غذاء على طاولة الاتهام… هل يأكل الليبيون السموم ؟

لم تعد قضية سلامة الغذاء في ليبيا مجرد ملف صحي يقتصر أثره على المستشفيات أو تقارير المختبرات، بل تحولت إلى قضية أمن مجتمعي تمس حياة كل مواطن يجلس إلى مائدة الطعام. فحين تصبح الخضروات والفواكه، التي يفترض أن تكون مصدرًا للصحة، محل شك بسبب احتوائها على متبقيات مبيدات تتجاوز الحدود المسموح بها، فإن الأمر يتجاوز حدود المخالفة الإدارية ليصل إلى مستوى الخطر الذي يهدد الصحة العامة والثقة في المنظومة الرقابية بأكملها.
وقد أثارت النتائج التي أعلن عنها مكتب النائب العام بشأن فحص عدد من العينات الزراعية موجة واسعة من القلق والتساؤلات داخل الشارع الليبي، حول كيفية وصول هذه المنتجات إلى الأسواق، ومن يتحمل مسؤولية تعريض المواطنين لهذا الخطر، وما إذا كانت منظومة الرقابة الزراعية والغذائية تؤدي دورها بالكفاءة المطلوبة.
ولأن القضية تمس كل بيت ليبي، سعت الصحيفة إلى التواصل مع مكتب النائب العام للحصول على إجابات حول نتائج التحقيقات والإجراءات القانونية المتخذة بحق المتورطين، إلا أننا لم نتحصل حتى على أي رد رسمي، رغم أهمية توضيح هذه المعلومات للرأي العام.
وفي المقابل، أجرينا سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين وخبراء ومختصين، للبحث عن إجابات علمية ورقابية وقانونية تكشف حقيقة ما يجري، وتوضح حجم المخاطر، والمسؤوليات، والحلول الممكنة.
وزارة الزراعة: المشكلة ليست في المبيد… بل في سوء استخدامه
مدير مركز الإرشاد الإعلامي الزراعي بوزارة الزراعة، شرف الدين المرغني، أوضح أن استيراد وتداول المبيدات الزراعية يتم وفق ضوابط وتشريعات وطنية، حيث لا يسمح إلا بالمبيدات المسجلة والمعتمدة، ومن خلال جهات مرخص لها، مع متابعة استخدامها ميدانياً لضمان سلامة الإنسان والبيئة والإنتاج الزراعي.
وأشار إلى أن استخدام بعض المبيدات المحظورة يعود إلى التهريب والتداول غير القانوني، إضافة إلى عدم التزام بعض المزارعين بالتعليمات الفنية الخاصة بالاستخدام وفترات الأمان قبل الحصاد، إلى جانب ضعف الوعي بالمخاطر الصحية والبيئية.
وأكد أن الوزارة تعمل على تشديد الرقابة عبر المركز الوطني للحجر الزراعي والشرطة الزراعية، إلى جانب تكثيف برامج الإرشاد الزراعي، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، وتشجيع تطبيق الإدارة المتكاملة للآفات واستخدام البدائل الآمنة.
الحرس البلدي: صحة المواطن خط أحمر
من جانبه، أكد المتحدث باسم الحرس البلدي محمد الناعم أن فرق التفتيش تحركت فور صدور نتائج الفحوصات، حيث جرى حصر المنتجات المشتبه بها وسحب العينات والمنتجات غير المطابقة وفق التقارير الفنية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين وإحالة المحاضر إلى الجهات المختصة.
وأوضح أن الرقابة تعتمد على جولات تفتيش يومية ومفاجئة داخل الأسواق، بالتنسيق مع الجهات الفنية المختصة، غير أن منظومة سلامة الغذاء تبدأ من المزرعة مروراً بالنقل والتخزين والتوزيع، وتنتهي عند منافذ البيع، وهو ما يجعل المسؤولية مشتركة بين عدة جهات.
وأشار إلى أن أبرز المخالفات تتمثل في تداول منتجات مجهولة المصدر، وعدم الالتزام بالاشتراطات الصحية، وبيع محاصيل قبل انتهاء فترة الأمان الخاصة بالمبيدات، إضافة إلى غياب بيانات المصدر، مؤكداً أن الحرس البلدي يمتلك الصلاحيات القانونية لسحب وإتلاف المنتجات المخالفة بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وشدد على أن منع تكرار هذه المخالفات يتطلب تشديد الرقابة داخل المزارع، وزيادة عدد العينات التي تخضع للفحص الدوري، وتطبيق العقوبات على المخالفين، مع نشر الوعي بين المزارعين حول الاستخدام الصحيح للمبيدات.
الخبراء يحذرون: آثار صحية قد تمتد لسنوات
رئيس الجمعية الليبية للسموم الفطرية وملوثات الغذاء، الدكتور صفي الدين عبد الله انبيه، أكد أن متبقيات المبيدات الكيميائية تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه سلامة الغذاء، وأن تجاوز الحدود المسموح بها قد ينعكس بصورة مباشرة على صحة الإنسان.
وأوضح أن الاستخدام غير المنظم للمبيدات وعدم الالتزام بفترات الأمان يؤدي إلى تراكم متبقياتها داخل المنتجات الزراعية، وأن غسل الخضروات أو استخدام الخل أو حتى التقشير قد يقلل نسبة المتبقيات، لكنه لا يزيلها بالكامل.
وأشار إلى أن الدراسات العلمية ربطت التعرض المستمر لهذه المواد باضطرابات الجهاز العصبي، وتلف الحمض النووي، والطفرات الجينية، وبعض أنواع السرطان، وأمراض القلب والأوعية الدموية، إضافة إلى تأثيرات خطيرة على الأطفال بسبب حساسيتهم العالية لهذه المركبات.
وأكد أن ليبيا بحاجة إلى منظومة وطنية متكاملة لرصد متبقيات المبيدات، وتطوير المختبرات، وتفعيل التشريعات، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لسلامة الغذاء، بما يعزز حماية الصحة العامة ويرفع ثقة المستهلك في المنتجات المحلية.
المزارعون: بين ضغوط الإنتاج وضعف الإرشاد
عدد من المزارعين الذين تحدثوا للصحيفة أكدوا أن غالبية المزارعين لا يتعمدون الإضرار بالمستهلك، لكن بعضهم يلجأ إلى استخدام مبيدات غير معروفة أو يتجاوز الجرعات المحددة بسبب ضعف الرقابة، أو خوفاً من خسارة المحصول، أو نتيجة غياب الإرشاد الزراعي المستمر.
ويرى المزارعون أن توفير برامج تدريبية دورية، وإتاحة مبيدات معتمدة بأسعار مناسبة، ومتابعة الحقول ميدانياً، سيكون أكثر فاعلية من الاكتفاء بالعقوبات بعد وقوع المخالفة.
الشارع الليبي… ثقة تتراجع
أحمد الساعدي (طرابلس): بعد هذه الأخبار أصبحت أتردد كثيراً قبل شراء الخضروات، ولم أعد أثق بسهولة في أي منتج، وأتمنى أن تكون هناك رقابة حقيقية تعلن نتائجها بشفافية.»
فاطمة الورفلي (مصراتة) المواطن لا يستطيع معرفة المنتج السليم من الملوث، لذلك نريد رقابة صارمة ومستمرة، وليس حملات مؤقتة تظهر عند حدوث أزمة ثم تختفي.
المزارع سالم الزوي (الجبل الغربي): «المزارع يحتاج إلى التوعية والدعم مثلما يحتاج إلى المحاسبة. عندما تتوفر المبيدات السليمة والإرشاد المستمر تقل الأخطاء كثيراً، أما ترك المزارع وحده فلن يحل المشكلة.
أسئلة ما تزال تبحث عن إجابة
ورغم ما قدمته الجهات الفنية والرقابية من توضيحات، فإن عدداً من الأسئلة الجوهرية لا يزال معلقاً، وفي مقدمتها: من المسؤول عن وصول المنتجات غير المطابقة إلى الأسواق؟ وهل تم تحديد المتورطين؟ وما حجم الكميات التي وصلت بالفعل إلى المستهلكين؟ وهل ستكون العقوبات رادعة بما يكفي لمنع تكرار هذه الوقائع؟
ويبقى انتظار الرأي العام موجهاً إلى نتائج التحقيقات القضائية، باعتبارها الحلقة الأهم في كشف الحقيقة وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
ختاما … الأمن الغذائي مسؤولية وطنية
تكشف هذه القضية أن سلامة الغذاء ليست مسؤولية جهة واحدة، بل منظومة تبدأ من المزرعة ولا تنتهي إلا على مائدة المستهلك. فالمزارع مطالب بالالتزام، والجهات الرقابية مطالبة بالتفتيش والمتابعة، والمختبرات مطالبة بسرعة الفحص، والنيابة العامة مطالبة بمحاسبة كل من يثبت تورطه، والدولة مطالبة بتطوير التشريعات وتعزيز الإمكانات الفنية.
إن الغذاء الآمن ليس رفاهية، بل حق أصيل لكل مواطن، وأي تقصير في حمايته يعني المساس بصحة المجتمع وثقته في مؤسساته. وما كشفت عنه هذه القضية يجب ألا يكون مجرد حدث عابر، بل نقطة تحول حقيقية نحو بناء منظومة وطنية صارمة تضع صحة الإنسان فوق كل اعتبار، لأن الأمن الغذائي يبدأ من الرقابة، لكنه لا يكتمل إلا بالمحاسبة والشفافية، وهما الركيزتان اللتان ينتظر الليبيون أن تترجما إلى إجراءات حاسمة تعيد الطمأنينة إلى موائدهم.



