
وقفتُ حائرًا متأملًا، كيف يمكن إدخال ذلك الكائن إلى زقاقٍ لا يتجاوز عرضه مترين، المسكين كان جالسًا في وضع )البروك(، وقد تجمع حوله كل «صغار الزنقة» وما جاورها من أزقّة الحارة الكبيرة.
لم أعلمْ أيضًا أنني معنيٌ بالأمر إلاّ بعد سماع أحدهم يهتف متحمسًا وقد غطى وجهي بعضٌ من بقايا ما يملأ فمه مما لذّ وطاب:
-بوك جاب جمل
كانتْ تلك أولّ مرة نمتلك فيها جملاً، قبل أن يصحح والدي -رحمه الله- قاموس كلماتي وأفهمني بأنّه )قعود( تظاهرتُ بالفهم تجنبّاً لما لا يُحمدُ عقباه.
كانتْ تلك اللحظة التاريخية الوحيدة التي استقبلتْ فيها زنقة «خِربة الدجاج» ضيفًا بهذه الأهميّة، وهو عذرٌ كافٍ لعدم معرفتنا اسمه الصحيح، فقد كانتْ معلوماتنا معدومة في هذا المجال، حتى أننا كُنّا نجمع كلمة جمل على «إجملّة»!
عرفنا بعد سنين أنها مصدر سخرية للعارفين بقواعد اللغة، والأنعام، كل ذلك بالطبع قبل دخول مصطلح «البلّ» لأزقة المدينة ولسانها حتى أصبحت علامة دالة، كطريق )البلّ( على سبيل المثال لا الحصر.
في اليوم التالي كان عيد الأضحى، وجدتُ )القعود( مربوطاً إلى درابزين يؤدي إلى «العَليّ» ورقبته في عكس اتجاه جسده وهو يطلق صوتًا ليس رُغاءً، ولا هديرًا، ربما يكون حنينًا، خمنتُ وفكرتُ كثيرًا كيف «يُذبح» القعود، ولم أفق من تخميني إلاّ وقد انبثقتْ من أسفل رقبته نافورة من الدماء، نتجت من حفرة صنعها السكين بحرفيه يُحسد عليها، غمس والدي رحمه الله – يده في الدماء المتدفقة، ووضع بصمات متعدَّدة من يده على الحائط، والأطفالُ الأبرياء يهللون فرحين..
كان ذلك اكتشافي الأوّل، ثمّ توالتْ اكتشافات ذلك النهار، فقد سُلخ وهو جاثُمٌ على ركبتيه )عكس ما كنت أتوقعه( !، وأصبح كتلة واحدة من اللحم، والعظم، والدماء، يتوسط الفناء الصغير، تذوق طعمها كُل سكان الزنقة، الوحيد الذي لم ترسل له حصته هو )شلومو( الذي يملك محل جزارة قبالة المدرسة اليهودية، الذي يسكن دارًا في )الزنقة( في بيت مشاركة مع عائلات ليبية.
الفرحة طالت الجميع، وحتى القط الوحيد في الزنقة، والمعروف باسمه المُفضّل )قطوس إخربّ( كان في مزاجٍ رائقٍ عكس الأيام العاديّة والتي ينظر إلينا زجرًا كُلما حاولنا معرفة ما يدور في مملكته، بل ويمنعنا من المرور أحياناً، فقد سمح لنا بوضع بعضٍ من اللحم قريبًا منه، بل ورؤية قطته الجميلة التي تشاركه المكان..
تذكرته بعد سنين عدة، عندما قرأتُ المثل الفرنسي:
أجملُ قطّة لأقبح قطّ..
فما بالك وهو ليس قبيحًا فحسب، بل )قطوس أخربّ(
