رأي

في يوليو ولكن سنة 1958

أمين مازن

قد‭ ‬لا‭ ‬يضير‭ ‬الذاكرة‭ ‬الليبية‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬مُسنوها‭ ‬إلى‭ ‬تلافيف‭ ‬ذاكرتهم‭ ‬ويدونون‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬لديهم‭ ‬عند‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الثامن‭ ‬والخمسين‭ ‬بعد‭ ‬التسعمائة‭ ‬والألف‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬عندما‭ ‬تناقلت‭ ‬الإذاعات‭ ‬العربية‭ ‬المتسابقة‭ ‬على‭ ‬توتير‭ ‬الجماهير‭ ‬العربية،‭ ‬نبأ‭ ‬سقوط‭ ‬العرش‭ ‬الهاشمي‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬والمتربع‭ ‬على‭ ‬جميل‭ ‬آرائكه‭ ‬بالعراق‭ ‬فيصل‭ ‬ابن‭ ‬غازي‭ ‬ابن‭ ‬فيصل‭ ‬الأول‭ ‬نجل‭ ‬حسين،‭ ‬شريف‭ ‬مكة،‭ ‬عندما‭ ‬آل‭ ‬لفيصل‭ ‬الجد‭ ‬وهو‭ ‬ينبعث‭ ‬بأرض‭ ‬الرافدين‭ ‬ضمن‭ ‬توزيع‭ ‬تركة‭ ‬الرجل‭ ‬المريض‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬المصطلح‭ ‬الذي‭ ‬أُطلق‭ ‬على‭ ‬تركيا‭ ‬المهزومة،‭ ‬حيث‭ ‬بقى‭ ‬العراق‭ ‬تحت‭ ‬وصاية‭ ‬عبد‭ ‬الإله‭ ‬خال‭ ‬فيصل‭ ‬وريث‭ ‬الحكم،‭ ‬ريثما‭ ‬يبلغ‭ ‬سن‭ ‬الرشد،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬لبث‭ ‬أن‭ ‬بلغها‭ ‬وظل‭ ‬عبد‭ ‬الإله‭ ‬متمتعا‭ ‬بكل‭ ‬صفاتها‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬الوطيدة‭ ‬مع‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬وكان‭ ‬حلف‭ ‬بغداد‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الصيغ‭ ‬التي‭ ‬استُحدثت‭ ‬لضمان‭ ‬النفوذ‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬ومقاومة‭ ‬النفوذ‭ ‬الروسي‭ ‬المتنامي‭ ‬لولا‭ ‬الحلف‭ ‬المذكور‭ ‬وما‭ ‬ضم‭ ‬من‭ ‬شركاء‭ ‬مهمين‭ ‬مثل‭ ‬شاه‭ ‬إيران‭ ‬وعدنان‭ ‬مندر‭ ‬يس‭ ‬التركي‭ ‬وظفر‭ ‬الله‭ ‬خان‭ ‬الباكستاني‭. ‬إنها‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬قاومها‭ ‬بعنف‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬بما‭ ‬أوتيَ‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬العربي‭ ‬المُنتشي‭ ‬بوحدة‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬تأميم‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬وكسر‭ ‬احتكار‭ ‬السلاح‭ ‬لتبدأ‭ ‬المعارك‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬من‭ ‬مقاومة‭ ‬تجديد‭ ‬كميل‭ ‬شمعون‭ ‬لرئاسة‭ ‬لبنان‭ ‬خلافا‭ ‬لما‭ ‬يرفضه‭ ‬دستور‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تبنِّي‭ ‬دولة‭ ‬الوحدة‭ ‬لحضر‭ ‬الحياة‭ ‬الحزبية‭ ‬أمضى‭ ‬أسلحة‭ ‬النضال‭ ‬العربي،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬الرابع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬ما‭ ‬يبشر‭ ‬باحتمال‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬الحكم‭ ‬الشمولي‭ ‬الذي‭ ‬تبنَّاه‭ ‬المد‭ ‬الناصري‭ ‬ففتح‭ ‬العراق‭ ‬الجديد‭ ‬عهده‭ ‬بتشكل‭ ‬وفد‭ ‬شعبي‭ ‬لزيارة‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬للتعريف‭ ‬بسياسته‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬ضم‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬الشهيرة‭ ‬أمثال‭ ‬صديق‭ ‬شنشل‭ ‬وفائق‭ ‬السامرائي‭ ‬وعزيز‭ ‬شريف‭ ‬وغيرهم‭ ‬للتواصل‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭ ‬الكبير‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬والإقامة‭ ‬بأشهر‭ ‬فنادق‭ ‬طرابلس‭ (‬الجراند‭ ‬هوتيل‭) ‬لتبادر‭ ‬أشهر‭ ‬الوجوه‭ ‬بمحاولة‭ ‬استقباله‭ ‬في‭ ‬تحدٍّ‭ ‬ملحوظ‭ ‬للسلطة‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬التجاهل‭ ‬تجاهل‭ ‬الوفدبمنع‭ ‬مظاهر‭ ‬الاستقبال‭ ‬فكان‭ ‬الاشتباك‭ ‬مع‭ ‬رجال‭ ‬الأمن،‭ ‬أما‭ ‬المصرون‭ ‬على‭ ‬الاستقبال‭ ‬فقد‭ ‬تقدمهم‭ ‬أمثال‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬شرف‭ ‬الدين‭ ‬والهاشمي‭ ‬بوخلال‭ ‬وعبد‭ ‬الرحمن‭ ‬الجنزوري‭ ‬وعلي‭ ‬بوزقية‭ ‬وغيرهم،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقبلوا‭ ‬منعهم‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الثائرين‭ ‬الجدد،‭ ‬وقد‭ ‬وجدتني‭ ‬وأنا‭ ‬استعد‭ ‬لتدوين‭ ‬هذه‭ ‬المقاربات‭ ‬لما‭ ‬تمثله‭ ‬من‭ ‬مخزون‭ ‬‮ ‬تلك‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬يظل‭ ‬تاريخها‭ ‬المشرق‭ ‬أبقى‭ ‬من‭ ‬الحكم‭ ‬ومحاولات‭ ‬الإقصاء‭ ‬واصطناع‭ ‬الأمجاد‭ ‬عبر‭ ‬شاشات‭ ‬التلفزيون،‭ ‬لأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬دائما‭ ‬لهذا‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬سيسمح‭ ‬بإعلانها‭ ‬وإن‭ ‬شكلت‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت‭ ‬تهمة‭ ‬توقع‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يرمي‭ ‬بها‭ ‬أقسى‭ ‬العقوبات‭ ‬ويتعرض‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬لإقصاء دون‭ ‬تمكينه‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬رهانا‭ ‬على‭ ‬القول‭ ‬المعروف‭ ‬“السعيد‭ ‬من‭ ‬ضحك‭ ‬أخيرًا”‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى