
رحلةٌ بدأتْ في الثانية والعشرين من عمرها، وانتهت إلى اسمٍ بارز في عالم الإخراج الصحفي
حين تقع عين القارئ على صفحة متناسقة، أو عنوانٍ يجذب الانتباه، أو صورةٍ موضوعة في مكانها بدقة، غالبًا ما يذهب اهتمامه إلى ما كُتب أمامه، دون أن يتساءل عمّن يقف خلف هذه التفاصيل الصغيرة التي تصنع في مجموعها هوية الصفحة وروح الصحيفة.
خلف كل إخراجٍ متقن، عينٌ تَرى ما لا يراه الآخرون، وذائقةٌ بصرية تعرف كيف تمنح الكلمة مكانها والصورة معناها، ويدٌ تحوّل الفكرة إلى صفحة نابضة بالحياة. ومن خلف الكواليس، اختارتْ أميرة أحمد الشرع أن تصنع حضورها، لا بالكلمات وحدها، وإنما بفن الإخراج الصحفي الذي أصبح شغفًا، ومهنة وبصمةً يعرفها زملاؤها في الوسط الإعلامي.
● البداية..حين اكتشف الآخرون موهبتها
في عام 2005، دخلتْ «أميرة» عالم الصحافة وهي في الثانية والعشرين من عمرها، في وقت لم يكنْ حضور المرأة في بعض المجالات الفنية والإخراجية بالسهولة التي هو عليها اليوم. وكانت صحيفة «الجماهيرية» محطتها الأولى، ومنها بدأتْ ملامح تجربتها تتشكل.
في تلك البداية، كان للأستاذ عبدالرزاق الداهش دورٌ مهمٌ في اكتشاف موهبتها وتوجيهها نحو المجال الذي وجدتْ فيه نفسها. وتتذكر «أميرة» كلماته التي ظلتْ حاضرة في ذاكرتها: )مكانكِ في الإخراج الصحفي..وبعون الله ستكونين لامعة ومتميزة(.
لم تكنْ تلك الكلمات مجرد تشجيع عابر، بل تحولتْ إلى مسؤولية ودافع للعمل. فاختارتْ أن تثبت موهبتها بالممارسة، وأن تجعل من الاجتهاد طريقًا لتطوير نفسها، حتى بدأتْ خطواتها الأولى تتحوَّل تدريجيًا إلى تجربة مهنية أكثر نضجًا وحضورًا.
● من صحيفة إلى
أخرى بصمة لا تغيب
انتقلتْ «أميرة» بعد ذلك إلى صحيفة «أويا»؛ حيث لاقت أعمالها إشادة من كوادر فنية في صحيفة «الأهرام» المصرية، وهو تقديرٌ شكّل محطة مهمة في مسيرتها، ورسّخ ثقتها بقدرتها على تقديم إضافة حقيقية في مجال الإخراج الصحفي. ومع اتساع تجربتها، واصلتْ حضورها في صحيفة «فبراير» منذ صدور عددها الأول، كما عملتْ في صحف ومطبوعات أخرى، من بينها «الرياضة الليبية، وليبيا الجديدة»، إلى جانب عدد من الصحف والمجلات التي تركتْ فيها بصمتها الفنية، مثل صحف )فشلوم، بوسليم، الشط، طرابلس، العزيزية الكبرى، الجفارة، والأركان، صدى الجامعة( فضلاً عن مجلة «جسور»، وصحيفة «العمل»، ومجلة «الجمارك» وغيرها.
ولم تتوقف تجربتها عند المؤسسات الصحفية، بل امتدتْ إلى المجال الأكاديمي؛ حيث أسهمتْ في إخراج عدد من الصحف، والمجلات الخاصة بمشروعات تخرج طلبة كلية الفنون والإعلام، لتصبح خبرتها المهنية جسرًا تنتقل عبره المعرفة إلى جيل جديد من الإعلاميين.
● بين المهنة والأسرة
نجاح بلا ضجيج
وراء هذا المسار المهني الطويل، تقف امرأة لم تجعل نجاحها المهني منفصلاً عن حياتها الأسرية. فهي زوجة وأم لثلاثة أبناء، استطاعتْ أن توازن بين مسؤوليات البيت ومتطلبات العمل، وأن تمنح كلاً منهما حقه دون أن تتخلى عن شغفها بالمهنة.
ولا يقتصر تقدير زملائها لها على الجانب المهني، فالكفاءة ليستْ وحدها ما صنعت مكانتها، بل رافقها تواضعٌ وأخلاقٌ رفيعة وروحٌ متعاونة، جعلتْ حضورها الإنساني لا يقل أثرًا عن حضورها المهني.
«أميرة أحمد الشرع» ليستْ مجرد مخرجة صحفية تقف خلف الصفحات، بل واحدة من النساء اللواتي أثبتن أن العمل المتقن يترك أثره حتى عندما لا يظهر اسم صاحبه في الواجهة. فقد صنعتْ مسيرتها خطوةً بعد أخرى، وحافظتْ على شغفها رغم تغير الزمن وتطور أدوات الصحافة.
وفي مهنة تتبدل فيها الوجوه والعناوين سريعاً، تبقى بعض البصمات عصية على النسيان؛ لأنها لم تُبنَ على الصدفة، وإنما على الموهبة والاجتهاد والإيمان بأنَّ الإتقان ليس تفصيلاً في العمل الصحفي، بل هو ما يمنحه قيمته وهويته.
وهكذا تظل «أميرة» أنموذجًا للمرأة الليبية التي اختارتْ أن تصنع نجاحها بهدوء، وأن تترك للصفحات أن تتحدث عنها.


