قراءة في واقع لا يليق بمدينة على البحر .. طبرق… حين تتحول أزمة المياه إلى فشل إداري مزمن
يونس الهنداوي

ليست المشكلة في طبرق نقصًا في الموارد ولا غيابًا في المعرفة بل هي بكل وضوح نتيجة فشل إداري مزمن في إدارة منظومة المياه.
مدينة ساحلية بامتياز تطل على البحر المتوسط وتقع ضمن نطاق جغرافي قريب من أحد أهم الخزانات الجوفية العذبة في شرق ليبيا (حوض الجغبوب) وتملك ميناءً نشطًا وبنية علمية ممثلة في جامعة وكوادر متخصصة… ومع ذلك لا يزال المواطن فيها يطارد الماء كما لو كان يعيش في بيئة قاحلة. هذا التناقض ليس صدفة بل نتاج تراكم عقود من القرارات المؤجلة والحلول الترقيعية وغياب الرؤية العلمية في التخطيط المائي.
الواقع بالأرقام
حين يتحول الماء إلى عبء اقتصادي في طبرق لم يعد الماء خدمة عامة بل سلعة مرهقة: خزان المياه الواحد يُكلف نحو00 2 دينار. وعمره التشغيلي لا يتجاوز ثلاثة أسابيع في أفضل الأحوال. وما يضع الأسرة أمام إنفاق شهري قد يصل إلى 600 دينار فقط لتأمين المياه. وهذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل مؤشر على انهيار فعلي في منظومة الإمداد المائي.
المفارقة العلمية الصادمة من منظور تخصصي في جودة وإدارة المياه فإن وضع طبرق يُعد حالة دراسية صريحة على سوء استغلال الموارد: البحر متاح، والتحلية خيار استراتيجي معتمد عالميًا في ظروف مشابهة. والمياه الجوفية متوفرة في نطاق الجغبوب، لكنها غير مستثمرة بكفاءة. والقدرات اللوجستية موجودة عبر الميناء. والخبرة العلمية متاحة محليًا.. ومع ذلك لا توجد منظومة متكاملة لإدارة الموارد المائية (Integrated Water Resources Management) بل مجرد استجابات جزئية لا ترقى إلى مستوى الأزمة.
أين الخلل؟
المشكلة ليست فنية بقدر ما هي: غياب حوكمة مائية فعالة. وضعف في اتخاذ القرار المبني على البيانات. وتجاهل للمعايير الحديثة في استدامة الموارد. واستمرار الاعتماد على حلول إسعافية قصيرة الأمد.
بمعنى أدق: ما يحدث في طبرق هو إخفاق مؤسسي لا عجز طبيعي..فما الذي يجب أن يحدث فورًا؟ (من منظور علمي تطبيقي): إطلاق مشروع تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي دائم مع اختيار تقنيات مناسبة (RO) تراعي الكفاءة والطاقة. وإعادة تقييم واستثمار المياه الجوفية ضمن إطار استدامي يمنع الاستنزاف . وتأهيل شبكة التوزيع لتقليل الفاقد الفني والتجاري. وتبني نموذج إدارة متكاملة للموارد المائية (IWRM). وإشراك الكفاءات الوطنية في وضع وتنفيذ الحلول بدل تهميشها.
كلمة أخيرة
من غير المقبول علميًا ولا أخلاقيًا أن تبقى طبرق بكل هذه الإمكانات في هذا الوضع .. فالماء ليس ترفًا… بل حق أساسي وأي تأخير في معالجته هو إخلال مباشر بحقوق المواطنين. ومدينة على البحر… وسكانها يشترون الماء. فهذه ليست أزمة خدمات… هذه فضيحة إدارة موارد بكل المقاييس.



