار ورفاقه في سيرهم حتى بلغوا الجبل الأخضر ووصلوا إلى زاوية القطوفية حيث معسكر المغاربة، ليكتشف أنَّ معركةً وقعت بين المجاهدين والطليان أثناء غيابه (معركة البريقة)، فوقف على تفاصيل هذه المعركة وحال المجاهدين ثم واصل سيره إلى جالو مقر السيّد محمد الصدّيق الرضا السنوسي ليُبلغ التعليمات التي أخذها من الأمير إدريس والقاضية بتسلّمه القيادة العامَّة للمجاهدين، كما تمَّ الاتفاق على تنظيم حركة الجهاد وإنشاء المعسكرات في الجبل الأخضر. وبعد أن انتهى من ذلك، عاد إلى الجبل الأخضر مع جماعةٍ صغيرةٍ من المغاربة، فبدأت القبائل بالالتفاف حوله والانضمام إليه لقتال الإيطاليين.

 وهكذا ظلت حياة شيخنا رحمه الله بين تنقل واسفار شاقة وجهاد حتى لقي وجه ربه شهيدا سعيدا على أيدي الايطاليين 1931 لتطوى بذلك صفحة مشرقة من صفحات الجهاد والعزة والكرامة ويظل الشيخ وسيرته نبراسا لمختلف شعوب العالم ويظل رمضان شهر يمدنا بالدروس لنعلم أنه شهر عطاء وبذل وعمل لامكان فيه للكسالى والمتخاذلين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى