رأي

رسالة إلى كل مسؤول في الجامعات والوزارات

د. محمد الأصفر

أيها‭ ‬المسؤول‭… ‬تذكّر‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬الكرسي‭ ‬لا‭ ‬يدوم،‭ ‬وأن‭ ‬السلطة‭ ‬مهما‭ ‬امتدت‭ ‬أيامها‭ ‬فهي‭ ‬إلى‭ ‬زوال،‭ ‬وأن‭ ‬المنصب‭ ‬أمانة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬وجاهة،‭ ‬وتكليف‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تشريفًا‭.‬

إياك‭ ‬أن‭ ‬يخدعك‭ ‬بريق‭ ‬المنصب،‭ ‬أو‭ ‬يغريك‭ ‬نفوذ‭ ‬السلطة،‭ ‬أو‭ ‬يحجب‭ ‬عنك‭ ‬الغرور‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬الأيام‭ ‬تتداول‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وأن‭ ‬لكل‭ ‬بداية‭ ‬نهاية،‭ ‬ولكل‭ ‬مسؤول‭ ‬يومًا‭ ‬يسلّم‭ ‬فيه‭ ‬الأمانة‭ ‬ويرحل،‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬معه‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬قدّمه‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬اقترفه‭ ‬من‭ ‬ظلم‭.‬

إن‭ ‬ظلم‭ ‬الناس‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬سهلًا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يخشى‭ ‬الله،‭ ‬أما‭ ‬إنصافهم،‭ ‬وقضاء‭ ‬حوائجهم،‭ ‬والتيسير‭ ‬عليهم،‭ ‬فهو‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬رضا‭ ‬الله‭ ‬ومحبة‭ ‬الناس‭ ‬وحسن‭ ‬الذكر‭ ‬بعد‭ ‬الرحيل‭.‬

ومن‭ ‬أذاق‭ ‬الناس‭ ‬مرارة‭ ‬الظلم،‭ ‬أو‭ ‬استعلى‭ ‬عليهم،‭ ‬أو‭ ‬فرّق‭ ‬بينهم‭ ‬بغير‭ ‬حق،‭ ‬فليعلم‭ ‬أن‭ ‬الأيام‭ ‬لا‭ ‬تثبت‭ ‬على‭ ‬حال،‭ ‬وأن‭ ‬الجزاء‭ ‬من‭ ‬جنس‭ ‬العمل،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬سقى‭ ‬الناس‭ ‬كأس‭ ‬الظلم،‭ ‬فلن‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يشرب‭ ‬منها،‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬أشد‭ ‬مرارة‭ ‬مما‭ ‬أذاق‭ ‬غيره‭.‬

إن‭ ‬كرسي‭ ‬السلطة‭ ‬يشبه‭ ‬كرسي‭ ‬الحلاقة؛‭ ‬يجلس‭ ‬عليه‭ ‬صاحبه‭ ‬وقتًا‭ ‬ثم‭ ‬يغادره،‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬الذكر‭: ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬عدلًا‭ ‬بقي‭ ‬جميلًا،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ظلمًا‭ ‬بقي‭ ‬لعنة‭ ‬تلاحق‭ ‬صاحبها‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬قبل‭ ‬الآخرة‭.‬

ولا‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬صمت‭ ‬المظلومين‭ ‬يعني‭ ‬نسيانهم،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬دعوة‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬منكسر‭ ‬رفعتها‭ ‬السماء،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬مظلوم‭ ‬أوكل‭ ‬أمره‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬فكان‭ ‬الله‭ ‬خير‭ ‬منتقم‭ ‬وخير‭ ‬ناصر‭. ‬والاعتذار‭ ‬بعد‭ ‬ضياع‭ ‬الحقوق‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬آثار‭ ‬الظلم،‭ ‬ولا‭ ‬يعيد‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬كسرتها‭ ‬القسوة،‭ ‬ولا‭ ‬يرد‭ ‬الأعمار‭ ‬التي‭ ‬أرهقها‭ ‬التعسف‭.‬

تأملوا‭ ‬أحوال‭ ‬من‭ ‬سبقكم؛‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬مسؤول‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬يقفون‭ ‬بين‭ ‬يديه،‭ ‬ثم‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬يتمنى‭ ‬نعمة‭ ‬الصحة،‭ ‬أو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الكلام،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يأخذ‭ ‬بيده،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يسأل‭ ‬عنه‭. ‬ذهب‭ ‬المنصب،‭ ‬وبقي‭ ‬الحساب‭.‬

فاعملوا‭ ‬لآخرتكم‭ ‬قبل‭ ‬دنياكم،‭ ‬واجعلوا‭ ‬مناصبكم‭ ‬أبوابًا‭ ‬للخير‭ ‬لا‭ ‬أدوات‭ ‬للبطش،‭ ‬وكونوا‭ ‬مفاتيح‭ ‬للعدل،‭ ‬مغاليق‭ ‬للظلم،‭ ‬وازرعوا‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس،‭ ‬فإن‭ ‬المعروف‭ ‬لا‭ ‬يضيع‭ ‬عند‭ ‬الله،‭ ‬ولا‭ ‬ينساه‭ ‬الناس‭.‬

واتقوا‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬عباده،‭ ‬وخافوا‭ ‬على‭ ‬أبنائكم‭ ‬وبناتكم‭ ‬وأهليكم‭ ‬من‭ ‬عاقبة‭ ‬الظلم،‭ ‬فإن‭ ‬دعوة‭ ‬المظلوم‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بالتقادم،‭ ‬وإن‭ ‬الحقوق‭ ‬لا‭ ‬تموت،‭ ‬وإن‭ ‬الله‭ ‬يمهل‭ ‬ولا‭ ‬يهمل‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى