
شهدت العاصمة طرابلس ومحيطها موجة أمطار طوفانية سُجلت خلال الـ 24 ساعة الممتدة من الساعة الثامنة صباح الثلاثاء 13 أكتوبر وحتى الثامنة صباح الأربعاء 14 أكتوبر 2026، كشفت بوضوح عن عمق الأزمة الحضرية وتهالك البنية التحتية الممتد لعقود. وحسب النشرة اليومية الصادرة عن المركز الوطني للأرصاد الجوية «إدارة المناخ»، اعتلت منطقة سوق الجمعة صدارة المناطق المتضررة بتسجيل كمية هطول قياسية بلغت 152.5 ملم، وهي كمية استثنائية تعادل نحو نصف المعدل السنوي العام لأمطار العاصمة في يوم واحد. وحلّ ميناء طرابلس ثانيا برصد 92.0 ملم، يليه باب بن غشير بـ 90.0 ملم، ثم محطة الهضبة الأرصاد بـ 61.5 ملم، والعزيزية بـ 45.0 ملم، ومطار معيتيقة بـ 40.8 ملم.
وتعكس هذه الأرقام القياسية أسباب الشلل التام والسيطرة الكاملة للمياه على أحياء العاصمة وشرايينها الرئيسية؛ إذ تتجاوز كميات تدفق تتعدى 152 ملم القدرة الاستيعابية لأعتى منظومات التصريف الحديثة عالميا، فكيف بشبكات متهالكة ومغلقة. ومع قفز معامل الجريان السطحي إلى أكثر من 90% نتيجة التمدد الخرساني والأسفلتي، تحولت الشوارع الحيوية والطريق السريع إلى مجارٍ لسيول جارفة جرفت المركبات واقتحمت البيوت والمؤسسات وخلفت ضحايا.
وأمام هذا التدفق الهائل، أعلنت الشركة العامة للمياه والصرف الصحي عن استنفار تشغيلي واسع جرى خلاله نشر أكثر من 30 مضخة مجرورة وتنفيذ ما يزيد على 10 آلاف رحلة لسيارات الشفط لسحب زهاء نصف مليون متر مكعب من المياه المتراكمة في العاصمة خلال ثلاثة أيام فقط من بدء الكارثة. غير أن هذه العمليات الاستثنائية أثبتت مجددا أن حلول الشفط الميدانية تظل مجرد معالجات ترقيعية مؤقتة أمام أزمة أعمق بكثير.
فالمأساة في جوهرها انعكاس مباشر للجريمة الحضرية المتمثلة في تجميد التخطيط العمراني منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث يعيش أكثر من 50% من السكان خارج نطاق المخططات الحضرية المعتمدة ودون شبكات أساسية للمياه والصرف الصحي أو تصريف الأمطار. بالتوازي مع ذلك، تفاقمت الأزمة داخل المناطق المخططة بفعل غياب الرقابة والتوسع الرأسي العشوائي الذي ضاعف الضغط على خطوط تصريف متهالكة، فضلاً عن تراكم ملايين القنينات والأكياس البلاستيكية التي سدت فتحات التصريف، والانتهاك البيئي المباشر المتمثل في تحويل مياه الصرف الصحي إلى خطوط الأمطار بعلم البلديات والأجهزة الأمنية، مما أدى لارتداد المجاري واختلاطها بالسيول داخل بيوت المواطنين.
إن حجم الكارثة وسحب ما يقارب من نصف مليون متر مكعب من المياه التي لم تتم الاستفادة منها في دولة تعاني من الإجهاد المائي، يضعان الأجهزة التنفيذية أمام واقع لم يعد يحتمل المماطلة؛ فغرق العاصمة لم يعد حدثا طارئا تتم معالجته بحملات الشفط، بل هو نتيجة حتمية لتعطل المخططات وشلل في قطاع الصرف الصحي واستمرار غياب المحاسبة طوال أربعة عقود.
تجدد هذه الأزمة المطالبات الشعبية المتواصلة منذ كارثة إعصار دانيال بضرورة فتح تحقيق شامل، ومحاسبة كافة المسؤولين المتعاقبين عن انهيار البنية التحتية، والإسراع بإطلاق مخطط حضري حديث يستوعب الكثافة السكانية ويحمي طرابلس من الكوارث المتكررة.


