متابعات

بين الكرامة والوظيفة حين يتحول العمل إلى ابتزاز

زاهية المنفي

‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬العنف‭ ‬ضد‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬شأنًا‭ ‬قانويًا‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬تمس‭ ‬كرامة‭ ‬المجتمع‭ ‬بأكمله‭. ‬فبيئة‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مساحة‭ ‬للإنتاج‭ ‬والاستقرار‭ ‬تتحول‭ ‬أحيانا‭  ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬لاستغلال‭ ‬السلطة‭ ‬وممارسة‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬التحرش‭ ‬والابتزاز‭ ‬الجنسي‭.‬

يتجلى‭ ‬العنف‭ ‬الوظيفي‭ ‬في‭ ‬سلوكيات‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬التلميح‭ ‬والإكراه،‭ ‬ويختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭  ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬غالبا‭  ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بخلل‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭. ‬فالفوارق‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬إدارية‭ ‬أم‭ ‬اجتماعية‭ ‬تخلق‭ ‬بيئة‭ ‬تسمح‭ ‬بتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الرقابة‭ ‬وضعف‭ ‬آليات‭ ‬المساءلة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬قانون‭ ‬العمل‭ ‬الليبي‭ ‬رقم‭ )‬12‭( ‬لسنة‭ ‬2010‭ ‬نصّ‭ ‬صراحة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬العاملة‭ ‬ومنحها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬عقدها‭ ‬مع‭ ‬احتفاظها‭ ‬بكامل‭ ‬حقوقها‭ ‬عند‭ ‬التعرض‭ ‬لأفعال‭ ‬مخلة‭ ‬بالآداب‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحماية‭ ‬تظل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬حبرا‭  ‬على‭ ‬ورق‭. ‬فالخوف‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الوظيفة‭ ‬أو‭ ‬التعرض‭ ‬للتشهير‭ ‬يدفع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬إلى‭ ‬السكو،‭  ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعمّق‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬والواقع‭ ‬العملي‭.‬

تجارب‭ ‬من‭ ‬الواقع‭:‬

هذا‭ ‬التناقض‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬شهادات‭ ‬واقعية‭ ‬لنساء‭ ‬واجهن‭ ‬ضغوطا‭ ‬قاسية‭ ‬داخل‭ ‬أماكن‭ ‬عملهن‭. ‬موظفة‭ ‬أفادت‭ ‬بتعرضها‭ ‬لتحرش‭ ‬متكرر‭ ‬وعندما‭ ‬رفضت‭ ‬الخضوع‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬عقوبات‭ ‬غير‭ ‬مبررة‭ ‬وحرمان‭ ‬من‭ ‬حقوقها‭ ‬المهنية‭. ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬أخرى،‭ ‬تحولت‭ ‬المطالبة‭ ‬بالحقوق‭ ‬إلى‭ ‬سبب‭ ‬للتضييق‭ ‬والإقصاء،‭ ‬في‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬سوء‭ ‬استخدام‭ ‬السلطة‭ ‬كأداة‭ ‬للانتقام‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬النساء‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يقوّض‭ ‬أسس‭ ‬العدالة‭ ‬ويعيق‭ ‬جهود‭ ‬التنمية‭ ‬والتمكين‭ ‬الاقتصادي‭. ‬لذلك،‭ ‬يصبح‭ ‬رفع‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬ضرورة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬الرفض‭ ‬والمساءلة،‭ ‬ودعم‭ ‬كل‭ ‬جهد‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬المرأة‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬نحو‭ ‬سد‭ ‬الثغرات‭ ‬

و‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬القانونية‭ ‬والواقع،‭ ‬تظل‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬لنجاح‭ ‬أي‭ ‬منظومة‭ ‬عمل‭. ‬فالقوانين‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُفعّل‭ ‬بإرادة‭ ‬حقيقية‭ ‬تضمن‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬وعادلة‭ ‬للجميع‭.‬

ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬المعالجة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬نفسها،‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬سياسات‭ ‬واضحة‭ ‬لمكافحة‭ ‬التحرش‭ ‬تتضمن‭ ‬تعريفا‭ ‬دقيقًا‭ ‬له،‭ ‬وآليات‭ ‬سهلة‭ ‬وسرية‭ ‬لتقديم‭ ‬الشكاوى،‭ ‬مع‭ ‬ضمان‭ ‬الحماية‭ ‬الكاملة‭ ‬للضحايا‭. ‬كما‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬تفعيل‭ ‬عقوبات‭ ‬رادعة‭ ‬بحق‭ ‬المخالفين‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفير‭ ‬دعم‭ ‬نفسي‭ ‬وقانوني‭ ‬للمتضررات‭  ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الثقة‭ ‬ويشجع‭ ‬على‭ ‬كسر‭ ‬دائرة‭ ‬السكوت‭ ‬

في‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬كريم‭ ‬دون‭ ‬بيئة‭ ‬تحترم‭ ‬الإنسان،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬تنمية‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صمت‭ ‬يخفي‭ ‬انتهاكا‭..‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى