ثقافة

تخوم‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬وتحديات‭ ‬العـصر..‭ ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬أطـروحات‭ ‬إبراهيم‭ ‬الكوني

مفتاح ميلود

تستمد‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬منطلقاتها‭ ‬من‭ ‬الرؤى‭ ‬والأطروحات‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬الروائي‭ ‬والمفكر‭ ‬إبراهيم‭ ‬الكوني،‭ ‬خلال‭ ‬حواره‭ ‬الموسع‭ ‬مع‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬والأدباء‭ ‬العرب‭ ‬والليبيين،‭ ‬في‭ ‬أمسية‭ ‬فكرية‭ ‬من‭ ‬المناشط‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس‭ ‬صيف‭ ‬عام‭ ‬2026‭.‬

الكوني‭ ‬يصف‭ ‬الأسئلة‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬لا‭  ‬تتــوافق‭ ‬مع‭ ‬مشروعه‭ ‬بالجهل‭ ‬والكسل

المشروع‭ ‬الإبداعي‭ ‬الذي‭ ‬أسسه‭ ‬الكوني‭ ‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬منصفة‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬القيمة‭ ‬الكبرى‭ ‬للمشروع‭ ‬الإبداعي‭ ‬الذي‭ ‬أسسه‭ ‬الكوني؛‭ ‬فقد‭ ‬استطاع‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬العطاء‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬الصحراء‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي،‭ ‬محولاً‭ ‬إياها‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬جغرافيا‭ ‬قاحلة‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬ميتافيزيقي‭ ‬يضج‭ ‬بأسئلة‭ ‬الوجود‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬المنهجية‭ ‬والمعرفية‭ ‬لأي‭ ‬خطاب‭ ‬ثقافي،‭ ‬مهما‭ ‬بلغ‭ ‬شأن‭ ‬صاحبه،‭ ‬تقتضي‭ ‬تفكيك‭ ‬طروحاته‭ ‬ومساءلتها‭ ‬بموضوعية،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التقديس،‭ ‬أو‭ ‬الإقصاء‭.‬

إنَّ‭ ‬الخطاب‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬‮«‬الكوني‮»‬‭ ‬مؤخراً‭ ‬يطرح‭ ‬عدة‭ ‬إشكاليات‭ ‬معرفية‭ ‬تستوجب‭ ‬الوقوف‭ ‬عندها‭ ‬ومناقشتها‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬الحوار‭ ‬الفلسفي‭ ‬المفتوح‭.‬

أسطرة‭ ‬المكان‭ ‬وفخ‭ ‬الحتمية‭ ‬الجغرافية‭ ‬

ينطلق‭ ‬‮«‬الكوني‮»‬‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصحراء‭ ‬المركز‭ ‬الأنطولوجي‭ ‬الأهم،‭ ‬واصفًا‭ ‬إياها‭ ‬بمهد‭ ‬الروح‭ ‬والرحم‭ ‬الذي‭ ‬أنجب‭ ‬الديانات‭ ‬والحكمة‭. ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الجمالية‭ ‬والأدبية،‭ ‬يُعد‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬مشروعًا‭ ‬وعبقريًا؛‭ ‬فقد‭ ‬صنع‭ ‬‮«‬الكوني‮»‬‭ ‬عالمه‭ ‬الخاص‭ ‬المتفرد‭. ‬ولكن،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬المعرفية،‭ ‬فإن‭ ‬إضفاء‭ ‬طابع‭ ‬الإطلاقية‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬جغرافية‭ ‬بعينها،‭ ‬واعتبارها‭ ‬المعبر‭ ‬الوحيد،‭ ‬أو‭ ‬الأسمى‭ ‬نحو‭ ‬الحقيقة‭ ‬الروحية،‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬نوعًا‭ ‬من‭ ‬الحتمية‭ ‬الجغرافية‭.‬

الروح‭ ‬البشرية‭ ‬ولّادة‭ ‬ومتمردة

عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬نضجت‭ ‬الفلسفات‭ ‬وتبلورت‭ ‬الأساطير‭ ‬فوق‭ ‬قمم‭ ‬الجبال،‭ ‬وعلى‭ ‬ضفاف‭ ‬الأنهار،‭ ‬ووسط‭ ‬ضجيج‭ ‬الحواضر‭ ‬الكبرى‭. ‬تقييد‭ ‬الصفاء‭ ‬الروحي‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬الصحراء‭ ‬يصادر‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬تنوعها‭ ‬الخلاق‭.‬

مخاصمة‭ ‬التقنية‭ ‬بين‭ ‬الرومانسية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬وإنكار‭ ‬الواقع‭ ‬

يتخذ‭ ‬‮«‬الكوني‮»‬‭ ‬موقفاً‭ ‬حاداً‭ ‬وصارماً‭ ‬ضد‭ ‬التقنية،‭ ‬واصفاً‭ ‬إياها‭ ‬بالآفة،‭ ‬والعدو‭ ‬الأول‭ ‬للروح،‭ ‬ويرتقي‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬‮«‬الخطيئة‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يستعيد‭ ‬نبرة‭ ‬الرومانسية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬التي‭ ‬ناصبتْ‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬العداء‭. ‬ورغم‭ ‬وجاهة‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬تغوَّل‭ ‬الآلة‭ ‬وتسليع‭ ‬الإنسان،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الشيطنة‭ ‬المطلقة‭ ‬للتقنية‭ ‬تتجاهل‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬أداة‭ ‬محايدة‭. ‬إن‭ ‬التقنية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬اليوم‭ ‬حفظ‭ ‬التراث‭ ‬الميثولوجي‭ ‬الإنساني،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تنقل‭ ‬صوت‭ ‬‮«‬الكوني‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬وأدبه‭ ‬إلى‭ ‬قراء‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬أقاصي‭ ‬الأرض‭. ‬التقنية‭ ‬ليست‭ ‬نقيضاً‭ ‬للروح‭ ‬بالضرورة،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وعاءً‭ ‬جديداً‭ ‬يتسع‭ ‬للتعبير‭ ‬الإنساني‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬توجيهها‭ ‬بوعي‭ ‬أخلاقي‭.‬

هل‭ ‬النزيف‭ ‬شرط‭ ‬للإبداع؟‭ ‬

يربط‭ ‬‮«‬الكوني‮»‬‭ ‬الإبداع‭ ‬الحقيقي‭ ‬الخالد‭ ‬بمعادلة‭ ‬قاسية‭: ‬الألم،‭ ‬الحرمان،‭ ‬والنزيف‭ ‬الكينوني‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬غول‭ ‬الفناء،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬يحيل‭ ‬الأدب‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬ترف‭ ‬لا‭ ‬يعول‭ ‬عليه‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬التراجيديا‭ ‬والألم‭ ‬كانا‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬محفزات‭ ‬الأدب‭ ‬الإنساني،‭ ‬لكن‭ ‬حصر‭ ‬الإبداع‭ ‬الخالد‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬‮«‬المعاناة‭/‬الموت‮»‬‭ ‬يمثل‭ ‬إقصاءً‭ ‬لجماليات‭ ‬أخرى‭.‬

إن‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬تتسع‭ ‬لأدب‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬التأمل‭ ‬الهادئ،‭ ‬ومن‭ ‬الدهشة‭ ‬البكر،‭ ‬ومن‭ ‬فرح‭ ‬الكينونة،‭ ‬ومن‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬البسيطة‭. ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬عظيم‭ ‬يتطلب‭ ‬بالضرورة‭ ‬تضحية‭ ‬دموية‭ ‬أو‭ ‬نزيفاً‭ ‬ذاتياً؛‭ ‬فالأدب‭ ‬أرحب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يُسجن‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬التراجيديا‭ ‬وحده‭.‬

المسافة‭ ‬بين‭ ‬الأسطورة‭ ‬والواقع‭ ‬

يصيب‭ ‬‮«‬الكوني‮»‬‭ ‬كبد‭ ‬الحقيقة‭ ‬حين‭ ‬ينتقد‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تسطيح‭ ‬العقل‭ ‬واحتكار‭ ‬الحقيقة‭. ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الانغماس‭ ‬الكلي‭ ‬في‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬والتعالي‭ ‬التام‭ ‬عن‭ ‬الهويات‭ ‬الدنيوية‭ ‬والواقع‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭. ‬هذه‭ ‬الدعوة،‭ ‬ورغم‭ ‬نبلها‭ ‬الروحي،‭ ‬قد‭ ‬تخلق‭ ‬قطيعة‭ ‬بين‭ ‬الكاتب‭ ‬وقضايا‭ ‬عصره‭ ‬الملحة‭. ‬الأدب‭ ‬الخالد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬الانسلاخ‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتخلق‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المعترك‭ ‬الاجتماعي‭. ‬الهروب‭ ‬المطلق‭ ‬نحو‭ ‬الأسطورة‭ ‬واللازمن‭ ‬قد‭ ‬يعفي‭ ‬المثقف‭ ‬من‭ ‬مسؤوليته‭ ‬النقدية‭ ‬تجاه‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬الراهنة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬مجتمعه‭.‬

صوتاً‭ ‬استثنائياً‭ ‬وضميراً‭ ‬ثقافياً‭ ‬كبيراً

مأزق‭ ‬الصوت‭ ‬الأوحد‭ ‬تكشف‭ ‬نبرة‭ ‬الكوني‭ ‬عن‭ ‬وثوقية‭ ‬معرفية‭ ‬عالية؛‭ ‬فهو‭ ‬يقدم‭ ‬أطروحاته‭ ‬كحقائق‭ ‬نهائية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬الدحض،‭ ‬ويصف‭ ‬الأسئلة‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬مشروعه‭ ‬بالجهل‭ ‬والكسل‭.‬

إن‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفي‭ ‬والأدبي‭ ‬يتأسس‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬على‭ ‬التعددية‭ ‬والشك‭ ‬والمساءلة‭ ‬المستمرة‭. ‬حين‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المبدع‭ ‬المتسائل‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬الكاهن‭ ‬أو‭ ‬النبي‭ ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة،‭ ‬فإنه‭ ‬يغلق‭ ‬باب‭ ‬الحوار‭ ‬الفعال‭. ‬إنّ‭ ‬عظمة‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬أدبي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬التعددية‭ ‬الصوتية،‭ ‬واحترام‭ ‬القراءات‭ ‬المغايرة‭ ‬دون‭ ‬تخوينها‭ ‬أو‭ ‬تسفيهها‭.‬

يبقى‭ ‬إبراهيم‭ ‬الكوني‭ ‬صوتاً‭ ‬استثنائياً‭ ‬وضميراً‭ ‬ثقافياً‭ ‬كبيراً‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬المكتبة‭ ‬الإنسانية‭. ‬ومساءلة‭ ‬طروحاته‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬بقيمتها،‭ ‬واعتراف‭ ‬بأهمية‭ ‬مشروعه‭ ‬وحيويته،‭ ‬وإدماج‭ ‬أفكاره‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬النقد‭ ‬يبقيها‭ ‬حية‭ ‬تتنفس‭. ‬ترك‭ ‬لنا‭ ‬الكوني‭ ‬وصية‭ ‬فلسفية‭ ‬مكثفة‭: ‬‮«‬اعرف‭ ‬نفسك‮»‬‭. ‬وهي‭ ‬وصية‭ ‬عظيمة،‭ ‬لكن‭ ‬دروب‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬تظل‭ ‬مفتوحة‭ ‬للجميع‭. ‬قد‭ ‬يجدها‭ ‬السالك‭ ‬في‭ ‬رمال‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى،‭ ‬وقد‭ ‬يعثر‭ ‬عليها‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬المدن،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬ضفاف‭ ‬النهر‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى