
تتفاقم أزمة السكن في ليبيا مع ارتفاع الحاجة إلى المسكن وغياب الحلول المستدامة؛ فيما تحاول الدولة مواجهتها من خلال مبادرات الإسكان الشبابي والقروض التي تصل إلى 150 ألف دينار إلى جانب خيارات أخرى تقوم على إزالة بعض المباني وتوسعة وإعادة بناء المناطق.
ومع إعلان وزير الشباب بحكومة الوحدة الوطنية ورئيس اللجنة العليا للإسكان الشبابي هيثم الزحاف صرف دفعات المبادرة على ثلاث مراحل وتسوية أوضاع 1490 مواطناً سبق التعاقد معهم ولم يتسلموا مستحقاتهم تبرز تساؤلات حول مدى قدرة هذه المبادرات على معالجة جذور الأزمة وليس فقط الاستجابة لجزء منها.
ويطرح الاستطلاع ثلاثة أسئلة رئيسة: أولاً: هل أزمة السكن ناتجة عن نقص الوحدات السكنية فقط أم أن ضعف التخطيط العمراني وسوء إدارة الأراضي والمباني القائمة يمثلان جزءًا أساسياً من المشكلة؟
ثانياً: كيف يمكن للدولة التوسع في مشاريع الإسكان وإعادة البناء دون المساس بالمباني التاريخية والأحياء التراثية المحمية بالقانون؟
ثالثاً: إلى أي مدى تلتزم الجهات التنفيذية بالقوانين المنظمة للحفاظ على التراث العمراني عند تنفيذ مشاريع الإسكان أو إزالة المباني ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع المخالفات؟
ضعف التخطيط العمراني
د. سعيد الشرشاري المتخصص في القانون أوضح أن أزمة السكن في ليبيا لا ترتبط بنقص الوحدات السكنية فقط بل يمثل ضعف التخطيط العمراني وسوء إدارة الأراضي والمباني القائمة جزءًا أساسيًا من المشكلة. وأن من أسباب أزمة السكن هو غيابُ الدعم المالي لتفعيل صندوق إعمار جنوب طرابلس وكذلك غياب التخطيط الفعّال وضعف الرقابة وتطبيق التشريعات أدى إلى التوسع العمراني العشوائي وعدم الاستفادة المثلى من الأراضي العديدة المتروكة والمهمشة في ضواحي طرابلس لو تستفيد منها الدولة فإنها تحل مشكلة السكن العشوائي الحصول على طالبي منزل صالح لسكن في منطقة جديدة بها خدمات ومنفذة وفق معايير تخطيط المدن الذكية مع ضرورة الاستدامة في إعطاء القروض حسب المعاش حيث أن الزيادة السكانية تزداد كل عام لذلك فإن معالجة الأزمة تتطلب إلى جانب توفير وحدات جديدة تحسين إدارة الأراضي والمباني وتفعيل الرقابة وتطوير التخطيط العمراني والآليات المؤسسية والرقمية. وأشار إلى ضرورة الاستفادة من المؤتمرات العلمية والبحوث والدراسات المتخصصة التي يقدمها الأكاديميون والخبراء والمهتمون بحل مشكلة السكن وبالتطوير العمراني وتحويل توصياتها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
وفي سياق آخر أكد خليفة الساحلي عضو تدريس بمدرسة خاصة أن الدولة مطالبة بإعادة ترتيب أولوياتها قبل إطلاق برامج الدعم المالي خاصة تجاه الأسر التي فقدت أو تضررت مساكنها خلال حرب 2019م وهي إما في إيجار وإما تعاني الفقر نظرا لصرف مرتباتهم على صيانة منازلهم مع توقف استمرار إعطاء جبر الضرر لمن سلموا ملفاتهم لبلديتهم. كما توقفت برامج دعم صندوق الزواج والقروض الزراعية والسكنية إضافة إلى عدم إنجاز بعض الوحدات السكنية ضمن مشروعات إعمار جنوب طرابلس وبطء تنفيذ بعض مشروعات الطرق.
د. مهيبة فرنكة رئيس مجلس الأمناء بجامعة الرفاق ورئيس المؤتمر أكدت على أهمية المؤتمرات العلمية لحل مشكلة السكن وأشارت إلى نجاح مؤتمر الإعمار والتعمير في ليبيا الذي نظمته الجامعة صباح يوم الاثنين 27 يوليو 2026م في فندق المهارى مشيرة إلى أن المؤتمر شهد حضورًا وطنيًا وأكاديميًا ومجتمعيًا واسعًا عكس أهمية قضية الإعمار ودور المؤسسات العلمية في دعم جهود التنمية وبناء الدولة وقد تميز بمشاركة العديد من المهندسين والأساتذة في مجال تخطيط المدن والبناء والعمارة من عدة مدن ليبية شرق وغرب وجنوب . موضحة أن الجامعة تؤدي دورًا يتجاوز العملية التعليمية إلى الإسهام في صناعة التنمية وخدمة المجتمع وأضافت أن أوراق العمل والنقاشات العلمية في المؤتمر أكدت امتلاك ليبيا للكفاءات والخبرات القادرة على قيادة مرحلة الإعمار متى توفرت الرؤية والتخطيط والتنسيق والإرادة مشيرة إلى أن توصيات المؤتمر تمثل بداية لمسار علمي وعملي يهدف إلى دعم مشاريع إعادة الإعمار وبناء الإنسان والمؤسسات والدولة.
التشريع موجود .. لكن أين الرقابة؟
ترى د.فوزية فرج سليمان المتخصصة في القانون العام أن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب التشريعات بقدر ما يرتبط بضعف تطبيقها ومحدودية فاعلية الرقابة الإدارية, موضحة أن تنفيذ مشروعات الإسكان وإزالة المباني يواجه أحيانًا ضعفًا في الرقابة وتداخلًا في الاختصاصات ما قد يؤدي إلى تجاوز الإجراءات القانونية الخاصة بحماية التراث. وتؤكد أن المسؤولية عند وقوع المخالفات تقع على كل من يثبت تورطه في إصدار القرار أو تنفيذه أو التقاعس عن الرقابة وفقًا للقانون مشددة على أن حماية التراث مسؤولية وطنية وأن تعزيز المساءلة والشفافية يمثلان أساسًا للتنمية العمرانية المستدامة وصون ذاكرة المدن للأجيال القادمة.
الأولوية للمشروعات السكنية المتوقفة
ومن جانبه أكد د.محمد حمودة تخصص قانون جامعة نالوت على ضرورة إعطاء الأولوية للمشروعات السكنية المتوقفة منذ عام 2011م والتي يفترض أن يكون لها الأسبقية في الدعم المالي فهي تستوعب أعدادًا كبيرة من طالبي السكن إذا استُكملت وأُعيد تفعيلها فالسكن تحت إشراف الدولة يريح الشباب من مشقة البحث عن منزل بسعر 150 ألف ويؤكد أن التخطيط العمراني يحتاج إلى الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة وإلى تشريعات فعالة وآليات تضمن تطبيقها في ظل انتشار الورش والمصانع داخل الأحياء والمحال التجارية في الشوارع الضيقة ووجود بعض المدارس والجامعات في مواقع غير ملائمة. ويحذر حمودة من استمرار التوسع العمراني العشوائي على حساب الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء وما يترتب عليه من سوء استخدام الموارد الطبيعية واتساع التصحر والتلوث البيئي. ويرى أن الحل يتطلب رؤية عمرانية شاملة تجمع بين استكمال المشروعات السكنية المتوقفة وتطبيق القوانين وإعادة تنظيم استعمالات الأراضي، وتوظيف التكنولوجيا في إدارة المدن.
القرض السكني حل مؤقت لشباب
وفي سياق آخر قال الشاب فتحي الحبيشي مهندس مساحة أن سياسة القروض لسكن الشباب لها سلبيات منها فتح شهية التجار و رجال الأعمال المستثمرين في شراء الأراضي الزراعية خاصة ضواحي طرابلس كأراضي جنوب تاجوراء و عين زارة الجنوبي وأراضي جنزور والسواني والقصر و السبيعة وغيرها وتحويلها إلى مقسمات سكنية عشوائية تعرقل التخطيط العمراني مستقبلاً وتسبب في تقليص النشاط الزراعي مما قد يضطر لاستيراد الفواكه والخضار من خارج ليبيا وبالعملة الصعبة وهذا يزيد من الأسعار مستقبلا.
وفي السياق ذاته يرى المستشار القانوني أ. محمد أن قرض 150 ألف لغرض السكن لا يوافق الواقع المعاش فالدولار مازال مرتفع والأسعار في تزايد وهذا القرض على دفعات وبين إتمام إجراءات الحصول على قرض يتعب الشباب حتى يتمكن من الحصول على الدفعة الأولى تم الثانية تم الثالثة فيتوقع بعدها أن يرتفع الدولار وتزيد الأسعار سواء شراء سكن أو بناء وأغلب أصحاب المنازل لا يفضلون بيع منزله لمن يقترض من المصرف .
نزع الصفة الزراعية سبب البناء العشوائي
ويقترح د.نوري أبو حميرة الفرنوك مهندس سابق في مصلحة التخطيط العمراني إعادة تخطيط وتصنيف المعسكرات والثكنات العسكرية باعتبارها مخزونًا عقاريًا استراتيجيًا يمكن توظيفه في معالجة أزمة السكن والحد من البناء العشوائي بما يُسهم أيضًا في توفير بيئة عمرانية أكثر تنظيمًا وتعزيز الأمن المجتمع .
وأضاف أن نزع الصفة الزراعية عن بعض الأراضي ومنح تراخيص البناء خارج المخططات أسهما في انتشار البناء العشوائي وتقليص الحيازات الزراعية قبل أن تلتحم هذه التوسعات تدريجيًا بالمخططات المعتمدة كما حدث في طرابلس وعدد من المدن الساحلية ويضيف أن الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن نتيجة ضعف التنمية المكانية والتصحر وشح المياه زادت الضغط على المدن في حين أدى عدم الاستقرار الإداري والسياسي وتغير السياسات الاقتصادية إلى إرباك المخططات العمرانية.
القرض السكني يعالج أزمة السكن مؤقناً
وأوضح م. محمد الميلودي باحث في مجال التخطيط والإسكان أن القروض السكنية قد تكون معالجة مؤقتة لكنها لا تمثل حلًا جذريًا لأزمة الإسكان لأن احتياجات الأسرة تتغير مع نموها وقد يجد الشاب نفسه بعد سنوات أمام الحاجة إلى مسكن أكبر أو الدخول في التزامات مالية جديدة. لذلك، يجب أن تنتقل الدولة من سياسة منح القروض إلى سياسة إسكان متكاملة ومستدامة تقوم على توفير وحدات سكنية ملائمة واستغلال الأراضي والمباني العامة غير المستغلة وإعادة توظيف المخزون العقاري القائم وإنشاء أحياء سكنية متكاملة الخدمات تستوعب النمو السكاني وتضمن للشباب استقرارًا سكنيًا طويل الأمد. وأوضح أن الأفضل أن تتحول سياسة الدولة من «تمويل شراء مسكن» إلى «توفير مسكن ملائم ومستدام».
وحول أزمة السكن
ترى أميرة أهبيل أن الحل يكمن في إعادة تأهيل المباني القائمة، واستغلال الأراضي الفضاء والمملوكة للدولة وتوجيه التوسع العمراني إلى المناطق المناسبة بعيدًا عن المراكز التاريخية مع حماية المباني والأحياء التراثية. وتشدد على ضرورة التزام الجهات التنفيذية بالقوانين وإجراء الدراسات العمرانية والتاريخية قبل الإزالة أو التوسع وتحميل المسؤولية القانونية للجهات أو المسؤولين عند وقوع المخالفات.
إعادة تأهيل المباني المهجورة لحل أزمة السكن
علي ميلاد التركي باحث في التخطيط الحضري شارك في المؤتمر العلمي بدراسة تأثير غياب الإضاءة الحضرية في الفضاءات المفتوحة على جودة الحياة والأمان الحضري بمدينة الخمس وأظهرت أن ضعف الإضاءة يؤثر في الاستخدام الليلي والشعور بالأمان ما يستدعي إدماجها ضمن التخطيط العمراني. كما شارك في دراسة بعنوان: دور التكوين المعماري للعناصر الدفاعية في تحقيق استدامة العمارة التراثية: دراسة توثيقية تحليلية لقلعة القصر بقصر الأخيار وأكدت إمكانية الاستفادة من عناصر العمارة التقليدية والمواد المحلية في تطوير عمارة حديثة ومستدامة.
ويقترح معالجة الأزمة عبر استغلال الأراضي الفضاء وتشجيع البناء الرأسي ولحل مشكلة البحث عن سكن لشباب يري ضرورة إعادة تأهيل المباني المهجورة مثل التي توجد في المدن القديمة .
وشدد على أن يكون التوسع العمراني خارج المناطق التاريخية مع إعداد مخططات حديثة تحافظ على التراث وتوفر احتياجات السكن.
ويشير إلى تفاوت التزام الجهات التنفيذية بالقوانين ووجود مخالفات نتيجة ضعف الرقابة أو تجاوز الإجراءات مؤكدًا أن المسؤولية تقع على الجهة المنفذة عند ثبوت المخالفة وتمتد إلى الجهات المشرفة والرقابية إذا قصّرت في المتابعة باعتبار أن حماية التراث مسؤولية مشتركة.
غياب الإرادة تبقى على أزمة السكن
د. فوزي محمد علي عقيل عميد مدرسة العلوم التطبيقية والهندسية قال قدمت دراسة عن كفاءة البنية المكانية لمخطط مدينة سبها حيث أظهرت ضعفًا في ترابط ووضوح النسيج العمراني وكذلك دراسة أخرى عن مدينة سرت بعد الحرب أكدت أن إعادة الإعمار يجب ألا تقتصر على إصلاح المباني، بل تشمل تحسين الترابط بين أجزاء المدينة وشبكات الحركة.
ويرى عقيل أن معالجة أزمة السكن تتطلب مراجعة المخططات العمرانية واستغلال الأراضي والمباني القائمة وربط مشاريع الإسكان بالطرق والخدمات لضمان مدن أكثر كفاءة واستدامة.
مؤكدًا على أن نجاح أي مشروع سكني يُقاس بما يتم إنجازه وتسليمه للمواطنين لا بعدد المشاريع المعلنة أو أحجار الأساس محذراً من أن استمرار غياب الإرادة والاستمرارية سيبقي أزمة السكن قائمة حتى مع إنفاق مليارات الدنانير. حتى مع توافر التمويل والمشروعات والأراضي فإن معالجة أزمة بهذا الحجم لن تتم خلال سنوات قليلة لأنها نتاج تراكمات امتدت لأكثر من نصف قرن وتحتاج ليبيا إلى برنامج وطني طويل الأمد لا يتغير بتغير الحكومات، أو المسؤولين ويجمع بين الإسكان والتخطيط العمراني وإدارة الأراضي والنقل والخدمات وحماية التراث.
فالمال يمكن أن يبني جدراناً لكنه لا يصنع مدينة متكاملة والقرض يمكن أن يساعد المواطن في بناء منزل لكنه لا يستطيع وحده أن يخطط شارعاً أو يوفر شبكة صرف صحي أو يحمي مبنى تاريخياً.



