
الشعرُ صورةٌ تعبيريةٌ فنيةٌ جماليةٌ وموسيقيةٌ تحتاج إلى صوتٍ يُحسن بثها في فكر ووجدان المتلقي السامع، لتستوطن كيانه الحسّي بكلِّ انتشاء وأريحية وتحلق به عبر فضاءات مفرداتها البليغة وإيقاعاتها الصادحة والمستترة إلى عوالم الشعر الحقيقية. فالقصيدة الشعرية لا يمكن أن تقدم للمسمتع المتلهف لتأمل صورها المعبرة بقراءة عادية تقليدية مثل قراءة الأخبار أو المواضيع غير الشعرية، لأن القصيدة تكتسي خصوصية تعبيرية متفردة تحمل في ثنايا هيكلها الداخلي موسيقى خفية، وعلى سطح بنائها الظاهري إيقاعاً تنسجه روح مميزة لا تنتمي إلاّ لعالم الشعر.
ولاستعراض نماذج من الشعراء الذين أبانوا عن مهارة صوتية فائقة أساسها صون المفردة من الوقوع في براثن النشاز اللغوي، أو الكسر النحوي وأجادوا تقديم قصائدهم بطريقة تحتضن المستمع، وتتسربل في أعماق فكره وقلبه، يمكننا الإشارة إلى محمود الجواهري، ومظفر النوّاب، ونزار قباني، ومحمود درويش، ومحمد الفيتوري، ومحمد المهدي ومفتاح العماري وعبدالمولى البغدادي وعمر عبدالدائم ومحمد المزوغي ويوسف عفط وحسن إدريس الذين يذوبون وينصهرون في ثنايا قصائدهم حين تقديمها للمستمع الذي يهبهم فكره وعقله وقلبه وروحه ويستسلم طواعية وهو يمد لهم مفاتيحه كافةً ليسافر مع لحظات تراتيلهم الشعرية العظيمة.
وعلى عكس ذلك نجد شعراء يقتلون قصائدهم بعدم إتقانهم تقديمها للمستمع سواء من حيث لغتهم المعطوبة نحوياً، أو أصواتهم الخافتة التي كأنها تنبعث من قعر بئرٍ سحيق، وتفتقد كلياً الإحساس والتفاعل مع الصورة الشعرية التي كتبوها والتماهي معها والارتماء في حضن القصيدة والتحليق بعيداّ عن زمن اللحظة ومكانها.
إنّ الأمسيات الشعرية تتطلب اختيار شعراء أكفاء مقتدرون على تقديم قصائدهم، وإبراز مضامين صورها الفنية الجميلة، مثلما يتم اختيار فرقة موسيقيين مهرة لإحياء الحفلات الفنية التي تبعث في الجمهور والفضاء المكاني عامةً الكثير من البهجة والانبساط والاستمتاع، ولا شك بأن هذا لا يعني استحضار الهتاف والضجيج والثرثرة الشعرية.
أعتذرُ للعديد من الشعراء الذين وهبتهم وقتي، وترقبتُ الاستماع إليهم، لأنني وجدتُ نصوصَ قصائدِهم شعريةً بامتياز، ولكنهم بكل جدارة قتلوها بأصواتهم على المنصة وأمام الشهود السامعين، فدُفنت في ذات اللحظة، وتركتني وغادرت .. ولم تغادر معي.



