
عوضني الصحفي الشاب مهند سليمان بمتابعته الواعية للمحاضرة التي شارك بها الكاتب والمؤرخ حسين المزداوي في مناشط ليالي المدينة القديمة، التي التأمت بشهر رمضان الكريم وتناول فيها المحاكمة التي انتظمت في العام السابع والستين من القرن الماضي واتهم فيها أحد الأطياف السياسية البارزة الذين اشتهروا برفضهم لسياسات دولة الاستقلال والذي بلغ ذروته أثناء حرب يونيو، عندما ضُرِبَت الطائرات في منصاتها عند الفجر وأُلقيت المسؤولية زورا على الوجود العسكري الأجنبي بليبيا عبر جملة وردت في أول خطاب قومي جاء فيه أن الطائرات المُغيرة قد جاءت من الغرب بينما كانت منتظرة من الشرق، مما حدا بالجماهير الغاضبة في طرابلس أن تخرج سريعا تجاه أشهر شوارع طرابلس وتشعل النيران في أشهر متاجرها المملوكة للأجانب، دليلا على اختلال الأمن العام، ذلك الموقف الذي قابله رئيس الحكومة السيد حسين مازق بتقديم استقالته وحاولت القوى الوطنية الاستفادة منه بتأسيس ما أطلقت عليه التجمع الشعبي، عندما تداعى له عديد الوطنيين التقليديين والنقابيين المهنيين والمثقفين العقائديين، أولئك الذين حمّلتهم الجهات الأمنية مسؤولية ما جرى فأوقفت ما رأت ضرورة توقيفه، وعُهِدَ إلى السيد عبد القادر البدري وزير الإسكان وأحد النواب البارزين بتشكيل حكومة جديدة تبنّت المسارعة بمحاكمة من ألقت عليهم أجهزة الأمن مسؤولية ما حصل، أولئك الذين تم سجنهم بموجب قانون السجن السياسي الذي ربما يكون قد طُبِّقَ لأول مرة، وقد ضم ضمن من ضم عديد الناشطين السياسيين المعروفين بميولهم القومية وانتظمت لهم محاكمة علنية أُطلق عليها مصطلح المئة وستة، وهو عدد المتهمين، وقد ضم يومئذ بعض المناضلين العرب أمثال الدكتور حبش وحداد، وقد صدرت الأحكام على المتهمين جميعا، من حضرَ ومن كان غائبا، وطُبق في العقوبة قانون السجن السياسي الذي أتاح للمُدانين الإقامة التي يسرت لهم استقبال جميع من شاءوا من الزوار بمن فيهم بعض صغار ضباط الجيش الذين كان من بينهم عبد المنعم الهوني ومعمر بومنيار، وقد فاتح هذ الأخير النقابي الكبير الدكتور محمود المغربي بمشروعه الرامي للإطاحة بالحكم فقبل المغربي الفكرة وعرضها على السجناء فوافق عليها من وافق وجاهر برفضها السيد مفتاح الشارف المُدان في غير السجن القومي العربي، وهو الموقف الذي تبناه عقب الفاتح 69 وتنفيذه الأمر بالطيران بسماء المدينة عقب سبتمبر مباشرة ونتج عنه على الأرجح رصده من قبل فتحي الديب رجل المخابرات المصري الذي تواصل مع العهد الجديد في الأسبوع الأول كما فصَّلَ في كتابه المعنون «عبد الناصر وثورة ليبيا» الذي صدر في الثمانينيات وبالتحديد عقب الانفراج الذي بدأ بخطوة ما أُطلق عليه هدم السجون لولا ما لحقه من الالتفاف مما يحتاج إلى الكثير من المراجعة، وأختم هذه المقاربة فأُحيي للمزداوي حديثه عن هذا الفصيل الوطني الذي لم يتوقف الجادون فيه عند معارضة العهد الملكي وإنما امتد عند البعض إلى ما بعد سبتمبر ودفع الثمن غاليا انطلاقا دون شك من إيمانهم أن كل شيء يهون في سبيل الأوطان.


