رأي

حين تتحوّل الرياضة إلى بوابة للفوضى

عبد العظيم الأزرق

ما‭ ‬شهدته‭ ‬مدينة‭ ‬ترهونة‭ ‬عقب‭ ‬مباراة‭ ‬الاتحاد‭ ‬والسويحلي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬شغب‭ ‬رياضي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬مؤشر‭ ‬خطير‭ ‬على‭ ‬هشاشة‭ ‬الوضع‭ ‬الأمني‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وعلى‭ ‬حجم‭ ‬الاحتقان‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬مدرجات‭ ‬الملاعب‭ ‬إلى‭ ‬شوارع‭ ‬المدن،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬

فالمباراة‭ ‬التي‭ ‬توقفت‭ ‬بسبب‭ ‬احتجاجات‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬احتساب‭ ‬ركلة‭ ‬جزاء‭ ‬في‭ ‬الدقائق‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬اقتحام‭ ‬لأرضية‭ ‬الملعب،‭ ‬ومحاولات‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬ولاعبي‭ ‬الفريق‭ ‬المنافس،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحوَّلتْ‭ ‬إلى‭ ‬مواجهات‭ ‬مع‭ ‬القوات‭ ‬المكلفة‭ ‬بحماية‭ ‬المباراة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬مقتل‭ ‬أحد‭ ‬الجنود،‭ ‬وإصابة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬الأمن‭ ‬والجماهير‭. ‬ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬الفوضى‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الملعب،‭ ‬بل‭ ‬امتدتْ‭ ‬لاحقًا‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس؛‭ ‬حيث‭ ‬تعرضتْ‭ ‬تمركزات‭ ‬وآليات‭ ‬تابعة‭ ‬إلى‭ ‬اللواء‭ )‬444‭( ‬للاعتداء،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الأحداث‭ ‬إلى‭ ‬محيط‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء؛‭ ‬حيث‭ ‬أُضرمت‭ ‬النيران‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬المبنى‭.‬

هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬تجاوزتْ‭ ‬حدود‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬لتتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانفلات‭ ‬والتحريض‭ ‬والتوظيف‭ ‬السياسي‭ ‬للغضب‭ ‬الجماهيري‭. ‬فمنذ‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬ظهرتْ‭ ‬دعوات‭ ‬التعبئة‭ ‬والحشد‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الدوري‭ ‬يُقام‭ ‬دون‭ ‬حضور‭ ‬جماهيري،‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬تعاملتْ‭ ‬مع‭ ‬الحدث‭ ‬باعتباره‭ ‬فرصة‭ ‬للضغط‭ ‬وتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬رياضية،‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭.‬

كما‭ ‬أظهرتْ‭ ‬الأحداث‭ ‬حجم‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬تواجهه‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية،‭ ‬فهي‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬بين‭ ‬خيارين‭ ‬كلاهما‭ ‬صعب‭: ‬استخدام‭ ‬الحزم‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬إصابات،‭ ‬أو‭ ‬التردد‭ ‬وترك‭ ‬المجال‭ ‬للفوضى‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة‭.‬

إن‭ ‬الرياضة‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مساحة‭ ‬للتنافس‭ ‬وبناء‭ ‬الروح‭ ‬الوطنية،‭ ‬لا‭ ‬ذريعة‭ ‬للفوضى‭ ‬والتخريب‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬التعامل‭ ‬الحازم‭ ‬مع‭ ‬المحرضين،‭ ‬وفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬مثيري‭ ‬الشغب،‭ ‬وإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬المسابقات‭ ‬الرياضية‭ ‬بما‭ ‬يراعي‭ ‬الأوضاع‭ ‬الأمنية،‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورة‭ ‬لتجنب‭ ‬تكرار‭ ‬مشاهد‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى