ثقافة

شعراءٌ يقتلون قصائدهم

بقلم/ يونس الفنادي

الشعرُ‭ ‬صورةٌ‭ ‬تعبيريةٌ‭ ‬فنيةٌ‭ ‬جماليةٌ‭ ‬وموسيقيةٌ‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬صوتٍ‭ ‬يُحسن‭ ‬بثها‭ ‬في‭ ‬فكر‭ ‬ووجدان‭ ‬المتلقي‭ ‬السامع،‭ ‬لتستوطن‭ ‬كيانه‭ ‬الحسّي‭ ‬بكلِّ‭ ‬انتشاء‭ ‬وأريحية‭ ‬وتحلق‭ ‬به‭ ‬عبر‭ ‬فضاءات‭ ‬مفرداتها‭ ‬البليغة‭ ‬وإيقاعاتها‭ ‬الصادحة‭ ‬والمستترة‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬الشعر‭ ‬الحقيقية‭. ‬فالقصيدة‭ ‬الشعرية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬للمسمتع‭ ‬المتلهف‭ ‬لتأمل‭ ‬صورها‭ ‬المعبرة‭ ‬بقراءة‭ ‬عادية‭ ‬تقليدية‭ ‬مثل‭ ‬قراءة‭ ‬الأخبار‭ ‬أو‭ ‬المواضيع‭ ‬غير‭ ‬الشعرية،‭ ‬لأن‭ ‬القصيدة‭ ‬تكتسي‭ ‬خصوصية‭ ‬تعبيرية‭ ‬متفردة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬هيكلها‭ ‬الداخلي‭ ‬موسيقى‭ ‬خفية،‭ ‬وعلى‭ ‬سطح‭ ‬بنائها‭ ‬الظاهري‭ ‬إيقاعاً‭ ‬تنسجه‭ ‬روح‭ ‬مميزة‭ ‬لا‭ ‬تنتمي‭ ‬إلاّ‭ ‬لعالم‭ ‬الشعر‭.‬

ولاستعراض‭ ‬نماذج‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬أبانوا‭ ‬عن‭ ‬مهارة‭ ‬صوتية‭ ‬فائقة‭ ‬أساسها‭ ‬صون‭ ‬المفردة‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬النشاز‭ ‬اللغوي،‭ ‬أو‭ ‬الكسر‭ ‬النحوي‭ ‬وأجادوا‭ ‬تقديم‭ ‬قصائدهم‭ ‬بطريقة‭ ‬تحتضن‭ ‬المستمع،‭ ‬وتتسربل‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬فكره‭ ‬وقلبه،‭ ‬يمكننا‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬محمود‭ ‬الجواهري،‭ ‬ومظفر‭ ‬النوّاب،‭ ‬ونزار‭ ‬قباني،‭ ‬ومحمود‭ ‬درويش،‭ ‬ومحمد‭ ‬الفيتوري،‭ ‬ومحمد‭ ‬المهدي‭ ‬ومفتاح‭ ‬العماري‭ ‬وعبدالمولى‭ ‬البغدادي‭ ‬وعمر‭ ‬عبدالدائم‭ ‬ومحمد‭ ‬المزوغي‭ ‬ويوسف‭ ‬عفط‭ ‬وحسن‭ ‬إدريس‭ ‬الذين‭ ‬يذوبون‭ ‬وينصهرون‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬قصائدهم‭ ‬حين‭ ‬تقديمها‭ ‬للمستمع‭ ‬الذي‭ ‬يهبهم‭ ‬فكره‭ ‬وعقله‭ ‬وقلبه‭ ‬وروحه‭ ‬ويستسلم‭ ‬طواعية‭ ‬وهو‭ ‬يمد‭ ‬لهم‭ ‬مفاتيحه‭ ‬كافةً‭ ‬ليسافر‭ ‬مع‭ ‬لحظات‭ ‬تراتيلهم‭ ‬الشعرية‭ ‬العظيمة‭.‬

وعلى‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬نجد‭ ‬شعراء‭ ‬يقتلون‭ ‬قصائدهم‭ ‬بعدم‭ ‬إتقانهم‭ ‬تقديمها‭ ‬للمستمع‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لغتهم‭ ‬المعطوبة‭ ‬نحوياً،‭ ‬أو‭ ‬أصواتهم‭ ‬الخافتة‭ ‬التي‭ ‬كأنها‭ ‬تنبعث‭ ‬من‭ ‬قعر‭ ‬بئرٍ‭ ‬سحيق،‭ ‬وتفتقد‭ ‬كلياً‭ ‬الإحساس‭ ‬والتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الصورة‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬كتبوها‭ ‬والتماهي‭ ‬معها‭ ‬والارتماء‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬القصيدة‭ ‬والتحليق‭ ‬بعيداّ‭ ‬عن‭ ‬زمن‭ ‬اللحظة‭ ‬ومكانها‭.‬

إنّ‭ ‬الأمسيات‭ ‬الشعرية‭ ‬تتطلب‭ ‬اختيار‭ ‬شعراء‭ ‬أكفاء‭ ‬مقتدرون‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬قصائدهم،‭ ‬وإبراز‭ ‬مضامين‭ ‬صورها‭ ‬الفنية‭ ‬الجميلة،‭ ‬مثلما‭ ‬يتم‭ ‬اختيار‭ ‬فرقة‭ ‬موسيقيين‭ ‬مهرة‭ ‬لإحياء‭ ‬الحفلات‭ ‬الفنية‭ ‬التي‭ ‬تبعث‭ ‬في‭ ‬الجمهور‭ ‬والفضاء‭ ‬المكاني‭ ‬عامةً‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البهجة‭ ‬والانبساط‭ ‬والاستمتاع،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬استحضار‭ ‬الهتاف‭ ‬والضجيج‭ ‬والثرثرة‭ ‬الشعرية‭.‬

أعتذرُ‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬وهبتهم‭ ‬وقتي،‭ ‬وترقبتُ‭ ‬الاستماع‭ ‬إليهم،‭ ‬لأنني‭ ‬وجدتُ‭ ‬نصوصَ‭ ‬قصائدِهم‭ ‬شعريةً‭ ‬بامتياز،‭ ‬ولكنهم‭ ‬بكل‭ ‬جدارة‭ ‬قتلوها‭ ‬بأصواتهم‭ ‬على‭ ‬المنصة‭ ‬وأمام‭ ‬الشهود‭ ‬السامعين،‭ ‬فدُفنت‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬اللحظة،‭ ‬وتركتني‭ ‬وغادرت‭ .. ‬ولم‭ ‬تغادر‭ ‬معي‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى