من سلوق إلى العقيلة : 95 عامًا على إعدام شيخ الشهداء اعتراف إيطالي : نحن نقتل جيلاً ينجب مجاهدين ..
علي العزابي

في السادس عشر من سبتمبر من كل عام تمر علينا ذكرى استشهاد الشيخ البطل أسد الصحراء عمر المختار وقد اقتربنا من مئوية استشهاده ولم يتبقَ عليها إلا خمس سنوات.
نستحضر فيها حادثة إعدامه «شنقًا» على يد الغزاة الطليان في معتقل سلوق صبيحة الأربعاء الحزين السادس عشر من سبتمبر من العام 1931، وأمام عشرين ألفاً من الرجال، والنساء، والأطفال ساقتهم سلطات الاحتلال عنوةً وقهرًا وترهيبًا لحضور إعدامه..
كيف أرعب شيخٌ في الثالثة والسبعين جيش موسوليني ؟!
بعد محكمة صورية هزيلة التي أقيمتْ له ولم تستغرق إلا يومًا واحدًا ولم تراعِ كبر سنه وهو في الثالثة والسبعين وكان يشكو من الحُمى، لكنه ظل كالأسد قويًا في تلك اللحظات العصيبة، حتى أنه رفض دفاع المحامي الإيطالي عنه قائلاً:
)لا أريد دفاعًا من عدو، ودفاعي هو إيماني وحق شعبي(.
ولم يطلب الرحمة البتة من القاضي الإيطالي حينما سأله عن قتاله للإيطاليين فأجابه: )إنني أدافع عن وطني وديني وشعبي لا تظنون أنني سأطلب منكم الرحمة(. فقد ظل «المختار» يقاتل الغزاة الطليان لعشرين سنة دون هوادة، ولم يلن، أو يستكن، أو يخضع لإغراءاتهم وإملاءاتهم وما وعدوه به مقابل أن يستسلم ويترك الجهاد ضد هؤلاء الغزاة.
وقد حاربهم وتصدى لهم في أشرس وأقوى المعارك الشهيرة كـ)السلاوي وبوشمال والزويتينة والبريقة ودرنة والرحيبة(، وغيرها كثير، يقاتل جيشًا غاصبًا محتلاً مدججًا بأكثر من ثلاثين ألف جندي وبأحدث الأسلحة في ذلك الوقت في طليعتها الطيران الحربي الذي استُخدم لأول مرة على الأرض الليبية.
لكن شجاعة الشيخ البطل ومَنْ معه من رفاق السلاح وإيمانه المطلق بالدفاع عن الوطن في أي بقعة من ترابه الطاهر الذي روته دماء أبنائه الزكية، منحته القوة والصلابة والعزم متسلحًا بالإيمان على مواجهة المحتلين الغزاة.
ففي مدة لا تتجاوز عشرين شهرًا وكما جاء في صفحة الوقائع الحربية من كتاب «عمر المختار» للشيخ الطاهر الزاوي.
خاض عمر المختار مئتين وثلاثًا وستين معركة أذاق فيها الغزاة الويل ما دعا السفاح «غراتسياني» إلى الاعتراف بجسارة وذكاء وفطنة «المختار» واصفًا إياه في مذكراته )برقة المهدأة( بأنه كـ«الشبح يهاجم القافلة ثم ينسحب قبل وصول الطيران، قواته لا تنام في مكان واحد ليلتين». ويضيف: «من بين كل القادة الذين قابلتهم لم أرَ رجلاً عنيدًا وشجاعًا مثل عمر المختار، إنه أستاذ في حرب العصابات، يعرف الصحراء كما يعرف الإيطالي بيته، كان يملك عبقرية عسكرية فطرية».
فيما يصفه المؤرخ البريطاني «جون رايت» في كتابه )ليبيا، وتشاد، والجبل الأخضر( بأنه عبقري عسكري سبق عصره بأربعين سنة، تكتيكاته هي نفسها التي استخدمها جياب في فيتنام، وغيفارا في كوبا: الكر والفر والاعتماد على الحاضنة الشعبية وعدم المواجهة المباشرة مع جيش متفوق عسكريًا.
ويضيف المؤرخ جون: «المختار كان يقاتل وهو في الثالثة والسبعين عامًا، يركب الحصان لعشرين ساعة وينام في العراء، ويصوم رمضان في المعركة، متسائلاً: أي قائد في العالم يفعل ذلك؟!».
إبادة جماعية
إنَّ ما ارتكبته إيطاليا الفاشية بقيادة «رودولفو غراتسياني» في برقة وغيرها من المناطق هي جرائم حرب وإبادة جماعية ضد الإنسانية في مواجهة شعب أعزل مات جوعًا وعطشًا ومرضًا وقتلاً في معسكرات الاعتقال البغيضة وسط صحراء قاحلة تحيطها الأسلاك الشائكة من كل جانب.
وهنا يروي أول صحفي إيطالي كسر الصمت ويدعى «إريك ساليرنو» وذهب إلى معتقل العقيلة، حدثته بعض العجائز ممن بقين على قيد الحياة: كنا نأكل الجلود الميتة من الجوع!.
أطفال ونساء يموتون بلا طعام
وفي كتابه )الصحراء تحترق(، الصحفي الدنماركي «هولمبو» دخل برقة متخفيًا قال: رأيتُ عشرة آلاف امرأة، وطفل يموتون بلا طعام، رأيتُ الطيار الإيطالي يرمي قنابل الغاز على الخيام، سألتُ ضابطًا إيطاليًا: لماذا تقتلون الأطفال؟!. فقال: نحن نقتل جيلاً ينجب مجاهدين، هذه ليست حربًا هذه إبادة بطيئة.
فتحتُ الأرشيف العسكري الإيطالي وجدتُ أوامر مكتوبة: استخدموا الغاز، أحرقوا القرى، اقتلوا الماشية.
هكذا يصف ما اطلع عليه المؤرخ الإيطالي «ديل بوكا».
ويضيف: لقد أحرقوا 870 قرية بالكامل بمنطقة الجبل الأخضر، ولم يتركوا إلا الخراب والرماد ..!
الفظائع السود الحمر أو التمدين بالحديد والنَّار
هو عنوان لكتاب صدر في العام 1931 عقب إعدام شيخ الشهداء عمر المختار، يقع في 116 صفحة من الحجم الصغير. هذا الكتاب رغم صغر حجمه إلا أنه احتوى على كامل الفظائع والجرائم التي مارسها الاستعمار في حق الشعب الليبي، وإن كانت جرائم الطليان لا تسعها عشرات المجلدات لكثرتها وفظاعتها التي فاقت الوصف.
قرابة مليون شهيد ليبي ضحايا الحرب
قدر الصحفي اللبناني عبد الخالق محفوظ في مقالٍ نُشر له في إحدى الصحف اللبنانية قبل ثمانين عامًا تقريبًا أن عدد الليبيين الذين استشهدوا في الحرب الإيطالية على ليبيا قُدر بحوالي 820,928 شهيدًا أي ما يقرب من مليون شهيد وأن أغلب الدلائل تؤكد صحة هذا الرقم!
مما حدا بالآلاف من الليبيين الذين بقوا على قيد الحياة إلى الهجرة إلى البلاد المجاورة هربًا من بطش الاستعمار وجرائمه في حق العزل من الأطفال والشيوخ والنساء، وقد كان النصيب الأكبر من أعداد المهاجرين إلى الدول العربية المجاورة، حيث نزح إلى مصر مائة ألف نسمة، وعشرون ألف مهاجر إلى تونس وعشرة آلاف إلى تركيا، ومثلها إلى الشام سوريا ولبنان.
الصحف العالمية عار وإبادة منظمة!!
أجمعت الصحف العالمية الشهيرة في الثلاثينيات على فظاعة، وهمجية الاستعمار الإيطالي وما خلفه من مآسٍ وأضرار لحقتْ بالشعب الليبي الأعزل.
«الغارديان» البريطانية وصفت ما حدث بالإبادة المنظمة، بينما قالتْ «لوموند» الفرنسية: برقة تحولتْ إلى مقبرة مفتوحة.
وختمتْ «التايمز» البريطانية تأكيدها أن الذي حدث عار على الحضارة الإنسانية!.
المختار عبقرية عسكرية فطرية اعترف بها العـــــــــــــــــــــدو قبل الصديق !
مركز السلام ببنغازي يُحيي الذكرى 95 لاستشهاد عمر المختار
فجرُ الجُمعة الأخيرة
الحادي عشر من سبتمبر 1931م



