صحة

د. ملاك مفتاح » استشارية أمراض الباطنة والجهاز التنفسي : التوازن في تناول الأطعمة طوق النجاة لتجنب وعكات صحية مباغتة

هدي الميلودي

الوعي الطبي هو حائط الصد الأول لحماية أجسادنا. نفتح اليوم ملف الأمراض الباطنية ومخاطر العادات الغذائية المفاجئة، التي غالباً ما تحول بهجة المواسم والأعياد إلى أزمات صحية طارئة. تضعنا الدكتورة ملاك مفتاح، استشارية أمراض الباطنة والجهاز التنفسي، أمام خريطة طريق طبية واضحة تضمن سلامة أجهزتنا الحيوية، وتقي الأسرة من فخاخ التسمم الغذائي.
صدمة المعدة وتمرد القولون
يربك الانتقال المباغت من الوجبات المعتادة إلى الموائد المثقلة باللحوم الدسمة النظام الهضمي بأكمله. توضح الدكتورة ملاك أن هذا التغيير يُحدث تباطؤاً حاداً في عملية الهضم؛ لتترجم أجسادنا هذه الصدمة في شعور خانق بالانتفاخ والغثيان، وعسر هضم قد ينتهي بالمريض في غرف الطوارئ.
تمتد التداعيات لتشمل القولون. إذ تحفز الدهون المشبعة تقلصات عشوائية، مسببة نوبات قاسية من الإسهال الدهني أو الإمساك. وهنا تدق الدكتورة ناقوس الخطر لمرضى القولون العصبي؛ فهذه الوجبات كفيلة بإيقاظ آلامهم من سباتها بعد فترات طويلة من التعافي.
حرائق المريء وإنذارات المرارة
تسترخي العضلة العاصرة للمريء تحت وطأة الدهون. ومع التهام وجبة ضخمة، يتصاعد الضغط داخل المعدة ليُحدث ارتجاعاً حاداً وحرقة، تزداد شراستها ليلاً وتسرق من المريض نومه.
لكن الخطر الأكبر يتربص خلف الكواليس. وجبات اللحوم الغنية بالدهون تجبر المرارة على الانقباض بعنف، وإذا كانت هناك حصوات “صامتة” لم يكتشفها المريض مسبقاً، فقد تنحشر فجأة لتُشعل مغصاً مرارياً يمتد ألمه إلى الكتف الأيمن، وربما يتطور إلى التهاب بنكرياس حاد يستدعي التدخل الاستشفائي العاجل.
أما الكبد، فيتحمل العبء الأكبر. إغراق الجسم بالدهون يجهد الخلايا الكبدية، خصوصاً لدى مرضى “الكبد الدهني”. يترجم الجسم هذا الإرهاق بثقل وألم في الجانب الأيمن، وارتفاع مؤقت ومقلق في إنزيمات الكبد.
نظام المطبخ الصارم: من الذبح حتى المائدة
الوقاية لا تقتصر على مائدة الطعام، بل تبدأ من المطبخ. تلخص الدكتورة ملاك القواعد الذهبية للتعامل الآمن مع اللحوم في معايير حاسمة:
سباق التبريد: ساعتان هما الحد الأقصى لبقاء اللحم خارج الثلاجة، وتتقلص المدة إلى ساعة واحدة في الأجواء الحارة. القاعدة الأهم: قطّع اللحم وبرّده فوراً. الإذابة الآمنة: المكان الوحيد والآمن لإذابة اللحوم المجمدة هو رف الثلاجة. يُمنع قطعياً تركها في درجة حرارة الغرفة أو غمرها بالماء الساخن لتجنب التكاثر البكتيري، ولا مجال لإعادة تجميد اللحم بعد إذابته.الطهي الحاسم: يجب أن تبلغ حرارة قلب اللحم 70 إلى 75 درجة مئوية، ليختفي أي أثر للون الوردي. وتحذر الدكتورة بشدة من “اللحم المفروم” والنقانق البلدية؛ فخطر البكتيريا يتوزع في كافة أجزائها الداخلية، عكس القطع الكاملة التي تتركز بكتيرياها على السطح.
العزل الصحي (مكافحة التلوث التبادلي): خصص ألواح تقطيع وأوانٍ مستقلة للحوم النيئة. ملامستها لأدوات الخضروات والأطعمة الجاهزة يفتح باباً واسعاً لانتقال البكتيريا.
إشارات النهاية: الرائحة النفاذة الكريهة، الملمس اللزج، أو تحول اللون إلى البني الداكن.. كلها إشارات حمراء تعني أمراً واحداً: تخلص من اللحم فوراً. النار لا تغسل الخطايا هنا؛ فالطهي لن يلغي السموم البكتيرية بعد تكونها بالفعل.
خلاصة القول.. الجسم البشري آلة دقيقة، والاعتدال هو وقودها الأفضل. احترام قواعد الحفظ والطهي، مع التوازن في تناول الأطعمة، يبقى طوق النجاة لتجنب وعكات صحية مباغتة تسلب من الحياة اليومية استقرارها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى