الرئيسيةتقارير

خلف الكمامة… مدارس تفيض بالعدوى

شهد عبد الحفيظ

‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬عامٍ‭ ‬دراسي،‭ ‬تتجدّد‭ ‬معركةٌ‭ ‬خفية‭ ‬لا‭ ‬تُسمع‭ ‬طبولها‭ ‬في‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار،‭ ‬لكنها‭ ‬تُدوّي‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬أروقة‭ ‬مستشفيات‭ ‬الأطفال‭: ‬معركة‭ ‬الجهاز‭ ‬التنفسي‭ ‬الصغير‭ ‬مع‭ ‬جيوش‭ ‬الفيروسات‭ ‬الموسمية‭. ‬والتي‭  ‬تمس‭ ‬كل‭ ‬بيت،‭ ‬وتُربك‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة،‭ ‬وتُحمِّل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬والصحية‭ ‬أثقل‭ ‬اختبارٍ‭ ‬سنوي‭: ‬اختبار‭ ‬الاستعداد‭ ‬والوقاية‭ ‬والاحتواء‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬عادةً‭ ‬مع‭ ‬اعتدال‭ ‬الحرارة،‭ ‬وتميل‭ ‬فيه‭ ‬الأجواء‭ ‬إلى‭ ‬البرودة،‭ ‬تتحوّل‭ ‬المدارس‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬خصبة‭ ‬لانتقال‭ ‬العدوى‭:‬‭ ‬فصلٌ‭ ‬مكتظ،‭ ‬نافذةٌ‭ ‬مغلقة،‭ ‬باصٌ‭ ‬معبّأ،‭ ‬وطفلٌ‭ ‬يمسك‭ ‬بقضيبٍ‭ ‬حديدي‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬اللعب،‭ ‬ثم‭ ‬يلامس‭ ‬أنفه‭ ‬أو‭ ‬فمه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬أنه‭ ‬وقع‭ ‬للتو‭ ‬على‭ ‬مصيدةٍ‭ ‬ميكروبية‭ ‬لا‭ ‬تُرى‭ ‬بالعين‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬ينشغل‭ ‬الأطفال‭ ‬بجدول‭ ‬الحصص،‭ ‬والانتباه‭ ‬للامتحانات،‭ ‬والتنافس‭ ‬على‭ ‬المقعد‭ ‬الأمامي،‭ ‬يكون‭ ‬الفيروس‭ ‬قد‭ ‬سبقهم‭ ‬إلى‭ ‬مكانٍ‭ ‬لا‭ ‬يُكتب‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬قائمة‭ ‬مدرسية‭: ‬إلى‭ ‬الحلق،‭ ‬فالمجرى‭ ‬التنفسي،‭ ‬فالجيوب‭ ‬الأنفية،‭ ‬وربما‭ ‬الرئتين‮…‬‭ ‬وهنا‭ ‬تبدأ‭ ‬العدوى‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬فصولها‭ ‬الأولى‭: ‬حكةٌ‭ ‬خفيفة،‭ ‬بحةُ‭ ‬صوت،‭ ‬رشحٌ‭ ‬شفاف،‭ ‬ثم‭ ‬سعالٌ‭ ‬يبدو‭ ‬عاديًا‮…‬‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكبر‭ ‬ويشتد‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الأجساد‭ ‬النحيلة‭ ‬ليتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬تنفّس‭ ‬حقيقية،‭ ‬أو‭ ‬حرارةٍ‭ ‬عنيدة،‭ ‬أو‭ ‬جفافٍ‭ ‬يخلخل‭ ‬توازن‭ ‬الجسد‭ ‬الصغير‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العدوى‭ ‬قضيةً‭ ‬وطنية‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة،‭ ‬ليس‭ ‬انتقالها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬ارتباكٍ‭ ‬جمعي‭ ‬متجذر‭: ‬ثقافة‭ ‬المضاد‭ ‬الحيوي‭ ‬السريع،‭ ‬ووصايا‭ ‬الصيدلية،‭ ‬وتضارب‭ ‬النصائح‭ ‬بين‭ ‬الجيران،‭ ‬واستعجال‭ ‬الدواء‭ ‬قبل‭ ‬التشخيص‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭ ‬الطب‭ ‬إن‭ ‬المضادات‭ ‬الحيوية‭ ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬الفيروس،‭ ‬وإن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬نزلات‭ ‬الأطفال‭ ‬الموسمية‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬بالرعاية‭ ‬الصحيحة،‭ ‬لا‭ ‬بالحبوب‭ ‬العشوائية‮…‬

‭ ‬يبقى‭ ‬السؤال‭  ‬المؤلم‭ ‬يتكرر‭ ‬دون‭ ‬توقف‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬يمرض‭ ‬صغارنا‭ ‬بالطريقة‭ ‬ذاتها‭ ‬كل‭ ‬موسم‭ ‬مدارس؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعبر‭ ‬الخريف‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تمر‭ ‬القصة‭ ‬على‭ ‬أسرّة‭ ‬المستشفى؟‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬استطلاعنا‮…‬‭ ‬

لا‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬المكاتب،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬المستشفى،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬العدوى‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا،‭ ‬والقلق‭ ‬أكثر‭ ‬صدقًا،‭ ‬والتجربة‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية،‭ ‬والطفل‭ ‬أكثر‭ ‬استحقاقًا‭ ‬لأن‭ ‬لا‭ ‬يتحوّل‭ ‬صدره‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬علاجاتٍ‭ ‬خاطئة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬حماية‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬‮«‬أي‭ ‬دواء؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬‭(‬كيف‭ ‬نحميهم؟‮»‬‭.‬

ملامح‭ ‬الموسم‭ ‬التي‭ ‬تُسمَع‭ ‬ولا‭ ‬تُكتَب‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬2025،‭ ‬كانت‭ ‬الأقسام‭ ‬الداخلية‭ ‬لمستشفى‭ ‬الأطفال‭ ‬تسجّل‭ ‬تصاعداً‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬الحالات‭ ‬المصابة‭ ‬بأعراض‭ ‬تنفسية‭ ‬علوية‭: ‬كحة،‭ ‬عطاس،‭ ‬احتقان‭ ‬في‭ ‬الأنف،‭ ‬ألم‭ ‬في‭ ‬الحلق‭ ‬مع‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬البلع،‭ ‬وارتفاع‭ ‬متدرّج‭ ‬في‭ ‬الحرارة‭. ‬وليبيا‭ ‬ليست‭ ‬استثناءً‭ ‬من‭ ‬خارطة‭ ‬العدوى‭ ‬العالمية‮…‬‭ ‬لكنها‭ ‬استثناءٌ‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬العدوى‭. ‬في‭ ‬المقاهي،‭ ‬وعلى‭ ‬مجموعات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يبدأ‭ ‬تداول‭ ‬‮«‬الخلطات‭ ‬العلاجية‮»‬‭ ‬قبل‭ ‬صدور‭ ‬أي‭ ‬تحليل‭ ‬مخبري‭.‬

تتنوّع‭ ‬التوصيات‭ ‬الشعبية‭:‬‭ ‬من‭ ‬شراب‭ ‬السعال‭ ‬المُفرط‭ ‬إلى‭ ‬حقن‭ ‬المضاد‭ ‬الحيوي‭ ‬‮«‬الاحتياطية‮»‬،‭ ‬دون‭ ‬الالتفات‭ ‬لجرعات‭ ‬السوائل‭ ‬أو‭ ‬الراحة‭ ‬أو‭ ‬التهوية‭. ‬يقول‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬المناوب‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬طب‭ ‬الأطفال‭: ‬الفيروسات‭ ‬الموسمية‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت،‭ ‬معظمها‭ ‬فيروسي‭ ‬مثل‭ ‬الإنفلونزا‭ ‬وRSV‭ ‬والأدينوفيروس،‭ ‬وتنتشر‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المزدحمة‭ ‬والمغلقة‭. ‬والمشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الإصابة‮…‬‭ ‬

بل‭ ‬في‭ ‬العشوائية‭ ‬التي‭ ‬تليها‭. ‬نحن‭ ‬نرى‭ ‬داخل‭ ‬المستشفى‭ ‬مضاعفاتٍ‭ ‬سببها‭ ‬الجفاف،‭ ‬والجرعات‭ ‬الدوائية‭ ‬غير‭ ‬الضرورية،‭ ‬والمضادات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالفيروس‭. ‬من‭ ‬الطوارئ‭.. ‬تُولَدُ‭ ‬القصص‭ ‬صُراخًا‭ ‬بلا‭ ‬ألم‭.. ‬لكنه‭ ‬قلق‭ ‬أمٍ‭ ‬لا‭ ‬ينام‭ ‬ليلة‭ ‬السبت،‭ ‬وصلت‭ ‬الطفلة‭ ‬ريما‭ ‬إلى‭ ‬طوارئ‭ ‬مستشفى‭ ‬الجلاء‭ ‬بطرابلس،‭ ‬تحمل‭ ‬أعراض‭ ‬حرارة‭ ‬39‭.‬2°،‭ ‬احتقان‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الأنف،‭ ‬وقلة‭ ‬شديدة‭ ‬في‭ ‬شرب‭ ‬السوائل‭. ‬لم‭ ‬تبكِ‭ ‬الطفلة‭ ‬كثيرًا‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬أمها‭ ‬كانت‭ ‬تبكي‭ ‬نيابةً‭ ‬عنها‭.‬

تروي‭ ‬أم‭ ‬ريناد‭:‬‭ ‬رقدت‭ ‬من‭ ‬التعب،‭ ‬وكل‭ ‬شوية‭ ‬نصحى‭ ‬نلقاها‭ ‬تكحّ‭. ‬الكحة‭ ‬كانت‭ ‬خفيفة‭ ‬أول‭ ‬يوم،‭ ‬قلت،‭ ‬نزلة‭ ‬بسيطة‭. ‬ثاني‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬تشرب‭ ‬ميه‭ ‬كويس،‭ ‬جربت‭ ‬الشراب‭ ‬عطاهولي‭ ‬الصيدلي،‭ ‬لكن‭ ‬رجّعته‭ ‬كله‭. ‬قلتُ‭ ‬يمكن‭ ‬لازم‭ ‬مضاد‮…‬‭ ‬

جينا‭ ‬للمستشفى‭ ‬بالليل‭ ‬بعد‭ ‬الفحص،‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬الطفلة‭ ‬مصابة‭ ‬بعدوى‭ ‬فيروسية،‭ ‬لكنها‭ ‬بدأت‭ ‬تُظهر‭ ‬علامات‭ ‬جفاف،‭ ‬فتم‭ ‬تزويدها‭ ‬بالسوائل‭ ‬الوريدية،‭ ‬ووضع‭ ‬خطة‭ ‬علاج‭ ‬دون‭ ‬مضادات‭.‬

تقول‭ ‬الممرضة‭ ‬المناوبة‭:‬‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يجونا‭ ‬أطفال‭ ‬نفس‭ ‬السيناريو‭ ‬المشكلة‭ ‬مش‭ ‬في‭ ‬الحرارة‭ ‬بس،‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬مَن‭ ‬خفّض‭ ‬السوائل،‭ ‬ومَن‭ ‬رفعها‭ ‬للمضاد‭ ‬بلا‭ ‬وصفة‭..‬ثلاث‭ ‬ليالٍ‭ ‬على‭ ‬جهاز‭ ‬البخار‭ ‬في‭ ‬جهاز‭ ‬الاستنشاق‭ ‬بغرفة‭ ‬الملاحظة،‭ ‬كان‭ ‬الطفل‭ ‬إلياس‭ ‬‮«‬6‭ ‬أعوام‮»‬‭ ‬يتنفس‭ ‬بخار‭ ‬العلاج‭ ‬بصمتٍ‭ ‬متعب‭. ‬لم‭ ‬يتذمّر‭ ‬كثيرًا،‭ ‬لكن‭ ‬والده‭ ‬لم‭ ‬يغادر‭ ‬منذ‭ ‬ثلاث‭ ‬ليالٍ‭.‬

يقول‭ ‬الأب‭: ‬إلياس‭ ‬‭ ‬ما‭ ‬كانش‭ ‬يمرض‭ ‬هكي‭. ‬رجع‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬يكحّ،‭ ‬ثالث‭ ‬يوم‭ ‬بدت‭ ‬نفسه‭ ‬فيه‭ ‬صفير،‭ ‬قال‭ ‬الدكتور‭ ‬إنه‭ ‬فيروس‭  ‬نازل‭ ‬للشعب‭ ‬الهوائية‭. ‬عطلوله‭ ‬مضاد‭ ‬وعطوه‭ ‬بخار‭ ‬وتهوية‭ ‬وميه‭. ‬الحمد‭ ‬لله،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬خصوصاً‭ ‬لدى‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال،‭ ‬وتستجيب‭ ‬للدعم‭ ‬التنفسي‭ ‬وجهاز‭ ‬البخار‭ ‬والمسكّنات‭ ‬الصحيحة‭ ‬والسوائل،‭ ‬حرارةٌ‭ ‬لا‭ ‬تهدأ‭ ‬لأن‭ ‬المضاد‭ ‬كان‭ ‬خاطئًا‭.‬

الطفل‭ ‬أمير‭ ‬‮«‬8‭ ‬أعوام»حرارته‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬40°،‭ ‬والقصة‭ ‬بدأتْ‭ ‬من‭ ‬مكانٍ‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭:‬

من‭ ‬علبة‭ ‬مضادٍ‭ ‬في‭ ‬المنزل‭.‬

تقول‭ ‬خالته‭:‬‭ ‬أمير‭  ‬بدأ‭ ‬يعطّس،‭ ‬أمه‭ ‬كانت‭ ‬محتفظة‭ ‬بمضاد‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬اللي‭ ‬فاتت‮…‬‭ ‬عطتهوله‭. ‬ثالث‭ ‬يوم‭ ‬الحرارة‭ ‬زادت‭ ‬وما‭ ‬نقصتش،‭ ‬جينا‭ ‬للمستشفى،‭ ‬قال‭ ‬الطبيب‭ ‬إن‭ ‬المضاد‭ ‬غلط‭ ‬عالفيروس،‭ ‬وزيد‭ ‬نقص‭ ‬السوائل،‭ ‬وبدأ‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬جفاف‭ ‬وتعب‭ ‬عام‭. ‬تم‭ ‬إيقاف‭ ‬المضاد،‭ ‬وتم‭ ‬إعطاؤه‭ ‬خافض‭ ‬حرارة‭ ‬وسوائل‭ ‬وفق‭ ‬خطة‭ ‬طبية‭ ‬صحيحة،‭ ‬وتحسّنت‭ ‬حالته‭ ‬خلال‭ ‬48‭ ‬ساعة‭ ‬بعدها‭. ‬يقول‭  ‬الطبيب‭: 

  ‬المضاد‭ ‬الحيوي‭ ‬لا‭ ‬يخفّض‭ ‬حرارة‭ ‬الفيروس،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يربك‭ ‬جهاز‭ ‬المناعة‭ ‬ويُطيل‭ ‬المرض‭. ‬الحرارة‭ ‬تنقص‭ ‬حين‭ ‬نشرب‭ ‬السوائل،‭ ‬ونرتاح،‭ ‬ونتلقى‭ ‬العلاج‭ ‬الصحيح‭.‬‮»‬

ماذا‭ ‬عن‭ ‬المدارس؟

قمنا‭ ‬بزيارة‭ ‬بعض‮ ‬‭ ‬المدارس‭ ‬وخلصنا‭ ‬إلى‭ ‬ملاحظات‭ ‬متكررة‭:‬

صفوف‭ ‬يتراوح‭ ‬عدد‭ ‬الطلاب‭ ‬فيها‭ ‬بين‭ ‬28‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬تلميذًا،‭ ‬بعضها‭ ‬لا‭ ‬تُفتَحُ‭ ‬فيه‭ ‬نوافذ‭ ‬بسبب‭ ‬الضوضاء،‭ ‬أو‭ ‬الغبار‭.‬

نقاط‭ ‬غسل‭ ‬اليدين‭ ‬غير‭ ‬مهيّأة،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬المدارس‭ ‬التي‭ ‬زرناها‭.‬

النقل‭ ‬المدرسي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الازدحام،‭ ‬التكيّف‭ ‬مقفل،‭ ‬والتهوية‭ ‬ضعيفة‭.‬

غياب‭ ‬تثقيف‭ ‬صحي‭ ‬فعّال‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الموسم‭.‬

تقول‭ ‬مسؤولة‭ ‬النشاط‭ ‬المدرسي‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المدارس‭:‬

‮«‬نتمنوا‭ ‬نديروا‭ ‬حملات‭ ‬وقاية،‭ ‬لكن‭ ‬محتاجين‭ ‬دعمًا‭ ‬وتنسيقًا‭ ‬مع‭ ‬مراكز‭ ‬الصحة،‭ ‬ومعقمات،‭ ‬ووسائل‭ ‬توعية‮…»‬‭.‬

الوقاية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬ميزانية‭ ‬كبيرة

رغم‭ ‬كل‭ ‬التحديات،‭ ‬فإن‭ ‬الحلول‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬سلوكيات‭ ‬ممكنة‭:‬

التطعيم‭ ‬الموسمي‭ ‬للإنفلونزا‭ ‬سنويًا‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬أكتوبر‭ ‬أو‭ ‬قبله‭.‬

غسل‭ ‬اليدين‭:‬‭ ‬تعليم‭ ‬الصغار‭ ‬تطبيقها‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭ ‬تقريباً‭ ‬داخل‭ ‬المدرسة‭.‬

تهوية‭ ‬الفصول‭ ‬على‭ ‬فترات‭ ‬منتظمة‭ ‬قصيرة،‭ ‬بدل‭ ‬الإغلاق‭ ‬التام‭.‬

إيقاف‭ ‬الطفل‭ ‬عن‭ ‬الذهاب‭ ‬للمدرسة‭ ‬أثناء‭ ‬العدوى‭ ‬الحادة‭ ‬لحماية‭ ‬زملائه‭ ‬ولضمان‭ ‬راحته‭.‬

العطاس‭ ‬في‭ ‬المرفق‭ ‬أو‭ ‬المنديل‭ ‬وهي‭ ‬عادة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُدرّس‭ ‬كأي‭ ‬درسٍ‭ ‬آخر‭.‬

السوائل‭ ‬أوّلاً‭ ‬عند‭ ‬الإصابة‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬العلاج‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭. ‬المضاد‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬التشخيص‭. ‬

بين‭ ‬أزيز‭ ‬أجهزة‭ ‬البخار‭ ‬وقلق‭ ‬الأمهات،‭ ‬وصمت‭ ‬الأطفال‭ ‬المتعبين،‭ ‬يُدرِكُ‭ ‬الزائر‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬فيروسٍ‭ ‬يزور‭ ‬الشتاء،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ثقافةٍ‭ ‬تؤجل‭ ‬الوقاية‭ ‬وتستعجل‭ ‬العلاج‭ ‬الخاطئ‭.‬

وعندما‭ ‬كنا‭ ‬نغادر‭ ‬المستشفى،‭ ‬قابلنا‭ ‬طفلاً‭ ‬في‭ ‬الممر‭ ‬يرتدي‭ ‬حافظة‭ ‬مدرسته‭ ‬فوق‭ ‬جهاز‭ ‬البخار،‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬لأبيه‭:‬

‮«‬بابا‮…‬‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬بكرة‭ ‬نرجع‭ ‬للمدرسة؟‮»‬‭.‬

كان‭ ‬الأب‭ ‬يبتسم‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬سيعود‮…‬

بل‭ ‬لأنه‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬خطرٍ‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬تجنّبه‭.‬

فليكن‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬مختلفًا،

ولنجعل‭ ‬أصوات‭ ‬أطفالنا‭ ‬تبقى‭ ‬ضحكاتٍ‭ ‬في‭ ‬الملاعب،‭ ‬لا‭ ‬سعالاتٍ‭ ‬على‭ ‬الأسرّة‭.‬

الصحة‭ ‬ليست‭ ‬حظاً‮…‬‭ ‬بل‭ ‬قرارٌ‭ ‬وقائي‭ ‬يُتّخذ‭ ‬قبل‭ ‬العدوى،‭ ‬لا‭ ‬بعدها‭.‬

لنُعِد‭ ‬ترتيب‭ ‬المشهد‮…‬

ولنمنح‭ ‬أطفالنا‭ ‬هواءً‭ ‬أنقى،‭ ‬ووعياً‭ ‬أدفأ،‭ ‬وموسمًا‭ ‬دراسيًا‭ ‬بلا‭ ‬طوارئ‭ ‬ثقيلة‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى