
يحلّ الشهرُ الفضيل على طرابلس القديمة، وتوقظ المدينة ليلها على وقع الكلمة، واللحن، والذاكرة، هنا لا تفصل بين الحاضر والماضي سوى أقواس عتيقة، وأزقة مرصوفة بالحنين، في زخم لافت هذا العام انطلقتْ فعاليات «ليالي المدينة – الموسم الثقافي الرمضاني 2026» .. هذه التظاهرة، التي تتنفس من خلالها المدينة، بتنظيم وإشراف من «منظمة تفاصيل للتنمية والثقافة» وبالتعاون الوثيق مع «جهاز إدارة المدينة القديمة طرابلس»، أعادتْ النبض إلى شرايين فضاءاتها التاريخية؛ فبات «بيت خليفة الزائدي»، و«بيت العز»، و«حوش محسن»، و«حوش محمود بي»، و«حوش الطرابلسي -يوسف باشا القرمانلي» والأزقة والباحات، مسارح مفتوحة ومجالس دافئة، تحاكي في عمارتها أصالة الماضي، وتستقبل في أروقتها قضايا الحاضر وإبداعاته..
النويري في« بيت العز » ومليطان في « حوش محمود »
رواق الشعر والذاكرة..عودة الكبار وتكريم الرواد
في «بيت خليفة الزائدي» الذي ينضح بالعبق الطرابلسي الخاص، كان الموعد مع رواق الشعر، ولم تكنْ تلك الليلة أمسية عادية، إذ صدح الشاعرُ مفتاح العماري، والشاعرة سميرة البوزيدي في أمسية لطالما انتظرها عشاق الشعر، أدارتها الكاتبة سالمة المدني، لتؤكد أن المدينة العتيقة لا تزال الملاذ الآمن للكلمة المعاصرة، وعودة الشاعر مفتاح العماري، أحد الرواد الكبار للقصيدة الليبية الحديثة، والأب الروحي للقصيدة النثرية الليبية، إلى المشهد الثقافي الليبي ليس بالخبر العابر، وآلق الشاعرة سميرة البوزيدي كان بمستوى الحدث والحضور.
وشهد الرواق ذاته، استضافة الشاعر فرج العربي، أحد رموز الشعر الليبي الحديث، الذي كسر بحضوره المهيب عزلته التي استمرتْ قرابة ربع قرن؛ ليطل من جديد على المنابر الثقافية، في أمسية راقية قدمها الشاعر خالد درويش، شهدتْ استعراض مسيرته الإبداعية وتوقيع ديوانه الأحدث )أنا وعطرها(، في لحظة امتزج فيها الحنين بحبر القصيدة.
ولأنَّ الوفاء شيمة الثقافة، تحوَّل«حوش محمود بي» التاريخي إلى منصة للاعتراف بالفضل؛ حيث احتضن المكان حوارية وفاء لتكريم مسيرة الصحافة الليبية، مستحضرًا دورها الطليعي في توثيق الذاكرة وصناعة الوعي، وذلك من خلال استضافة الصحفي زكرياء العنقودي، والمخرج الصحفي الطاهر أبوظهير بإدارة الصحفية فايزة العجيلي .
وفي الفضاء ذاته، أقيمتْ أمسية تكريمية استثنائية للدكتور عبد الله مليطان، أدارها الكاتب عمر عبود، تقديرًا لعطاء ثقافي وفكري امتد لسنوات طوال.
وفي دار «خليفة الزايدي»، أخذنا الكاتب الكبير منصور بوشناف في رحلة عبر الزمن من خلال حواريته «زويلة: سيرة مدينة إسلامية»، غاص خلالها الحضور في الملامح العمرانية والثقافية لمدينة تختزن ذاكرة الحضارة الإسلامية العريقة.
حوار الثقافات والموسيقى .. من طرابلس إلى جاكرتا
لم تتقوقع «ليالي المدينة» في محليتها، إذ فتحتْ أبوابها للعالم. ففي «بيت العز»، كان الجمهور على موعد مع ليلة إندونيسية خالصة، امتزجتْ فيها روح رمضان بانفتاح الثقافات، لتعريف الجمهور، بتراث وفنون هذا البلد الآسيوي.
وفي البيت ذاته، أبحر الحضور في التراث المحلي عبر لقاء لا يخلو من التشويق مع الشاعر والباحث أحمد النويري، بتنسيق وتقديم الأستاذ خالد درويش .. أما في «حوش الطرابلسي، حوش يوسف باشا القرمانلي»، فكانتْ الأجواء تعود بذاكرة السامعين إلى عهود السراي الحمراء؛ حيث صدحت فرقة «نغم السراي» بأصالة المالوف والموشحات، تخللها حوار فني وعميق مع الشيخ عبد الله مادي، في ليلة تمايلتْ فيها القلوب قبل الأجساد. وضمن ذات التنوع البصري والفني، استمتع زوار المدينة بعروض مسرح خيال الظل «القراقوز» بالتعاون مع وكالة «تيكا» التركية، في استحضار لفنون التسلية التاريخية.
الوعي المجتمعي وحماية التراث.. نقاشات تحت القباب العتيقة
الثقافة في «ليالي طرابلس» هي أكثر ترفًا تتجلى في اشتباك مع قضايا المجتمع. في «حوش محسن»، طُرحت قضية الإعلام الجديد من خلال جلسة «المحتوى الهادف ضرورة مجتمعية»، أدارها أحمد مفتاح حمزة، بمشاركة منصة «هادف».
وفي الحوش العتيق ذاته، ارتفع صوت الخبراء في حواريتين معماريتين؛ الأولى حول الحفاظ على التراث العمراني للمنطقة التاريخية، بتنظيم جهاز إدارة المدن التاريخية، والثانية دراسة متخصصة لمشروع ترميم وإعادة تأهيل مبنى صندوق الضمان الاجتماعي، لتأكيد أهمية صون الهوية البصرية للعاصمة.
الجانب الإنساني كان حاضرًا بقوة في «حوش محمود بي»؛ حيث قدمتْ دعاء الوافي وعبد الرؤوف عمار ورشة عمل استثنائية بعنوان «لغة الإشارة: هوية ثقافية وجسر إنساني». ولم تغفل الفعاليات حماية الأسرة، إذ نُظمتْ ندوة توعوية بالغة الأهمية حول الكشف المبكر لتعاطي المخدرات لدى الأطفال، والآثار النفسية المدمرة للألعاب الإلكترونية، مسلطة الضوء على دور الأسرة كخط دفاع أول.
روحانية الشهر..واقتصاديات الثقافة
بموازاةٍ هذا الحراك الفكري والفني، لم تغفل «ليالي المدينة» روحانية رمضان؛ حيث انطلقت المسابقة القرآنية – الشيخ مختار حورية لحفظ القرآن الكريم في دورتها الرابعة، في تنافس ملائكي ينسجم مع الأجواء الإيمانية. كل هذا وسط نشاط اقتصادي واجتماعي مصاحب، من أسواق الصناعات التقليدية، ودعم المشروعات الصغرى، ومعارض النشر والمكتبات، وفضاءات النشاطات العائلية.
«ليالي المدينة» هذا العام، قصة مدينة قررتْ أن تكتب تاريخها من جديد بأيدي أبنائها، وأن تجعل من كل «حوش»، و«بيت» في طرابلس القديمة، منارة للوعي، وحاضنة للإبداع الإنساني والتاريخي العابر للأجيال.
عودة الشاعر «مفتاح العماري»
ليست بالخبــــــر العابر



