رأي

تخيل

علي باني

وقفتُ‭ ‬حائرًا‭ ‬متأملًا،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬إدخال‭ ‬ذلك‭ ‬الكائن‭ ‬إلى‭ ‬زقاقٍ‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عرضه‭ ‬مترين،‭ ‬المسكين‭ ‬كان‭ ‬جالسًا‭ ‬في‭ ‬وضع‭ )‬البروك‭(‬،‭ ‬وقد‭ ‬تجمع‭ ‬حوله‭ ‬كل‭ ‬‮«‬صغار‭ ‬الزنقة‮»‬‭ ‬وما‭ ‬جاورها‭ ‬من‭ ‬أزقّة‭ ‬الحارة‭ ‬الكبيرة‭.‬

لم‭ ‬أعلمْ‭ ‬أيضًا‭ ‬أنني‭ ‬معنيٌ‭ ‬بالأمر‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬سماع‭ ‬أحدهم‭ ‬يهتف‭ ‬متحمسًا‭ ‬وقد‭ ‬غطى‭ ‬وجهي‭ ‬بعضٌ‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬ما‭ ‬يملأ‭ ‬فمه‭ ‬مما‭ ‬لذّ‭ ‬وطاب‭:‬

‭-‬بوك‭ ‬جاب‭ ‬جمل‭ ‬

كانتْ‭ ‬تلك‭ ‬أولّ‭ ‬مرة‭ ‬نمتلك‭ ‬فيها‭ ‬جملاً،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصحح‭ ‬والدي‭ -‬رحمه‭ ‬الله‭- ‬قاموس‭ ‬كلماتي‭ ‬وأفهمني‭ ‬بأنّه‭ )‬قعود‭( ‬تظاهرتُ‭ ‬بالفهم‭ ‬تجنبّاً‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬يُحمدُ‭ ‬عقباه‭.‬

كانتْ‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬استقبلتْ‭ ‬فيها‭ ‬زنقة‭ ‬‮«‬خِربة‭ ‬الدجاج‮»‬‭ ‬ضيفًا‭ ‬بهذه‭ ‬الأهميّة،‭ ‬وهو‭ ‬عذرٌ‭ ‬كافٍ‭ ‬لعدم‭ ‬معرفتنا‭ ‬اسمه‭ ‬الصحيح،‭ ‬فقد‭ ‬كانتْ‭ ‬معلوماتنا‭ ‬معدومة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬حتى‭ ‬أننا‭ ‬كُنّا‭ ‬نجمع‭ ‬كلمة‭ ‬جمل‭ ‬على‭ ‬‮«‬إجملّة‮»‬‭! ‬

عرفنا‭ ‬بعد‭ ‬سنين‭ ‬أنها‭ ‬مصدر‭ ‬سخرية‭ ‬للعارفين‭ ‬بقواعد‭ ‬اللغة،‭ ‬والأنعام،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بالطبع‭ ‬قبل‭ ‬دخول‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬البلّ‮»‬‭ ‬لأزقة‭ ‬المدينة‭ ‬ولسانها‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬علامة‭ ‬دالة،‭ ‬كطريق‭ )‬البلّ‭( ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭.‬

في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬كان‭ ‬عيد‭ ‬الأضحى،‭ ‬وجدتُ‭ )‬القعود‭( ‬مربوطاً‭ ‬إلى‭ ‬درابزين‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬العَليّ‮»‬‭ ‬ورقبته‭ ‬في‭ ‬عكس‭ ‬اتجاه‭ ‬جسده‭ ‬وهو‭ ‬يطلق‭ ‬صوتًا‭ ‬ليس‭ ‬رُغاءً،‭ ‬ولا‭ ‬هديرًا،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬حنينًا،‭ ‬خمنتُ‭ ‬وفكرتُ‭ ‬كثيرًا‭ ‬كيف‭ ‬‮«‬يُذبح‮»‬‭ ‬القعود،‭ ‬ولم‭ ‬أفق‭ ‬من‭ ‬تخميني‭ ‬إلاّ‭ ‬وقد‭ ‬انبثقتْ‭ ‬من‭ ‬أسفل‭ ‬رقبته‭ ‬نافورة‭ ‬من‭ ‬الدماء،‭ ‬نتجت‭ ‬من‭ ‬حفرة‭ ‬صنعها‭ ‬السكين‭ ‬بحرفيه‭ ‬يُحسد‭ ‬عليها،‭ ‬غمس‭ ‬والدي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ – ‬يده‭ ‬في‭ ‬الدماء‭ ‬المتدفقة،‭ ‬ووضع‭ ‬بصمات‭ ‬متعدَّدة‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬الحائط،‭ ‬والأطفالُ‭ ‬الأبرياء‭ ‬يهللون‭ ‬فرحين‭..‬

كان‭ ‬ذلك‭ ‬اكتشافي‭ ‬الأوّل،‭ ‬ثمّ‭ ‬توالتْ‭ ‬اكتشافات‭ ‬ذلك‭ ‬النهار،‭ ‬فقد‭ ‬سُلخ‭ ‬وهو‭ ‬جاثُمٌ‭ ‬على‭ ‬ركبتيه‭ )‬عكس‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬أتوقعه‭( !‬،‭ ‬وأصبح‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬اللحم،‭ ‬والعظم،‭ ‬والدماء،‭ ‬يتوسط‭ ‬الفناء‭ ‬الصغير،‭ ‬تذوق‭ ‬طعمها‭ ‬كُل‭ ‬سكان‭ ‬الزنقة،‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ترسل‭ ‬له‭ ‬حصته‭ ‬هو‭ )‬شلومو‭( ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬محل‭ ‬جزارة‭ ‬قبالة‭ ‬المدرسة‭ ‬اليهودية،‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬دارًا‭ ‬في‭ )‬الزنقة‭( ‬في‭ ‬بيت‭ ‬مشاركة‭ ‬مع‭ ‬عائلات‭ ‬ليبية‭.‬

الفرحة‭ ‬طالت‭ ‬الجميع،‭ ‬وحتى‭ ‬القط‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬الزنقة،‭ ‬والمعروف‭ ‬باسمه‭ ‬المُفضّل‭ )‬قطوس‭ ‬إخربّ‭( ‬كان‭ ‬في‭ ‬مزاجٍ‭ ‬رائقٍ‭ ‬عكس‭ ‬الأيام‭ ‬العاديّة‭ ‬والتي‭ ‬ينظر‭ ‬إلينا‭ ‬زجرًا‭ ‬كُلما‭ ‬حاولنا‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬مملكته،‭ ‬بل‭ ‬ويمنعنا‭ ‬من‭ ‬المرور‭ ‬أحياناً،‭ ‬فقد‭ ‬سمح‭ ‬لنا‭ ‬بوضع‭ ‬بعضٍ‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬قريبًا‭ ‬منه،‭ ‬بل‭ ‬ورؤية‭ ‬قطته‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬تشاركه‭ ‬المكان‭..‬

تذكرته‭ ‬بعد‭ ‬سنين‭ ‬عدة،‭ ‬عندما‭ ‬قرأتُ‭ ‬المثل‭ ‬الفرنسي‭:‬

أجملُ‭ ‬قطّة‭ ‬لأقبح‭ ‬قطّ‭..‬

فما‭ ‬بالك‭ ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬قبيحًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ )‬قطوس‭ ‬أخربّ‭(‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى