رأي

دعم‭ ‬المحروقات‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬واستنزاف‭ ‬الموارد

عبد‭ ‬العظيم‭ ‬الأزرق

تشير‭ ‬البيانات‭ ‬المنشورة‭ ‬من‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنفط‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬تستهلك‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬المحروقات،‭ ‬ويُقدَّر‭ ‬إجمالي‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السنوي‭ ‬من‭ ‬البنزين‭ ‬والديزل‭ ‬مقارنة‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬الشهري،‭ ‬بنحو‭ ‬6‭.‬72‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬أي‭ ‬قرابة‭ ‬8‭ ‬مليارات‭ ‬لتر‭. ‬ووفقاً‭ ‬للأسعار‭ ‬العالمية‭ ‬للمنتجات‭ ‬النفطية،‭ ‬تبلغ‭ ‬القيمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لهذه‭ ‬الكميات‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬ليبي‭ ‬سنوياً‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬الإيرادات‭ ‬المتحصلة‭ ‬من‭ ‬بيع‭ ‬هذه‭ ‬المحروقات‭ ‬محلياً‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬سنوياً،‭ ‬نتيجة‭ ‬بيع‭ ‬لتر‭ ‬البنزين‭ ‬بسعر‭ ‬0‭.‬150‭ ‬دينار‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأدنى‭ ‬عالمياً‭. ‬وبذلك‭ ‬تقترب‭ ‬تكلفة‭ ‬الدعم‭ ‬المباشر‭ ‬وغير‭ ‬المباشر‭ ‬للمحروقات‭ ‬من‭ ‬38‭.‬8‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬سنوياً،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬العبء‭ ‬الذي‭ ‬تتحمله‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭.‬

ورغم‭ ‬ضخامة‭ ‬فاتورة‭ ‬الدعم،‭ ‬فإن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منه‭ ‬ليست‭ ‬متساوية‭ ‬بين‭ ‬المواطنين‭. ‬فبحسب‭ ‬هذه‭ ‬التقديرات،‭ ‬يبلغ‭ ‬متوسط‭ ‬نصيب‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬نحو‭ ‬5‭,‬500‭ ‬دينار‭ ‬سنوياً،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬يذهب‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬استهلاكاً‭ ‬للوقود،‭ ‬مثل‭ ‬محطات‭ ‬الكهرباء‭ ‬وأصحاب‭ ‬المركبات‭ ‬المتعددة‭ ‬والشاحنات‭ ‬والمعدات‭ ‬الثقيلة،‭ ‬والجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬التهريب‭. ‬

ويظل‭ ‬دعم‭ ‬المحروقات‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الملفات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬يساهم‭ ‬الوقود‭ ‬منخفض‭ ‬السعر‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬والنقل،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشوهات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واسعة،‭ ‬أبرزها‭ ‬الهدر‭ ‬والإفراط‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وانتعاش‭ ‬عمليات‭ ‬التهريب‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية‭ ‬وأسعار‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭.‬

كما‭ ‬يحرم‭ ‬استمرار‭ ‬الدعم‭ ‬الشامل‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والإسكان‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬توجيهها‭ ‬لتحسين‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭ ‬ورفع‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬للمواطنين‭.‬

ومن‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬فإن‭ ‬رفع‭ ‬سعر‭ ‬البنزين‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬دينار‭ ‬ونصف‭ ‬لليتر‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬الإيرادات‭ ‬السنوية‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬بزيادة‭ ‬تقارب‭ ‬11‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬مقارنة‭ ‬بالإيرادات‭ ‬الحالية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬إصلاح‭ ‬يتطلب‭ ‬تطبيقاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬ومدروساً،‭ ‬يترافق‭ ‬مع‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬بالتوزاي‭ ‬مع‭ ‬دعم‭ ‬نقدي‭ ‬مباشر‭ ‬للأسر،‭ ‬وتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬التهريب،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬المواطن‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬الوطنية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى