
ما شهدته مدينة ترهونة عقب مباراة الاتحاد والسويحلي لم يكن مجرد شغب رياضي عابر، بل مؤشر خطير على هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي، وعلى حجم الاحتقان الذي يمكن أن ينتقل في لحظات من مدرجات الملاعب إلى شوارع المدن، ومؤسسات الدولة.
فالمباراة التي توقفت بسبب احتجاجات على عدم احتساب ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة، وما تبعها من اقتحام لأرضية الملعب، ومحاولات الاعتداء على الحكم ولاعبي الفريق المنافس، سرعان ما تحوَّلتْ إلى مواجهات مع القوات المكلفة بحماية المباراة، ما أدى إلى مقتل أحد الجنود، وإصابة عدد من عناصر الأمن والجماهير. ولم تتوقف الفوضى عند حدود الملعب، بل امتدتْ لاحقًا إلى العاصمة طرابلس؛ حيث تعرضتْ تمركزات وآليات تابعة إلى اللواء )444( للاعتداء، قبل أن تصل الأحداث إلى محيط رئاسة الوزراء؛ حيث أُضرمت النيران في أجزاء من المبنى.
هذه الوقائع تؤكد أن الأزمة تجاوزتْ حدود كرة القدم لتتحوّل إلى حالة من الانفلات والتحريض والتوظيف السياسي للغضب الجماهيري. فمنذ الساعات الأولى ظهرتْ دعوات التعبئة والحشد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أن الدوري يُقام دون حضور جماهيري، ما يكشف أن بعض الأطراف تعاملتْ مع الحدث باعتباره فرصة للضغط وتحقيق مكاسب رياضية، أو سياسية.
كما أظهرتْ الأحداث حجم المأزق الذي تواجهه الأجهزة الأمنية، فهي تجد نفسها بين خيارين كلاهما صعب: استخدام الحزم وما قد يترتب عليه من إصابات، أو التردد وترك المجال للفوضى والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.
إن الرياضة يفترض أن تكون مساحة للتنافس وبناء الروح الوطنية، لا ذريعة للفوضى والتخريب. ولذلك فإن التعامل الحازم مع المحرضين، وفرض عقوبات صارمة على مثيري الشغب، وإعادة تنظيم المسابقات الرياضية بما يراعي الأوضاع الأمنية، أصبح ضرورة لتجنب تكرار مشاهد قد تكون أكثر خطورة في المستقبل.



