تقارير

الذكاء الاصطناعي وتشويه الأغنية الليبية

عماد قدارة

الأغنية‭ ‬الليبية‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وسوف‭ ‬يتواصل‭ ‬تجذرها؛‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انحسار‭ ‬الإنتاج‭ ‬الغنائي‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬لون‭ ‬واحد،‭ ‬أو‭ ‬لونين‭ ‬من‭ ‬الألوان‭ ‬الغنائية‭ ‬المتنوعة‭ ‬التي‭ ‬تزخر‭ ‬بها‭ ‬ليبيا‭..‬

ويظل‭ ‬الغناءُ‭ ‬فن‭ ‬أصيل‭ ‬معاصر؛‭ ‬نشأ‭ ‬وترعرع‭ ‬فوق‭ ‬هذه‭ ‬الأرض،‭ ‬وتحت‭ ‬سمائها‭ ‬وإن‭ ‬قل‭ ‬نتاجه،‭ ‬وغابت‭ ‬قنوات‭ ‬الإنتاج‭ ‬لدينا‭ ‬مؤخرًا‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الإذاعة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬الليبي،‭ ‬شهدوا‭ ‬فترات‭ ‬تنوع‭ ‬وازدهار‭ ‬الأغنية‭ ‬الليبية،‭ ‬ولسنوات‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنتاج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الغنائية‭ ‬المتنوعة‭ ‬لكل‭ ‬المطربين‭ ‬والملحنين‭ ‬الليبيين‭.‬

كذلك‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬دورات‭ ‬مهرجان‭ ‬الأغنية‭ ‬الليبية،‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬هو‭ ‬أيضاً‭ ‬منجم‭ ‬لإنتاج،‭ ‬واكتشاف‭ ‬الأعمال‭ ‬الغنائية‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬ابداع‭ ‬مطربين،‭ ‬وملحنين‭ ‬وشعراء‭ ‬جدد‭.‬

ومع‭ ‬تطور‭ ‬العالم‭ ‬حولنا‭ ‬وغياب‭ ‬إنتاج‭ ‬الأغنية‭ ‬الليبية؛‭ ‬لاحظنا‭ ‬انتشاراً‭ ‬مختلفاً‭ ‬للأغنية‭ ‬الليبية،‭ ‬عبر‭ ‬وسيلة‭ ‬جديدة‭ ‬وهي‭ ‬المنصة‭ ‬الأشهر‭ ‬الآن‭ ‬الـ‭ )‬توك‭ ‬توك‭( ‬هذه‭ ‬المنصة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬

ما‭ ‬لها‭ ‬وعليها‭ ‬ما‭ ‬عليها‭.‬

وصاحب‭ ‬هذا‭ ‬الانتشار‭ ‬للأغنية‭ ‬الليبية‭ ‬تدخلاً‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‮»‬؛‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الموسيقى‭ ‬‮«‬غناءً‭ ‬وتلحيناً‮»‬‭ ‬لدرجة‭ ‬التأليف‭ ‬الموسيقى‭.. ‬وضبط‭ ‬الإيقاع‭.. ‬والإنتاج‭ ‬الصوتي‭ ‬وغيرها‭. ‬وذلك‭ ‬لعدة‭ ‬أغراض‭ ‬ربما‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تحقيق‭ ‬الأرباح‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬للأسف‭.‬

ما‭ ‬شد‭ ‬انتباهي‭ ‬مؤخراً‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬رائعة‭ ‬الفنان‭ ‬الملحن‭ ‬والمطرب‭ ‬الراحل‭ ‬الجميل‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬حقيق‭ ‬والتي‭ ‬كتبها‭ ‬الشاعر‭ ‬الراحل‭ ‬سليمان‭ ‬الترهوني‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬عليم‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬تعارف‭ ‬عليها

الليبيون‭ )‬اه‭ ‬يا‭ ‬للي‭ ‬تلوموا‭( … ‬والتي‭ ‬اعتبرناها‭ ‬لسنوات‭ ‬هي‭ ‬أغنية‭ ‬ايقاعية‭ ‬ليبية‭ ‬خالصة‭ ‬كلمةً‭ ‬ولحناً‭ ‬وأداءً‭ ‬أنيقاً‭ ‬دافئاً،‭ ‬ورددناها‭ ‬في‭ ‬أعراسنا‭ ‬ومناسباتنا‭ ‬السعيدة‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ )‬زرادينا‭(.‬

للأسف‭ ‬تحولت‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭ ‬إلى‭ ‬مقطع‭ ‬غنائي‭ ‬تكنولوجي‭ ‬باهت‭ ‬للغاية‭ ‬رغم‭ ‬مواكبته‭ ‬لموسيقى‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‭.‬

إنما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الكلمات‭ ‬فقد‭ ‬غير‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬كلماتها‭ ‬وظهرت‭ ‬بغير‭ ‬لهجتها‭ ‬الليبية‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭.. ‬ومع‭ ‬انتشارها‭ ‬السريع‭ ‬عربياً‭ ‬وأصبحت‭ ‬تطل‭ ‬علينا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاركات‭ ‬عربية‭ ‬متنوعة‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬وقفة‭.‬

وهنا‭ ‬أحب‭ ‬ان‭ ‬أقدم‭ ‬التحية‭ ‬لصديقي‭ ‬الفنان‭ ‬الملحن‭ ‬وليد‭ ‬الكور‭ ‬لأنه‭ ‬أعاد‭ ‬انتاج‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬بطريقة‭ ‬تليق‭ ‬بها‭ ‬وتليق‭ ‬بالعصر‭ ‬الحالي‭ ‬أيضاً،‭ ‬وقدمها‭ ‬بصورة‭ ‬ليبية‭ ‬أنيقة‭. ‬كما‭ ‬عرف‭ ‬الجمهور‭ ‬العربي‭ ‬والليبي‭ ‬أيضا‭ ‬بأصحاب‭ ‬الاغنية‭ ‬الأصليين‭ )‬غناء‭ ‬ولحنًا‭ ‬وكلمات‭(.‬

وتجربة‭ ‬إعادة‭ ‬تقديم‭ ‬أغنية‭ ‬‮«‬عليم‭ ‬الله‮»‬‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفنان‭ ‬الملحن‭ ‬والمطرب‭ ‬وليد‭ ‬الكور‭ ‬تظل‭ ‬تجربة‭ ‬فردية‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬اهتمام‭ ‬وليد‭ ‬الكور‭ ‬بموروث‭ ‬عائلته‭ ‬تحديداً‭.‬

فهل‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬ينقذ‭ ‬باقي‭ ‬الأعمال‭ ‬الغنائية‭ ‬الليبية‭ ‬التي‭ ‬شُوهت‭ ‬تكنولوجياً،‭ ‬مثل‭ ‬أغاني‭ ‬‮«‬قد‭ ‬الشوق‮»‬‭ ‬للفنان‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬حسن،‭ ‬و«طيرين‭ ‬في‭ ‬عش‭ ‬الوفاء‮»‬‭ ‬للفنان‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬صدقي،‭ ‬و«القلب‭ ‬ما‭ ‬ينساكم‮»‬‭ ‬للفنان‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬رشيد؟‭.‬

هل‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬يتطوع‭ ‬لإعادة‭ ‬تقديم‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬الليبية‭ ‬الجميلة‭ ‬بطريقة‭ ‬تليق‭ ‬بروادها‭ ‬الأوائل‭.‬؟‭!.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى