
أيها المسؤول… تذكّر دائمًا أن الكرسي لا يدوم، وأن السلطة مهما امتدت أيامها فهي إلى زوال، وأن المنصب أمانة قبل أن يكون وجاهة، وتكليف قبل أن يكون تشريفًا.
إياك أن يخدعك بريق المنصب، أو يغريك نفوذ السلطة، أو يحجب عنك الغرور حقيقة أن الأيام تتداول بين الناس، وأن لكل بداية نهاية، ولكل مسؤول يومًا يسلّم فيه الأمانة ويرحل، ولا يبقى معه إلا ما قدّمه من خير أو ما اقترفه من ظلم.
إن ظلم الناس قد يكون سهلًا على من لا يخشى الله، أما إنصافهم، وقضاء حوائجهم، والتيسير عليهم، فهو الطريق إلى رضا الله ومحبة الناس وحسن الذكر بعد الرحيل.
ومن أذاق الناس مرارة الظلم، أو استعلى عليهم، أو فرّق بينهم بغير حق، فليعلم أن الأيام لا تثبت على حال، وأن الجزاء من جنس العمل، وأن من سقى الناس كأس الظلم، فلن يلبث أن يشرب منها، وربما كانت أشد مرارة مما أذاق غيره.
إن كرسي السلطة يشبه كرسي الحلاقة؛ يجلس عليه صاحبه وقتًا ثم يغادره، ولا يبقى منه إلا الذكر: فإن كان عدلًا بقي جميلًا، وإن كان ظلمًا بقي لعنة تلاحق صاحبها في الدنيا قبل الآخرة.
ولا تظن أن صمت المظلومين يعني نسيانهم، فكم من دعوة خرجت من قلب منكسر رفعتها السماء، وكم من مظلوم أوكل أمره إلى الله، فكان الله خير منتقم وخير ناصر. والاعتذار بعد ضياع الحقوق لا يمحو آثار الظلم، ولا يعيد القلوب التي كسرتها القسوة، ولا يرد الأعمار التي أرهقها التعسف.
تأملوا أحوال من سبقكم؛ كم من مسؤول كان الناس يقفون بين يديه، ثم أصبح اليوم يتمنى نعمة الصحة، أو القدرة على الكلام، أو من يأخذ بيده، أو من يسأل عنه. ذهب المنصب، وبقي الحساب.
فاعملوا لآخرتكم قبل دنياكم، واجعلوا مناصبكم أبوابًا للخير لا أدوات للبطش، وكونوا مفاتيح للعدل، مغاليق للظلم، وازرعوا المعروف في حياة الناس، فإن المعروف لا يضيع عند الله، ولا ينساه الناس.
واتقوا الله في عباده، وخافوا على أبنائكم وبناتكم وأهليكم من عاقبة الظلم، فإن دعوة المظلوم لا تسقط بالتقادم، وإن الحقوق لا تموت، وإن الله يمهل ولا يهمل.



