ثقافة

الكائن‭ ‬الورقي

أحلام‭ ‬مولود

في‭ ‬جُمهورية‭ ‬الحبر‭ ‬المستعار‭ ‬مدينةٌ‭ ‬لا‭ ‬تفرق‭ ‬بين‭ ‬النحوِ،‭ ‬والنجوِ،‭ ‬يظهر‭ ‬كائنٌ‭ ‬ورقيّ،‭ ‬يتجول‭ ‬بين‭ ‬المقاهي‭ ‬حاملًا‭ ‬دفترًا‭ ‬مليئًا‭ ‬بالفراغات‭ ‬الفاخرة،‭ ‬ويوزّع‭ ‬على‭ ‬الجالسين‭ ‬توقيعاته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يوزع‭ ‬جُمَله،‭ ‬و‭ ‬يقدّم‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬البطاقة‭ ‬التعريفية‭ ‬كاتب،‭ ‬شاعر،‭ ‬ناقد،‭ ‬أديب،‭ ‬مؤثّر‭ ‬أدبي،‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬مُثقف…في‭ ‬الواقع‭ ‬هو‭ ‬مجرّد‭ ‬قارئ‭ ‬متقاعد‭ ‬لإعلانات‭ ‬السجائر‭ ‬القديمة‭. ‬يكتب‭ ‬كما‭ ‬يتعثر‭ ‬طفلٌ‭ ‬في‭ ‬درج‭ ‬مظلم،‭ ‬يضع‭ ‬النقطة‭ ‬قبل‭ ‬الكلمة،‭ ‬والفاصلة‭ ‬بعد‭ ‬الصمت،‭ ‬ويظن‭ ‬أن‭ ‬تكديس‭ ‬الاستعارات‭ ‬فوق‭ ‬بعضها‭ ‬يمنحها‭ ‬معنى‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬تنهار‭ ‬مثل‭ ‬عمارة‭ ‬بُنيت‭ ‬من‭ ‬ورق‭ ‬وعلى‭ ‬ورق،‭ ‬يمارس‭ ‬النقد‭ ‬كما‭ ‬يمارس‭ ‬البعض‭ ‬الطهي‭ ‬بلا‭ ‬مطبخ‭ ‬يمزج‭ ‬مقولات‭ ‬مسروقة‭ ‬من‭ ‬ظهر‭ ‬الكتب،‭ ‬مع‭ ‬شتائم‭ ‬فلسفية‭ ‬ثم‭ ‬يقدّمها‭ ‬ساخنة‭ ‬على‭ ‬طبق‭ ‬من‭ ‬الزهو‭ ‬الفارغ،‭ ‬وحين‭ ‬يسأله‭ ‬أحدهم‭ ‬عن‭ ‬مصادره‭ ‬يبتسم‭ ‬بثقة،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬المصدر‭ ‬كلمة‭ ‬بديلة‭ ‬عن‭ ‬المخزون‭ ‬الوهمي‭.‬

هو‭ ‬يؤمن‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬تزيين،‭ ‬لا‭ ‬نظام‭ ‬حيّ‭ ‬يتنفّس،‭ ‬لذا‭ ‬يعاملها‭ ‬كما‭ ‬يعامل‭ ‬البعض‭ ‬نباتًا‭ ‬بلا‭ ‬ماء،‭ ‬يتركها‭ ‬تذبل‭ ‬ثم‭ ‬يلوم‭ ‬الحداثة‭ ‬على‭ ‬موتها‭ ‬في‭ ‬نصوصه،‭ ‬ترى‭ ‬الأفعال‭ ‬تُقتل‭ ‬في‭ ‬وضح‭ ‬النحو،‭ ‬والضمائر‭ ‬تتناحر‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬الجملة،‭ ‬والهمزات‭ ‬تهرب‭ ‬مهاجرة‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬اللجوء‭ ‬اللغوي‭.‬

ولأن‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬يحب‭ ‬العناوين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المضامين،‭ ‬فقد‭ ‬صار‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬نجمًا‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬التصفيق‭ ‬الجماعي؛‭ ‬حيث‭ ‬يُقاس‭ ‬العمق‭ ‬بعدد‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬تُلتقط‭ ‬معه،‭ ‬لا‭ ‬بعدد‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬تسقط‭ ‬من‭ ‬رأسه‭ ‬إن‭ ‬وِجدتْ‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى