بين نصـــــوص القانــــــون وواقع التطبيق:هل العدالــة واحدة للـجميــع في ليبيـا

في ظل الظروف التي تعيشها بلادنا، والتحديات التي تواجهها منظومة العدالة.. تطرح العديد من الأسئلة، منها تساؤل حول مدى تطبيق القوانين بشكل عادل ومتساوٍ بين جميع أفراد المجتمع، دون تمييز بين مواطن عادي، وآخر مسؤول أو عنده (كتف).. ويُعد مبدأ سيادة القانون أساس بناء الدولة الحديثة، حيث يفترض أن يخضع الجميع لنفس القواعد القانونية دون استثناء ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الاستطلاع لرصد آراء مختصين في مجال القانون، من أكاديميين، وطلاب، ومهتمين وناشطين مدنيين، ومسؤولين في ساحة العدالة والقضاء.. حول واقع تطبيق القوانين في بلادنا.. أو بالأحرى (ليش الناس مش سواء قدام القانون؟ ومزبوط الناس «خيار وفقوس» في المحاكمات؟ وعلاش الناس تشكي من القضــــاء ...
ليش الناس مش سواء قدام القانون؟
ومزبوط فيه«خيار وفقوس»
في المحـــــــــــاكـــــــــم ؟
وعلاش الشكوى من القضــــــــاء ؟
د. نبيل عرعارة – رئيس نيابة ومدير إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية بمكتب المدعي العام العسكري، قال: القاعدة القانونية تستند إلى العمومية، والتجريد، وتُطبَّق على الجميع دون استثناء.
وأوضح أن القانون يطبق بحق كلّ مَنْ ارتكب مخالفة قانونية، أو يخرج عن أحكامه مهما كان، مؤكدًا اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق مرتكبي الجرائم الإلكترونية متى قُدّمتْ شكوى في ذلك.
وشدّد د. عرعارة في السياق ذاته على أهمية التوعية بمخاطر الجرائم الإلكترونية وأساليبها الحديثة وسُبل الوقاية منها قانونيًا ومجتمعيًا.
لافتًا إلى أن كل ما هو رقمي غير آمنٍ، ويظل عرضة للمخاطر ما لم تُتخذ إجراءات حماية كافية، لا سيما البيانات الشخصية التي قد تُستغل في الابتزاز.
من جانبه يوضح د. وليد دردور أن فاعلية القانون ترتبط بالبيئة السياسية والمؤسسية.
مشيرًا إلى أن الانقسام السياسي، وغياب الدستور، وتفتت مؤسسات الدولة وانتشار السلاح تمثل أبرز العوائق أمام التطبيق العادل. كما يشير إلى تحديات أخرى مثل : قدمَ بعض التشريعات وضعف تأهيل الكوادر، وغياب الشفافية، وتأخر اللوائح التنفيذية ما يؤدي إلى تعطيل النصوص القانونية.
أما د. حمزة مفتاح فيؤكد أن القانون يقوم على مبدأ المساواة المجردة، لكنه قد يعجز أحيانًا عن تحقيق العدالة الكاملة بسبب اختلاف الظروف.
ويرى أن عدالة القانون لا تتحقَّق بالنصوص فقط، بل ببيئة التطبيق، وعلى رأسها استقلال القضاء.
محذّرًا من التدخلات السياسية وما قد تسببه من أزمات تمس سيادة القانون وثقة المجتمع في العدالة.
من جهته يرى المحامي عثمان محمد: أن تطبيق القوانين بالشكل الذي يرسخ العدالة وقواعدها هو أمل يراود الجميع، وإن الوصول إلى ذلك يتطلب عزمًا وجدية ومتابعة، تبدأ من مأموري الضبط، مرورًا بأعضاء النيابة العامة والهيئات القضائية، وصولًا إلى الجهات المختصة بتنفيذ الأحكام القضائية. ويظل الأمل قائمًا في تطبيق القوانين على الجميع دون استثناء.
أما د. مختار القدافي عضو هيئة التدريس بكلية القانون، يؤكد قائلاً: أن تحقيق العدالة في ليبيا لا يزال يواجه تحديات متعددة، أبرزها بطء الإجراءات القضائية وتأثير الظروف السياسية والاجتماعية على سير العدالة. وأوضح أن فكرة تنظيم مسابقة محكمة صورية لطلاب كلية القانون مع قرب تخرجهم، تحاكي أدوار المحاماة والنيابة، جاءت على هامش معرض النيابة العامة للكتاب، وتهدف إلى تدريب الطلبة عمليًا، وربطهم بواقع العمل القضائي، وتعزيز فهمهم لحقوق الدفاع وأهمية تسريع وتيرة الفصل في القضايا. وأشار إلى أن العدالة في ليبيا تُعد نسبية؛ إذ يحكمها جانب إجرائي يتم الالتزام به، وآخر موضوعي يعتمد على قناعة القاضي، مما يؤدي أحيانًا إلى تباين الأحكام.
كما لفت إلى أن القاضي يتأثر بالبيئة الاجتماعية المحيطة، وهو ما قد ينعكس على أدائه. وبيّن أن من أبرز الإشكاليات استمرار قضايا لسنوات طويلة، مؤكدًا أن «العدالة المتأخرة تُعد ظلمًا»، خاصة في قضايا الإرث التي تعاني فيها المرأة من ضغوط قانونية واجتماعية، في ظل ضعف تفعيل بعض القوانين ووجود فراغ تشريعي.
وأضاف د. القذافي أن هناك حاجة ملحّة لإصلاح المنظومة القضائية، وتحديث التشريعات بما يتماشى مع الواقع، إلى جانب تفعيل القوانين المتعلقة بحماية حقوق المرأة، وتسريع إجراءات التقاضي لضمان وصول الحقوق إلى أصحابها في الوقت المناسب. وختم «د. القذافي» مؤكداً على أهمية تمكين المتقاضين من الاستفادة من درجات التقاضي المختلفة.
مشددًا على أن تحقيق العدالة يُعد الركيزة الأساسية لبناء الدولة وترسيخ الاستقرار.
وتشدد أ. هبة عبد الله رئيس المؤسسة الوطنية لتوعيه وتمكين وتأهيل ذوي الإعاقة: مبدأ سيادة القانون يقتضي تطبيق القوانين بعدالة على الجميع دون استثناء، سواء أكان مسؤولًا أم مواطنًا.
وأوضحت أن الواقع قد يواجه في بعض الأحيان تحديات تؤثر على مستوى التطبيق، مثل ضعف الرقابة أو تفاوت آليات التنفيذ أو بعض الممارسات الفردية. وأضافت أن الهدف المشترك يبقى تعزيز مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون، والعمل على تطوير المؤسسات وترسيخ الشفافية والمساءلة، بما يضمن أن يكون القانون المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون تمييز.
وشددت أ.هبة على أن تحقيق العدالة ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو تكامل بين مؤسسات الدولة ووعي المجتمع وهو مسار مستمر يتطلب إرادة حقيقية وإصلاحًا دائمًا وأن سيادة القانون هي أساس استقرار الدولة ورغم التحديات التي قد تؤثر على مستوى التنفيذ فإنها يجب أن تكون دافعًا للإصلاح لا مبررًا للتقصير فالعدالة الحقيقية تقتضي مؤسسات قوية وشفافة تضمن خضوع الجميع للقانون دون تمييز.
وترى تسنيم الفيتوري طالبة بكلية القانون، أن تقييم مدى عدالة تطبيق القانون في ليبيا يظل مسألة نسبية، تتأرجح بين النصوص القانونية التي تُكرّس مبدأ المساواة، والواقع العملي الذي لا يزال بحاجة إلى مزيد من الإصلاح المؤسسي، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة بشكل أكثر فاعلية وشفافية. وأن تحقيق العدالة في تطبيق القانون على الجميع، سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين، يتطلب استقرارًا سياسيًا ومؤسسيًا، وإرادة حقيقية لترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، بما يضمن الانتقال من مرحلة التحديات إلى مرحلة ترسيخ دولة القانون والمؤسسات. وأشارت تسنيم إلى أن ليبيا تعاني من حالة انقسام سياسي، وتعدد في مراكز السلطة وهو ما يؤثر بشكل مباشر على وحدة تطبيق القانون.
كما أن غياب إطار دستوري واضح ومستقر ينظم العلاقة بين السلطات ويحدد آليات الرقابة، يضعف من مبدأ سيادة القانون ويؤدي إلى تفاوت في التطبيق.
واختتمت تسنيم بالتأكيد على أن تحقيق العدالة في تطبيق القوانين يتطلب بالأساس استقرارًا سياسيًا وتوحيدًا للمؤسسات، إضافة إلى وجود دستور فعّال يضمن المساواة أمام القانون.
أما رواسي مصطفى بركة طالبة بكلية القانون، فتؤكد أنه من حيث المبدأ يقوم النظام القانوني على مبدأ المساواة أمام القانون، وهو مبدأ مستقر في الفقه الدستوري وفي مختلف النظم الحديثة، حيث يُفترض أن يخضع له كلٌّ من المواطن والمسؤول دون تمييز.
غير أن التطبيق العملي في الحالة الليبية يواجه تحديات معقدة، ترتبط بظروف سياسية وأمنية ومؤسسية مرّت بها البلاد خلال السنوات الماضية، ويمكن القول إن هناك تفاوتًا نسبيًا في تطبيق القانون يعود إلى عدة أسباب من أبرزها ضعف بعض مؤسسات إنفاذ القانون وغياب الاستقرار. كما أن محدودية الإمكانيات، أحيانًا، قد تؤثر في سرعة الإجراءات أو فعاليتها، وهو ما قد يُفسَّر من قبل الرأي العام على أنه عدم مساواة في التطبيق، وتشير «رواسي « أنه لا يمكن إغفال الجهود المبذولة من قبل السلطة القضائية، وبعض الأجهزة الرقابية في سبيل تكريس مبدأ سيادة القانون حيث شهدت بعض القضايا تحريك إجراءات قانونية طالت مسؤولين وموظفين عموميين، وهو ما يُعد مؤشرًا على وجود إرادة، ولو بدرجات متفاوتة لتعزيز مبدأ المساءلة.
في حين تقول هاجر منصور حامد طالبة بالسنة الثانية، كلية القانون – جامعة طرابلس: مبدأ تطبيق القوانين بعدالة على الجميع لا يتحقق في الواقع بشكل كامل، مشيرةً إلى وجود فجوة واضحة بين المواطن العادي والمسؤول. فالمواطن يعاني من ضعف الدخل وصعوبة تأمين احتياجاته الأساسية، في حين يتمتع بعض المسؤولين بامتيازات مادية ومعيشية كبيرة. موضحة أن هذه الفجوة تنعكس أيضًا في تطبيق القانون.
كما أشارت هاجر إلى أن بطء الإجراءات القضائية، خاصة في قضايا الإرث، يفاقم معاناة الفئات الضعيفة، وعلى رأسها النساء، في ظل ضعف تفعيل بعض القوانين وغياب الردع الكافي. وترى أن انتشار الفوضى وغياب الأمن يرتبطان بعدة عوامل من بينها عدم المساواة في تطبيق القانون وانتشار السلاح، مؤكدةً أن تحقيق العدالة يتطلب إصلاح المنظومة القضائية وتسريع الفصل في القضايا وضمان المساواة أمام القانون.
واختتمت هاجر بقولها: «فويلٌ لقاضي الأرض من قاضي السماء إن غاب العدل.
عدد من طلاب كلية القانون فضلوا عدم ذكر أسمائهم، واتفقوا على رأي مشترك، مفاده
أن المشكلة ليست في القانون نفسه؛ بل في الجهات المنفذة له. فالقوانين موجودة؛ لكن غياب الرقابة الفعالة وضعف المساءلة، يؤديان إلى ازدواجية في التطبيق. وتحقيق العدالة يتطلب استقلال القضاء وتفعيل الأجهزة الرقابية بشكل حقيقي.
وتقول أ.صفاء سليمان الناشطة في المجتمع المدني:
أن تطبيق القانون في الواقع لا يعكس دائمًا مبدأ المساواة بين المواطنين، إذ تظهر تفاوتات واضحة في التنفيذ داخل مؤسسات الدولة.
وأن بعض المخالفات تُطبَّق فيها القوانين بصرامة على المواطن العادي، بينما قد يتساهل فيها مع مسؤولين أو ذوي نفوذ في مواقف مشابهة سواء في مخالفات المرور أو داخل المؤسسات التعليمية والإدارية.
كما تشير أ.صفاء إلى وجود ملاحظات في بعض المؤسسات العامة حول منح الترقيات والتكريميات والبعثات الخارجية، حيث يُعتقد أنها لا تعتمد دائمًا على الكفاءة؛ بل تتأثر بالواسطة والعلاقات الشخصية أو القبلية؛ إضافة إلى حالات يُكافأ فيها غير المستحق، ويُحاسَب فيها الموظف المجتهد على أخطاء بسيطة. وتلفت كذلك إلى إشكاليات في أنظمة الحضور والانصراف «البصمة»؛ حيث يُقال إن بعض الموظفين يتمكنون من التحايل عليها بينما يُطبَّق النظام بصرامة على آخرين. وفي السياق ذاته يشدد الناشط المدني الحسين المرادي على أن العدالة لا تتحقق إلا بتجريد القانون من الأشخاص وتطبيقه على الجميع دون استثناء. ويدعو إلى تعزيز استقلال القضاء وتفعيل الرقابة، واعتماد الشفافية، ومكافحة الفساد وربط الترقية بالكفاءة مع استخدام الأنظمة الإلكترونية للحد من التدخل البشري، مؤكدًا أن المساواة لا تتحقق إلا بتطبيق فعلي وعادل للقانون على الجميع دون تمييز.
مواطن فضل عدم ذكر أسمه، قال:
المواطن العادي غالباً ما يُحاسَب بشكل أسرع وأكثر صرامة؛ بينما قد يتمتع بعض أبناء المسؤولين عندما يرتكبون مخالفة قانونية ما بنوع من الحماية أو التأخير في العقاب.
وأرجع ذلك إلى تأثير النفوذ والعلاقات.
ازدواجية المعايير:
لماذا يُحاسَب البعـــــــض ويُستثنى آخرون؟
تطبيق القوانين يتطلب استقراراً سياسياً ومؤسسات موحدة
«فويــــــــلٌ لقاضي الأرض
من قاضي السمـــــــــاء إن غاب العــــــــــدل»

