
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والأساطيل العسكرية، بل بدأت تتشكل بصمت حول مورد أخطر من النفط وأكثر حساسية من الحدود… الماء وفي عالم يزداد اضطرابًا بفعل التغير المناخي، أصبحت المياه والمناخ جزءًا من معادلات النفوذ الدولي، بل إن كثيرًا من الخبراء باتوا يتحدثون عن عصر جديد عنوانه: الجيوسياسية المناخية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل يمكن استخدام البيئة في الصراع؟ بل: إلى أي مدى أصبحت البيئة ذاتها ميدانًا للصراع؟
التاريخ يقدم شواهد لا يمكن تجاهلها. خلال حرب فيتنام نفذت الولايات المتحدة عملية عُرفت بـ Operation Popeye لتعديل الطقس عبر إطالة موسم الأمطار بهدف إعاقة تحركات الخصم. حادثة موثقة قادت لاحقًا إلى اتفاقية دولية (ENMOD) سنة 1977 تمنع استخدام تعديل البيئة لأغراض عدائية. هذه الواقعة وحدها كافية لتؤكد أن فكرة توظيف البيئة كسلاح ليست خيالًا لكن الأخطر اليوم ليس “صناعة المطر” أو “منع المطر”، وهي ادعاءات يبالغ فيها كثيرون، بل تسليح الندرة نفسها حين تتحول المياه إلى أداة ضغط… حين تصبح السدود أوراق تفاوض… حين يُستخدم الجفاف لتغيير موازين النفوذ… فنحن أمام شكل جديد من الحروب الصامتة. من حوض النيل إلى الفرات ودجلة، ومن آسيا الوسطى إلى الشرق الأوسط، تتصاعد مؤشرات أن المياه لم تعد ملفًا تنمويًا فقط، بل ملف سيادة وأمن قومي. بل إن تقارير أممية عدة حذرت من أن صراعات المستقبل قد ترتبط بالمياه أكثر من ارتباطها بالطاقة ليبيا ليست بعيدة عن هذا المشهد. بلادنا التي تعتمد على موارد مائية هشة، وتواجه ضغطًا متزايدًا على المياه الجوفية، مطالبة اليوم بالنظر إلى الأمن المائي باعتباره قضية سيادية. منظومات كعين الدبوسية وأحواض الجبل الأخضر ليست مجرد موارد طبيعية… بل مخزون استراتيجي وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على المياه، ومقاومة التلوث، وحماية الأحواض الجوفية، جزءًا من الدفاع الوطني إن أخطر ما في حروب المياه أنها تبدأ بصمت. لا دخان… لا صفارات إنذار… لكن نتائجها قد تكون أكثر تدميرًا وقد يكون السؤال الأهم الآن: هل نحن نستعد لحروب الموارد قبل أن تفرض نفسها؟ في عالم تتراجع فيه اليقينات، قد تصبح قطرة الماء أهم من برميل النفط، وقد يصبح الدفاع عن البيئة دفاعًا عن السيادة. حروب المستقبل قد لا تبدأ بإطلاق النار… بل بانقطاع الماء.
