في هذا الحَرِّ القائظ، والذي تفاقمتْ موجاتُهُ معَ توغُّلِ الصّيفِ، وعندَ النّظرِ إلى ما حولَنا نتساءلُ في عجبٍ: كيفَ لهذهِ المدينةِ أن تتحوّلَ إلى مِرجَلٍ يعتصرُ قاطنيها بالرّطوبةِ المتوسّطيّةِ، بعدَ أن كانتْ مبعثَ انشراحٍ واستجمامٍ لطيفٍ للمُقيلينَ على رمالِ شاطئِها، وتحتَ ظلالِ أشجارِ غاباتِها التي طالما سَوَّرتْها كسياجٍ حامٍ من زحفِ الصّحارى قبلَ سنواتٍ قلائلَ؟!
وربّما يأتي التّعجُّبُ بمفتاحِ الإجابةِ. الأشجارُ، نعم.
فللشّجرةِ تأثيرٌ لا يخفى على عاقلٍ في ترطيبِ أجواءِ الطّقسِ بصورةٍ خاصّةٍ، وتغييرِ المناخِ عامّةً، وفقَ معادلةٍ طبيعيّةٍ: كلّما زادتْ مساحةُ الغطاءِ النّباتيِّ من أشجارِ الظِّلِّ وكذا المُثمِرَةِ، كلّما ارتفعتْ نسبةُ الرّطوبةِ، واعتدلتْ درجةُ الحرارةِ على امتدادِ العامِ، وزادتْ احتماليّةُ تساقطِ الأمطارِ في الفصولِ الجافّةِ أيضاً.
ولأنّنا دأبْنا على مرِّ عقودٍ في مُحاربةِ الشّجرةِ، واستبدلْناها بغاباتٍ إسمنتيّةٍ أحالتْ طرابلسَ إلى «تُرابٍ يابسٍ» أو مدينةٍ شَهْباءَ اللّونِ، كما يحلو للبعضِ تسميتُها استنكاراً لا تهكّماً على واقعِ الحالِ، ووصفُها باليُباسِ النّاجمِ عن شُحِّ الماءِ، وزوالِ الخُضارِ الطّبيعيِّ.
وقد جنَيْنا حصادَ عُزوفِنا عن الزّراعةِ.
بيئةٌ جرداءُ خاليةٌ من الأشجارِ إلّا فيما نَدَرَ، وطقسٌ يتمادى في قسوتِهِ كلَّ عامٍ أكثرَ.
فمتى نُشرِعُ بإعادةِ إعمارِ الأرضِ بحملاتِ التّشجيرِ لاستعادةِ لونِ الحياةِ، والارتقاءِ بالمشهدِ الحضريِّ لعاصمتِنا التّليدةِ؟