الدولار يرهق الليبيين رغم وفرة الموارد..الخبير الاقتصادي محمد درميش أزمتنا في الإدارة لا في المال
حوار: فائزة العجيلي

لم تعد أزمة الدولار في ليبيا مجرد مؤشر اقتصادي تتداوله الأسواق بل تحولت إلى عبء يومي يثقل كاهل المواطن مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتزايد المخاوف بشأن قيمة الدينار. وفي بلد يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية تتجدد التساؤلات حول أسباب ارتفاع العملة الأجنبية ومدى كفاءة إدارة النقد الأجنبي، وحقيقة الإنفاق العام وفاعلية المؤسسات الرقابية في حماية المال العام. وبين وفرة الموارد وتفاقم الضغوط المعيشية تبرز أسئلة جوهرية: هل تعاني ليبيا نقصًا في الموارد، أم خللًا في إدارتها؟ وأين تكمن مسؤولية المؤسسات الاقتصادية والرقابية؟ وما الإجراءات القادرة على وقف تآكل القدرة الشرائية واستعادة الثقة في الاقتصاد الوطني؟ في هذا الحوار، يقدم الخبير الاقتصادي محمد درميش قراءته لأسباب ارتفاع الدولار، منتقدًا إدارة ملف الاعتمادات وتوزيع النقد الأجنبي، ومعتبرًا أن تضخم أرقام الميزانية لا يعكس بالضرورة زيادة الإنفاق الحقيقي. كما يدعو إلى تنسيق السياسات النقدية والمالية والتجارية، وتعزيز الرقابة، والحد من الاحتكار، وتنويع مصادر الدخل، مؤكدًا أن التحدي الأساسي يكمن في تحويل الإمكانات الاقتصادية إلى استقرار يلمسه المواطن.
الدولار بين السياسة النقدية واختلالات السوق
كيف تفسرون ارتفاع سعر الدولار رغم الإيرادات النفطية الكبيرة؟ وهل نحن أمام أزمة نقص موارد أم أزمة إدارة اقتصادية؟
يرجع ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار الليبي إلى عدة أسباب، في مقدمتها قصور مصرف ليبيا المركزي في إدارة ملف الاعتمادات المستندية وتوزيع النقد الأجنبي، في ظل سوق تتسم بوجود احتكار القلة. كما أسهم رفع سعر الدولار الجمركي من 2.50 إلى 6.40، بحسب الأرقام التي أوردها، في زيادة الضغوط على السوق. ويتمثل السبب الآخر في غياب خطة استراتيجية متكاملة لإدارة الأزمات، تقوم على التنسيق بين أدوات السياسة الاقتصادية الثلاث: النقدية والمالية والتجارية، بما يضمن الاستجابة للتطورات المحلية والدولية وحماية المستهلك والاقتصاد الوطني من تداعيات التضخم العالمي والأزمات المتلاحقة، ومنها آثار جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والتطورات في الشرق الأوسط. ومن وجهة نظري، فإن المشكلة لا تتعلق بشح الموارد بقدر ارتباطها بكفاءة الإدارة الاقتصادية، وقدرة المؤسسات على استخدام الأدوات المتاحة لتحقيق الاستقرار.
الإيداعات الخارجية ومسؤولية الرقابة
في ظل الحديث عن إيداعات بمليارات الدولارات لدى المصارف الخارجية، وتضارب الأرقام والتصريحات، كيف يمكن التحقق من حركة هذه الأموال؟ ومن يتحمل مسؤولية الرقابة والمساءلة؟
إن تضارب الأرقام المتعلقة بالإيداعات لدى المصرف الليبي الخارجي يثير تساؤلات بشأن كفاءة أجهزة الدولة الرقابية في متابعة المصارف والجهات التابعة لها. فالحركات المالية والقيود المحاسبية والتسويات المصرفية يمكن تتبعها من خلال مراجعة السجلات اليومية لدى الجهات ذات العلاقة، ومطابقة أذونات التسليم والاستلام والتسويات المصرفية. ومن ثم، فإن الوصول إلى صورة دقيقة يتطلب مراجعة محاسبية متكاملة تربط العمليات المالية بين الأطراف المعنية. وأحمّل السلطة التشريعية المسؤولية الأولى باعتبارها جهة رقابية عليا، تليها الجهات الرقابية المختصة، وفي مقدمتها ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية. فالمطلوب هو رقابة فاعلة تضمن سلامة البيانات، وتكشف أوجه القصور، وتحدد المسؤوليات، وتدعم المساءلة وفق القانون.
الإنفاق العام.. قراءة الأرقام في سياقها
يتكرر الحديث عن تضخم الإنفاق العام واستنزاف النقد الأجنبي، بينما يدفع المواطن ثمن الأزمة من قوته اليومي.. كيف تقرأون هذه المسألة؟ وما الحلول العاجلة لاستعادة الاستقرار؟
أرى أن هناك تضليلًا في تناول حجم الإنفاق العام عندما تتم مقارنة الأرقام الاسمية للموازنات من دون مراعاة تغير قيمة الدينار. ولتوضيح وجهة نظري، أستند إلى أرقام تشير إلى أن الإنفاق بالدولار بلغ نحو 45.6 مليار دولار عام 2010، و54.3 مليار دولار عام 2012، و52.6 مليار دولار عام 2013، بينما لم يتجاوز، وفق تقديراتي، 30 مليار دولار كحد أقصى خلال الأعوام 2023 و2024 و2025.
وبناءً على هذه المقارنة، لا يمكن اعتبار ارتفاع أرقام الميزانية بالدينار دليلًا كافيًا على زيادة الإنفاق الحقيقي بالدولار؛ إذ إن انخفاض قيمة العملة والرسوم والضرائب يؤثر في الأرقام الاسمية. لذلك، ينبغي تحليل الإنفاق استنادًا إلى بيانات موثقة ومقارنات واضحة، بدل إطلاق الأحكام بمعزل عن سياقها الاقتصادي.
أما الحل، فيبدأ بالتنسيق بين السياسات النقدية والمالية والتجارية، ووضع خطة استراتيجية مرنة لمتابعة التطورات الاقتصادية بصورة مستمرة. كما يتطلب الحد من هيمنة المحتكرين على السوق، وتنظيم التجارة الداخلية والخارجية وملف الاعتمادات، بما يعزز المنافسة ويحمي المستهلك والاقتصاد الوطني. ويظل تنويع مصادر الدخل القومي ضرورة أساسية لتقليل الاعتماد على النفط، واستثمار الموارد المتاحة بكفاءة، وبناء قاعدة اقتصادية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
هل تمتلك ليبيا مقومات الخروج من الأزمة؟
في ظل التجاذبات السياسية واستمرار الضغوط المعيشية، ما رسالتكم إلى صناع القرار؟ وهل لا تزال هناك فرصة حقيقية للإصلاح؟
ليبيا تمتلك موارد وإمكانات اقتصادية كبيرة، ولا تعاني شحًا في الموارد والأموال بالمعنى الذي يبرر استمرار الاختلالات الحالية. لكنها تحتاج إلى إدارة كفؤة، ورؤية استراتيجية واضحة، وتنسيق فعلي بين مؤسسات الدولة، رغم حدة التجاذبات السياسية. ويجب أن تكون الأولوية لحماية المستهلك، ومعالجة الاختلالات في سوق النقد الأجنبي، ومواجهة الاحتكار، وتعزيز الرقابة والمساءلة، إلى جانب تنويع مصادر الدخل القومي. فالموارد وحدها لا تصنع اقتصادًا قويًا؛ إذ لا بد أن تقترن بإدارة رشيدة وسياسات متكاملة وإرادة جادة للإصلاح.
ختاما
تكشف آراء الخبير الاقتصادي محمد درميش عن فجوة بين الإمكانات التي تمتلكها ليبيا والنتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية. وبينما يربط درميش الأزمة بقصور الإدارة وتداخل السياسات وضعف الرقابة، تظل معالجة الاختلالات الاقتصادية مرهونة ببيانات دقيقة، وشفافية في إدارة المال العام، ومساءلة واضحة، وسياسات قادرة على الحد من الاحتكار واستعادة الثقة. فالمواطن لا ينتظر تفسيرات متجددة لارتفاع الدولار بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة تنعكس على الأسعار ودخله اليومي. ويبقى التحدي الحقيقي أمام مؤسسات الدولة هو تحويل الثروة من أرقام في الميزانيات إلى استقرار اقتصادي وعدالة في إدارة الموارد، حتى لا تظل وفرة الإمكانات مفارقة مؤلمة أمام ضيق المعيشة.


