مرايا

حين تتحوَّل لحظة انفعال إلى نهاية لا تُراد

لم‭ ‬تكن‭ ‬تريد‭ ‬الطلاق‭. ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬زوجها‭ ‬بقيمتها،‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أنها‭ ‬غاضبة،‭ ‬وربما‭ ‬أن‭ ‬يتراجع‭ ‬عن‭ ‬موقفه‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬خلافات‭ ‬سابقة‭. ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة،‭ ‬خرجتْ‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬انفعال،‭ ‬ستتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الغضب‭ ‬لتصبح‭ ‬واقعًا‭ ‬يغيّر‭ ‬حياتها‭.‬

تقول‭ ‬اليوم،‭ ‬وهي‭ ‬تستعيد‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحكاية‭ ‬بنبرة‭ ‬يملؤها‭ ‬الندم‭:‬

‭)‬زوجي‭ ‬كان‭ ‬رجلاً‭ ‬محترمًا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمل‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬معنى،‭ ‬كريم‭ ‬الأخلاق‭ ‬وحنون،‭ ‬وما‭ ‬قصّرش‭ ‬معاي‭ ‬في‭ ‬شيء‭(.‬بدأ‭ ‬الخلافُ‭ ‬من‭ ‬موقفٍ‭ ‬يبدو،‭ ‬في‭ ‬ظاهره،‭ ‬بسيطاً‭.‬

كان‭ ‬زوجها‭ ‬قد‭ ‬أوصلها‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬أهلها،‭ ‬كما‭ ‬اعتاد،‭ ‬ثم‭ ‬قرَّر‭ ‬أهلها‭ ‬السفر‭. ‬أخبرته‭ ‬بأنها‭ ‬ستذهب‭ ‬معهم،‭ ‬فطلب‭ ‬منها‭ ‬ألا‭ ‬تسافر،‭ ‬وقال‭ ‬إنه‭ ‬سيعود‭ ‬بعد‭ ‬يومين،‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة،‭ ‬وأن‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬بيتها‭. ‬لكنها‭ ‬أصرتْ‭.‬

قال‭ ‬لها‭: ‬‭)‬كان‭ ‬سافرتي‭..‬راهو‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬فينا‭ ‬في‭ ‬طريق‭(.‬

وجاء‭ ‬ردها‭ ‬سريعًا،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بالعناد‭: ‬‭)‬دير‭ ‬اللي‭ ‬يساعدك‭(. ‬وسافرت‭.‬

بعد‭ ‬عودتها،‭ ‬أرسلتْ‭ ‬إليه‭ ‬تسأله‭:‬

‭)‬إمتى‭ ‬بتجي‭ ‬تاخذني؟‭(‬‭.‬

لكن‭ ‬الرَّد‭ ‬جاء‭ ‬مختلفًا‭ ‬عما‭ ‬كانتْ‭ ‬تنتظره‭: ‬‭)‬خليكي‭ ‬عند‭ ‬أهلكِ‭ ‬خير‭(‬‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬تصاعد‭ ‬الغضب،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬عواقب‭ ‬ما‭ ‬ستقوله‭. ‬قالت‭ ‬له‭: ‬‭)‬أنتَ‭ ‬منكش‭ ‬قد‭ ‬الزواج‭ .. ‬طلّقني‭(‬‭.‬

كانتْ‭ ‬تتحدث‭ ‬بانفعال،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوقع‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الكلمة‭ ‬قرارًا‭.‬

ذهبتْ‭ ‬إلى‭ ‬أهلها،‭ ‬وروتْ‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬ظنًا‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تدخلهم‭ ‬قد‭ ‬ينهي‭ ‬الخلاف‭ ‬ويعيد‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نصابها‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬اتسع،‭ ‬ودخل‭ ‬الأبُ‭ ‬والأخُ‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬الأزمة،‭ ‬واشتدتْ‭ ‬المواجهة،‭ ‬وقيلت‭ ‬للزوج‭ ‬كلمات‭ ‬جارحة‭.‬

لم‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬سجال‭ ‬طويل،‭ ‬ولم‭ ‬يرد‭ ‬الإساءة‭ ‬بمثلها،‭ ‬لكنه‭ ‬اتخذ‭ ‬قراره‭.‬

وقع‭ ‬الطلاق‭ ..‬

انتهتْ‭ ‬الكلماتُ،‭ ‬لكن‭ ‬آثارها‭ ‬لم‭ ‬تنتهِ‭.‬

اليوم،‭ ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬نهاية‭ ‬عدتها،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬الخلاف،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬لاستعادة‭ ‬ما‭ ‬خسرته‭. ‬تقول‭ ‬بحسرة‭:‬

‭)‬والله‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬نبي‭ ‬الطلاق‭..‬كنت‭ ‬نبي‭ ‬بس‭ ‬يحس‭ ‬بقيمتي‭. ‬توا‭ ‬مستعدة‭ ‬نعتذر‭ ‬ونترجاه‭(‬‭.‬

لكن‭ ‬محاولات‭ ‬الإصلاح‭ ‬تصطدم‭ ‬بموقف‭ ‬الزوج‭:‬

‭)‬هي‭ ‬اللي‭ ‬طلبتْ‭ ‬الطلاق،‭ ‬وبوها‭ ‬وخوها‭ ‬حتى‭ ‬هما‭(.‬

وهكذا‭ ‬تحوَّلتْ‭ ‬مشادة‭ ‬عابرة‭ ‬إلى‭ ‬جدار‭ ‬يصعب‭ ‬تجاوزه،‭ ‬وأصبح‭ ‬النَّدم‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬فيها‭ ‬للكلمة‭ ‬الطيبة‭ ‬أن‭ ‬تنقذ‭ ‬الموقف‭.‬

هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مذنبٍ‭ ‬واحدٍ،‭ ‬ولا‭ ‬تمنح‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬براءة‭ ‬كاملة‭.‬

فكل‭ ‬خلاف‭ ‬زوجي‭ ‬له‭ ‬تفاصيله‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يعرفها‭ ‬إلا‭ ‬أصحابه‭. ‬لكنها‭ ‬تطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬أكبر‭:‬

لماذا‭ ‬نستخدم‭ ‬الكلمات‭ ‬المصيرية‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الغضب‭ ‬وكأنها‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للضغط؟‭.‬

فالخلاف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الزوجية‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي،‭ ‬لكن‭ ‬الخطر‭ ‬يبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يتحوَّل‭ ‬إلى‭ ‬تحدٍّ،‭ ‬ويصبح‭ ‬الطلاقُ‭ ‬تهديدًا،‭ ‬ويتدخل‭ ‬الآخرون‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬الزوجان‭ ‬نفسيهما‭ ‬فرصة‭ ‬للهدوء‭ ‬والتفاهم‭.‬

ما‭ ‬قيل‭ ‬بين‭ ‬زوجين‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬بينهما،‭ ‬لكن‭ ‬دخول‭ ‬الآخرين‭ ‬أحياناً‭ ‬يجعل‭ ‬التراجع‭ ‬أصعب،‭ ‬لأنَّ‭ ‬الخلاف‭ ‬يتحوَّل‭ ‬من‭ ‬مشكلة‭ ‬عاطفية‭ ‬إلى‭ ‬مسألة‭ ‬كرامة‭ ‬ومواقف‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الطلاق‭ ‬هو‭ ‬لحظة‭ ‬وقوعه،‭ ‬بل‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يجلس‭ ‬فيها‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬وحيدًا،‭ ‬يستعيد‭ ‬الكلمات‭ ‬التي‭ ‬قالها،‭ ‬ويتمنى‭ ‬لو‭ ‬امتلكَ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬قدرة‭ ‬الصمت‭.‬

فبعض‭ ‬الكلمات‭ ‬تُقال‭ ‬في‭ ‬دقيقة‭… ‬لكن‭ ‬ثمنها‭ ‬قد‭ ‬يُدفع‭ ‬لسنوات‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى