صحة

التأمين الطبي بين صرامة القانون .. وحماية الأرواح المادة 113 خــط أحمر أمام الدخلاء على مهنة الطب

هدي الميلودي

تفعيلاً‭ ‬للمادة‭ )‬113‭( ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الصحي،‭ ‬بدأتْ‭ ‬هيئة‭ ‬التأمين‭ ‬الطبي‭ ‬خطوات‭ ‬حازمة‭ ‬لحظر‭ ‬ممارسة‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬طبي‭ ‬لغير‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬مؤهلات‭ ‬معتمدة‭. ‬حراك‭ ‬تشريعي‭ ‬وضع‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭. ‬فبينما‭ ‬يراه‭ ‬الأطباءُ‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬لوقف‭ ‬نزيف‭ ‬الأخطاء‭ ‬الطبية،‭ ‬تصفه‭ ‬الكوادر‭ ‬المساعدة‭ ‬بـ‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يعيق‭ ‬انسيابية‭ ‬العمل‭ ‬ويقصي‭ ‬خبرات‭ ‬تخصصية‭ ‬دقيقة‭.‬

  ‬د‭. ‬ملاك‭ ‬خليفة‭ ‬نصر‭ -‬جراحة‭ ‬عامة‭-  أن‭ ‬العلم‭ ‬الأكاديمي‭ ‬هو‭ ‬المقياس‭ ‬الوحيد‭ ‬للممارسة‭. ‬وتقول‭: ‬الطب‭ ‬فهم‭ ‬دقيق‭ ‬لفسيولوجيا‭ ‬الجسم‭ ‬وكيمياء‭ ‬الدواء،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬خبرة‭ ‬مكتسبة‭ ‬بالنظر‭. ‬أي‭ ‬تساهل‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬غير‭ ‬المختصين‭ ‬حق‭ ‬التشخيص‭ ‬هو‭ ‬دعوة‭ ‬صريحة‭ ‬للكوارث‭. ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬حقبة‭ ‬الدبلومات‭ ‬الوهمية‭ ‬والالتزام‭ ‬بالتصنيف‭ ‬العالمي‭ ‬لإعادة‭ ‬الهيبة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬الطبية‭.‬

ويرى‭ ‬أ‭. ‬فرج‭ ‬غيث‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬هو‭ ‬الدرع‭ ‬الواقي‭ ‬للمريض‭ ‬من‭ ‬الدجالين‭ ‬ومدعي‭ ‬المعرفة،‭ ‬محذرًا‭ ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬غير‭ ‬مرخصة‭ ‬تجري‭ ‬عمليات‭ ‬صغرى‭ ‬ترفع‭ ‬من‭ ‬تكلفة‭ ‬الخطأ‭ ‬الطبي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إصلاحه‭.‬

أما‭ ‬أ‭.‬البهلول‭ ‬محمد‭ ‬عرفة،‭ ‬فيصف‭ ‬الشهادة‭ ‬الجامعية‭ ‬بأنها‭ ‬رخصة‭ ‬أخلاقية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قانونية،‭ ‬مطالبًا‭ ‬بتكثيف‭ ‬الرقابة‭ ‬لقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أسماها‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬دكاكين‭ ‬التغذية‭ ‬ومراكز‭ ‬الأعشاب‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتاجر‭ ‬بأوجاع‭ ‬البشر‭.‬

أ‭.‬علي‭ ‬العريفي‭ -‬باحث‭ ‬تحاليل‭ ‬طبية‭ ‬القانون‭ ‬لحماية‭ ‬الأرواح،‭  ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬ثغرة‭ ‬جوهرية‭: ‬‮«‬القانون‭ ‬يحمي‭ ‬الطبيب‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬الخطأ،‭ ‬تاركاً‭ ‬الفئات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح‮»‬‭.‬

ويرى‭ ‬العريفي‭ ‬أن‭ ‬تجاوز‭ ‬التخصصات‭ ‬يضر‭ ‬بالمريض،‭ ‬لكن‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬عنصر‭ ‬‮«‬ممرض‭ ‬أو‭ ‬فني‮»‬‭ ‬يسبب‭ ‬خللاً‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬كاملة‭.‬

أما‭ ‬د‭.‬علي‭ ‬محمد‭ ‬بشة‭ ‬مدرب‭ ‬بنقابة‭ ‬المختبرات‭ ‬كان‭ ‬نقداً‭ ‬حاداً‭ ‬للنص‭ ‬،‭ ‬واصفاً‭ ‬إياه‭ ‬بـ‭ ‬المضيّق‭ ‬على‭ ‬العناصر‭ ‬المساندة‭. ‬ويطالب‭ ‬بقانون‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬يخلق‭ ‬توازناً‭ ‬بين‭ ‬الطبيب‭ ‬والمعالج،‭ ‬قائلاً‭: ‬يجب‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬التشخيص‭ ‬الطبي‭ ‬وبين‭ ‬الخدمات‭ ‬المساعدة‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬مختصون‭ ‬مرخصون‭ ‬وليسوا‭ ‬دخلاء‭.‬

فجوة‭ ‬الواقع‭ ‬والتخصصات‭ ‬الدقيقة

تقوي‭ ‬السني‭ ‬التناقض‭ ‬في‭ ‬حظر‭ ‬ممارسة‭ ‬المهنة‭ ‬على‭ ‬فنيي‭ ‬البصريات،‭ ‬وخريجي‭ ‬الكليات‭ ‬التقنية،‭ ‬وهم‭ ‬الأكثر‭ ‬تخصصًا‭ ‬في‭ ‬مجالهم‭. ‬وتعد‭ ‬أن‭ ‬حصر‭ ‬كل‭ ‬الصلاحيات‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الطبيب‭ ‬الجراح‭ ‬يخلق‭ ‬تكدسًا‭ ‬يعطل‭ ‬مصالح‭ ‬المواطنين‭.‬وأن‭ ‬القانون‭ ‬يبدو‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬جزئيات‭ ‬الطب‭ ‬التكميلي‭ ‬والإسعافات‭ ‬الأولية‭:‬‭ ‬كيف‭ ‬نعد‭ ‬النصيحة‭ ‬بقرص‭ ‬مسكن‭ ‬خرقًا‭ ‬للقانون؟‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬لتشريعات‭ ‬تواكب‭ ‬العصر‭ ‬وتحدد‭ ‬المسؤوليات‭ ‬بدقة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المنع‭ ‬المطلق‭.‬

ختامًا‭ : ‬

‭ ‬يظل‭ ‬السؤال‭ ‬معلقًا‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصحية‭ ‬حول‭ ‬الموازنة‭ ‬الصعبة‭ ‬بين‭ ‬صرامة‭ ‬النص‭ ‬ومرونة‭ ‬الواقع،‭ ‬فبينما‭ ‬يرى‭ ‬المتمسكون‭ ‬بالمادة‭  )‬113‭( ‬أنها‭ ‬الحصن‭ ‬الأخير‭ ‬لحماية‭ ‬جسد‭ ‬المريض‭ ‬من‭ ‬العبث،‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬الجمود‭ ‬التشريعي‭ ‬قد‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬عائق‭ ‬يعطل‭ ‬تروس‭ ‬المنظومة‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬على‭ ‬التكامل‭ ‬لا‭ ‬الإقصاء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬صُناع‭ ‬القرار‭ ‬أمام‭ ‬استحقاق‭ ‬تاريخي‭ ‬لإعادة‭ ‬‮«‬هندسة‭ ‬الأدوار‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬ثورة‭ ‬تشريعية‭ ‬تواكب‭ ‬التحولات‭ ‬الطبية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وتمنح‭ ‬الكوادر‭ ‬المساعدة‭ ‬مساحة‭ ‬قانونية‭ ‬آمنة‭ ‬تعمل‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬رقابية‭ ‬دقيقة‭ ‬تنهي‭ ‬حالة‭ ‬التداخل‭ ‬والارتباك،‭ ‬وبذلك‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬القانون‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬للعقاب‭ ‬أو‭ ‬الحظر،‭ ‬بل‭ ‬إطاراً‭ ‬تنظيمياً‭ ‬يضمن‭ ‬انسيابية‭ ‬العمل‭ ‬ويحفظ‭ ‬لكل‭ ‬ذي‭ ‬حق‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬تخصصه،‭ ‬ففي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬تظل‭ ‬حياة‭ ‬المريض‭ ‬هي‭ ‬البوصلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬والغاية‭ ‬الأسمى‭ ‬التي‭ ‬تلتقي‭ ‬عندها‭ ‬الحزم‭ ‬التشريعي‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬المهنية،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬صراعات‭ ‬الصلاحيات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجدي‭ ‬نفعاً‭ ‬أمام‭ ‬قدسية‭ ‬الروح‭ ‬البشرية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى