
في جُمهورية الحبر المستعار مدينةٌ لا تفرق بين النحوِ، والنجوِ، يظهر كائنٌ ورقيّ، يتجول بين المقاهي حاملًا دفترًا مليئًا بالفراغات الفاخرة، ويوزّع على الجالسين توقيعاته قبل أن يوزع جُمَله، و يقدّم نفسه في البطاقة التعريفية كاتب، شاعر، ناقد، أديب، مؤثّر أدبي، أو لنقل مُثقف…في الواقع هو مجرّد قارئ متقاعد لإعلانات السجائر القديمة. يكتب كما يتعثر طفلٌ في درج مظلم، يضع النقطة قبل الكلمة، والفاصلة بعد الصمت، ويظن أن تكديس الاستعارات فوق بعضها يمنحها معنى بينما هي في الحقيقة، تنهار مثل عمارة بُنيت من ورق وعلى ورق، يمارس النقد كما يمارس البعض الطهي بلا مطبخ يمزج مقولات مسروقة من ظهر الكتب، مع شتائم فلسفية ثم يقدّمها ساخنة على طبق من الزهو الفارغ، وحين يسأله أحدهم عن مصادره يبتسم بثقة، كما لو أن المصدر كلمة بديلة عن المخزون الوهمي.
هو يؤمن أن اللغة مجرد أداة تزيين، لا نظام حيّ يتنفّس، لذا يعاملها كما يعامل البعض نباتًا بلا ماء، يتركها تذبل ثم يلوم الحداثة على موتها في نصوصه، ترى الأفعال تُقتل في وضح النحو، والضمائر تتناحر على سلطة الجملة، والهمزات تهرب مهاجرة بحثًا عن حق اللجوء اللغوي.
ولأن العالم اليوم يحب العناوين أكثر من المضامين، فقد صار هذا الكائن نجمًا في مهرجان التصفيق الجماعي؛ حيث يُقاس العمق بعدد الصور التي تُلتقط معه، لا بعدد الأفكار التي تسقط من رأسه إن وِجدتْ.



