مرايا

لا تقتلوا الوصل

ميار علي

كان‭ ‬زماننا‭ ‬مختلفًا؛‭ ‬كان‭ ‬الحوش‭ ‬يجمعنا،‭ ‬و«القصعة‮»‬‭ ‬الواحدة‭ ‬تكفينا،‭ ‬والفرح‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إلا‭ ‬بحضور‭ ‬الجميع‭.‬

كانت‭ ‬صلةُ‭ ‬الرحم‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬لا‭ ‬واجبًا‭ ‬نؤديه‭ ‬حين‭ ‬تسمح‭ ‬الظروف‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬تغيّرتْ‭ ‬ملامح‭ ‬كثيرة‭. ‬يتزوج‭ ‬الأخ،‭ ‬فينشغل‭ ‬ببيته‭ ‬وزوجته،‭ ‬وأبنائه،‭ ‬وتبتعد‭ ‬الأخت‭ ‬خلف‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬الجديدة،‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬الأم‭ ‬التي‭ ‬سهرتْ‭ ‬وربّتْ‭ ‬وضحّتْ،‭ ‬مجرد‭ ‬اسم‭ ‬يُتذكر‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭.‬

لكن،‭ ‬هل‭ ‬الزواج‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نغلق‭ ‬أبوابنا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬أهلنا؟‭. ‬وهل‭ ‬الانشغال‭ ‬بالحياة‭ ‬مبرَّر‭ ‬لأن‭ ‬تمر‭ ‬أسابيع‭ ‬وشهور‭ ‬دون‭ ‬سؤال،‭ ‬أو‭ ‬زيارة؟

الأمُ‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬الكثير؛‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬هدية‭ ‬ثمينة،‭ ‬ولا‭ ‬مالًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تنتظر‭ ‬وجهًا‭ ‬تألفه،‭ ‬وصوتًا‭ ‬يطمئنها،‭ ‬ويدًا‭ ‬تطرق‭ ‬بابها‭ ‬لتقول‭ ‬لها‭: ‬ما‭ ‬زلتِ‭ ‬في‭ ‬القلب‭.‬

والأشد‭ ‬ألمًا‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬بعض‭ ‬الأبناء‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأم‭ ‬يوميًا،‭ ‬بينما‭ ‬يغيب‭ ‬آخرون‭ ‬طويلًا،‭ ‬ثم‭ ‬يعودون‭ ‬محمّلين‭ ‬بالعتاب‭ ‬واللوم،‭ ‬وكأنهم‭ ‬لم‭ ‬يتركوا‭ ‬الحمل‭ ‬كله‭ ‬على‭ ‬أكتاف‭ ‬غيرهم‭.‬

يا‭ ‬أبناء‭ ‬الأمهات‭..‬لا‭ ‬تجعلوا‭ ‬الزواجَ‭ ‬مقبرةً‭ ‬لصلة‭ ‬الرحم‭. ‬لزوجتك‭ ‬حق،‭ ‬ولأبنائك‭ ‬حق،‭ ‬ولأمك‭ ‬وإخوتك‭ ‬حق‭ ‬أيضًا‭. ‬فالعائلة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بخروجنا‭ ‬من‭ ‬بيتها،‭ ‬ولا‭ ‬تُختصر‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭.‬

تذكروا‭ ‬أنَّ‭ ‬الأبواب‭ ‬التي‭ ‬نؤجل‭ ‬طرقها‭ ‬قد‭ ‬تُغلق‭ ‬ذات‭ ‬يومٍ‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬وحينها‭ ‬لن‭ ‬ينفع‭ ‬الاعتذار،‭ ‬ولن‭ ‬تعود‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬أضعناها‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬الحياة‭.‬

لا‭ ‬تنتظروا‭ ‬مناسبة‭ ‬لتصلوا‭ ‬أرحامكم‭..‬فبعض‭ ‬الزيارات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬تمنحونه‭ ‬لمَنْ‭ ‬يحبكم،‭ ‬وأغلى‭ ‬ما‭ ‬تندمون‭ ‬على‭ ‬فقدانه‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى