
جداريات الارتباك الاقتصادي في ليبيا
قالوا إنَّ .. الإصلاحات ضرورة.
والنَّاس شهدت أنها صارت عقوبة.
قالوا إنَّ .. تعديل سعر الصرف خطوة شجاعة.
والنَّاس رأتْ الأسعار تقفز قبل أن يجف حبر القرار.
قالوا إنَّ الضرائب تنظيم للسوق.
والناس دفعت ثمن التنظيم من قوت يومها.
المشهد ليس مبالغة شعبية، بل قراءة موجعة لواقع يزداد اختناقًا.
الفجوة لم تعد بين سعرين فقط، بل بين خطابٍ يُعلن، وواقعٍ يُعاش.
بين رقمٍ رسمي يُتلى في المؤتمرات، وسعرٍ فعلي يُكتب على واجهات المحال.
حين يُمنح الدولار لكبار التجار بسعرٍ مدعوم،
ويُترك المواطن يطارده في السوق الموازية،
فإن التضخم لا يصبح احتمالًا… بل نتيجة طبيعية.
وتتحوَّل السياسة النقدية من أداة إنفاذ إلى عبء يومي.
المواطن يقف في طوابير المصارف كما لو كان يستجدي حقًا،
ويطارد أنبوبة الغاز كما لو كانتْ سلعة نادرة في بلدٍ يُصدّر الغاز إلى روما بكل أريحية.
أي مفارقة هذه؟
أن يصل الغاز إلى الضفة الأخرى من المتوسط بسهولة،
ويتعثر في الوصول إلى مطبخ الليبي.
وفي الجنوب المنسي،
تتحوَّل أنبوبة الغاز إلى سلعة فاخرة،
يبلغ سعرها ما يقارب مئة دينار،
وكأن البعد الجغرافي صار ضريبة إضافية على الصبر.
قالوا إن الاقتصاد يتعافى.
والناس تسأل:
كيف يتعافى اقتصادٌ لا يتعافى فيه المواطن؟
قالوا إنَّ الأزمة عالمية.
والناس تعلم أن سوء الإدارة محلي.
ما يحدث ليس إصلاحًا بقدر ما هو إدارة مُكلفة،
تكلفتها الوحيدة تُسجَّل في جيب المواطن.
وكل قرارٍ لا يضع المواطن في مركزه،
هو قرارٌ يوسّع دائرة الخراب ولو حمل اسم الإصلاح.
بعد كل بيان رسمي،
يزداد سؤال الشارع وضوحًا:
هل نحن أمام أزمة موارد..أم أزمة إدارة؟
قالوا كثيرًا.
والناس شهدت أكثر.


