
طحنتْ الأيامُ حبوب القمح كما طحنتْ صمت النساء، وتحت وقع دوران الرحى الحجرية، ولدتْ حكاياتٌ وصرخاتٌ وأشواق ومكائد ظلتْ حبيسة جدران البيوت المحافظة، لتعبر عنها المرأة الليبية دون سواها بمنبرها الإعلامي الأوحد الذي لا يقفل ولا يخضع للرقابة العرفية أو القبلية. ومع توقف هذا الإيقاع الخشن لزمن الرحى واكتساح البدائل العصرية لإنتاج الدقيق، غاب صوت الاحتكاك الحجري، لكن الدهشة الكبرى تكمن في استمرار وتناقل أهازيج النساء الهجائية والنقديّة إلى يومنا هذا؛ كأنها سيف بتار رفض أن يُغمد، ووثيقة تاريخية أنطقتها الحناجر بما عجز عنه المؤرخون والمدونون.
فبينما كان الرجل يكتفي بتطويع القصيدة الكلاسيكية، صنعت المرأة من طحن الحب فلسفةً بليغة ومقاومة ناعمة. وفي محاولة لتتبع هذا الأثر الباقي، يقف هذا التحقيق عند تقاطع الذاكرة الشعبية والنقد التراثي، مستفتحاً محطاته الأولى مع.. الباحث والناقد الشعبي/ عبد الحميد بن دلة من مدينة بني وليد، ليدلي برأيه العميق حول هذه الظاهرة وتطورها التاريخي والدلالي:
«ما سأقوله لا يصب في النقد؛ فالنقد هو الخوض في بحر القصيدة وتركيب كلماتها وأصل ومعنى هذه الكلمات المستخدمة، لكنني في مجال الأدب والتمحيص أقول: الشعر لا يزول بزوال قائله ولا حتى بزوال كلماته المستخدمة، بل كلما قدم ومضى عليه زمن صار أكثر تعقيداً واهتماماً لحاجة الناس لفك رموزه وحل شفراته المعقدة، وضل شاهداً ودليلاً على كلمات كانت تقال، ومقتنيات كانت تستخدم، وأقوال مأثورة كانت تردد، وموروثات كانت تحترم وتقدس. وما نسمعه من شعر جاهلي خلد أسماء شعراء نعرفهم وبيننا وبينهم قرون من الزمن إلا شاهداً على ما سبق وما يلحق.
وعرفت القصائد الشعرية بأنواعها
فمنها الأهجوزة، ومنها قصيدة البيتين «الرباعية»، ومنها قصيدة البيت الواحد «غناوة العلم». ونظرًا لسهولة حفظ الأخيرتين وتركيز وقوة كلماتهما، كانتا أكثر بقاءً، وأطول عمرًا من قصيدة «الأهزوجة». وعند التوقف مع «الرباعية»، فهي كثيرة ولكن مطلبنا ينحصر في «غناوة الرحى». ونقول فيها: نحن مجتمع محافظ، وصوت المرأة عندنا لا يسمع ووجهها لا يرى، فكيف لنا معرفة معاناتها وما بداخلها من أشواق ومكائد وغيرها؟
فقد كانت غناوة الرحى هي المنبر الإعلامي للمرأة الذي لا يقفل، ولا تحاسب عليه، ولا حدود فيه أدبية وقبلية وعرفية إلا ما حددت المرأة لنفسها. ومن هنا كانت غناوة الرحى لا تقارن بغيرها من الشعر، وتؤخذ بعين الاعتبار كجملة صادقة ورسالة واضحة أو مشفرة لمن يهمه الأمر.
وفي جانب آخر
كانت سيفاً بتاراً يخشى استخدامه لكثرة انتشاره واهتمام الناس به، فالكل يتحاشى أن تقول فيه امرأة غناوة رحى تنتقده أو تذمه. كما كانت أيضاً السيف البتار المحارب مع الفرسان؛ فغناوة رحى من شابة أو عانس عند الاستعداد للهجوم تجعل الفارس يضاهي عشرة أمثاله. لم يكن هذا فحسب، فهي في مجالات كثيرة فاقت القصيدة وغناوة العلم نظراً لخصوصيتها واهتمام السامعين لها، كما ساهمت في حفظ الموروث الثقافي والمقتنيات الشعبية، ودونت ما عجز عنه المؤرخون من المعارك والغزوات، وحتى النبل والكرم وحسن الضيافة، واستدل على ذلك فقط بهذين البيتين:
قالت:تكالن على أولاد محمود.. مكالات سيل المخاسر
وهدن منين زغرتت جود.. اشويات والريم ياسر
وفي الكرم قيل الكثير، وأضاف:
النقيق نا يا دقيقي ما يالك غير خاطر.. ولا غوالي على العين جو من بعيد المخاطر..
أما عن العصر الحديث، فالغزو الثقافي والفكري لم يترك شيئاً في مكانه؛ فرحلة غناوة الرحى لمناسبة الأفراح قد انتهت، ودخلت الموسيقى على القصيدة فصارت أغنية، ودخلت المادة على الشاعر فأصبح زكاراً، وهلم جرا. هجاوة الرحى توقفت؛ لم تعد محتاجة لكلاهما فقد ترجلت، وصار لها من ينادي بالمساواة بين الرجل والمرأة حتى في الميراث وخراب البيوت والنسيج الاجتماعي.»
وفي السياق ذاته، تُؤكد المهتمة بالتراث الشعبي الشفهي فاطمة الهوني أن:
أهازيج الرحى تُعدّ لوناً فريداً من التراث الشعبي الخالص وفناً نسائياً بامتياز، إذ ارتبطت المرأة ارتباطاً وثيقاً بالرحى فكانت رفيقتها الصامتة في خلوتها والوعاء الأمين الذي تبوح له بأسرارها وتفرغ فيه مكنونات نفسها وما تكابده من لوعة وشجون.
الرحى بين مشقة الجسد وتنفيس الروح:
تحملت المرأة أعباء جساماً في طحن الحبوب مبذولة جهداً مضنياً في إدارة حجري الرحى بواسطة مقبض خشبي، ولتخفيف وطأة هذا العناء كانت تترنم بأهازيج عذبة يمتزج فيها رنين النغم بخشخشة الرحى المنتظمة، وقد عكس هذا الغناء الفطري صدق معاناتها وما تلاقيه من إرهاق بدني ونفسي لتتحول طقوس الطحن اليومية إلى مساحة تعبيرية واسعة تشمل شكوى التعب والوجد الوطني والأسري والبكاء على الأطلال».
وتتابع الهوني:«بلاغة الاختزال ومشاعر كبرى في كلمات صغرى: تجلت مشاعر المرأة البسيطة والعميقة في آن واحد من خلال كلمات نابضة بالحياة تستحضر الحبيب والمعين وتناجي الجسد المتعب والرحى والزمن باختزال شديد لمعانٍ مكثفة تعبر عن العديد من الأشياء بكلمات بسيطة ومعدودة،
بين اندثار الحجر وبقاء الشاهد النفسي: تظل هذه الأهازيج شاهداً حيّا على دور الرحى كأداة تفريغ نفسي ومساحة علاجية للمرأة في مواجهة قسوة الحياة ووعورة الزمن، لتؤكد أن الإبداع النسوي التلقائي يبقى خالداً رغم تباعد الأزمنة، وتغير أدوات المعيشة».
الكبسولة الزمنية في رحاب البادية
حين تختفي الآلات من المشهد اليومي، قد تذبل تفاصيل الحكاية، إلا أن الرحى في الذاكرة الشعبية الليبية ظلت تحتفظ بمكانتها كأكثر من مجرد أداة لطحن الحبوب؛ إذ يصفها الباحث في التراث الشعبي/ حافظ صالح اشحيمة بأنها كبسولة زمنية متمثلة في الرحى، حتى بعد اختفاء الرحى، بقيت الكبسولة وهي قنبلة الحنين للأهل والنجع هذه الأداة الحجرية البسيطة لم تكن يوماً تعبيراً عن قسوة الحياة أو شقائها، بل كانت مسرحاً فنيّاً ونفسياً منسجماً، ومحطة إنسانية تلتقي عندها نساء البادية لتدندن، فتُطلق العنان لهجاوة الرحى لتكون أشبه ببريد عاطفي وثائقي ينقل مشاعر الغربة والحنين للأهل.
المرأة والنجع: بناء الجسور الاجتماعية
في تفاصيل الحياة البدوية، كان الرجل يبقى في نجع أهله بين أبناء عمومته، بينما ترحل المرأة وتسكن نجعاً آخر بالزواج. وهنا يبرز الدور الاجتماعي والوجداني الجليل للمرأة؛ فهي التي تقرب العرب وتأتي بعرب أخرى لأهلها».
ويضيف:« كانت أهازيج الرحى تصدح في أرجاء النجع وقت المغرب، وحين تقصد النساء بيت الجلاس تملأ أصواتهن الفضاء. بل إن كثيراً من النجوع والبيوت في برقة، مثل بيوت الفواخر، سُميت على أسماء نساء عُرفن بالمكانة والرفعة، وصولاً إلى زعامات تاريخية بارزة مثل الزعيمة البدوية الشهيرة احبارة التي عُرفت بمكانتها الرفيعة.
الهجاوة وغناوة العلم:
فن نسائي خالص وبنت الرحى
ينحصر التعبير الشعري القديم للمرأة البدوية في قالبين أساسيين: الهجاوة وغناوة العلم. والهجاوة فن نسائي صِرف، وتُعد بنت الرحى بامتياز، وتنقسم إلى نوعين «الرباعية وغناوة العلم»، وربما استُخدمت أحياناً كلغز بين النساء لاختبار الفطنة».
شواهد تاريخية من الذاكرة الشعرية:
ابنة بو رميلة: تُعد أقدم هجاوة قيل إن عمرها يجاوز 150 عاماً لابنة الشاعر الفحل بو رميلة، وهي ربيعة بنت يادم ارميلة، التي قالت فيها:
كمين وطن من بارق السيل.. نواره امسوي كداده..
بعيد المكانات بالحيل.. على غير هلنا مكاده..
«موضحة أن الكداد هو نبات ينبت في الأودية».
قصة الفطنة والزواج: تحكي الروايات عن امرأة وابنتها ذهبتا لنجع مجاور بحثاً عن الارتباط وإقامة الروابط الاجتماعية «اتريد ادير عرب ورمه»، فلما جلستا على الرحى، قالت الأم لابنتها بلغة الرمز:
شعيرها على الوطن ارقاق.. سفسوفة ملا عين الرحى..
بمعنى: لا رجل يصلح هنا للزواج، هبا فلنغادر إلى نجع آخر.
سيدة العواقير: يروي العم أحمد بورميلة أنه نزل ضيفاً على رفيق دربه بنجع قبيلة المنفة، فسمع صوت امرأة تطحن شعيرها وقمحها كل مغرب لتعد عشائها، وصوتها يصدح بذكر محاسن أهلها «وتلهد بخيل ضنا سيدها علينا»، في مشهد يعكس كيف كانت الهجاوي منبراً لترويير سير الأهل.
أنواع الرحى وأسرار تركيبها المادي
لم تكن الرحى قطعة حجر عادية، بل كانت لها أنواع دقيقة وأصول في التركيب والتأليف بين الفردتين «العلوي والسفلي»:
رحى الطوري: وتأتي من جبل طور بمصر، وتتميز بثقل وزنها ولونها الأسود.
رحى القبيصي: ويقال إنها من قابس التونسية، أو الأرجح من القبيص وهو مكان في جلوة السلوم، ولونها أفتح من الطوري.
قواعد تركيب الرحى:
تُوضع الرحى الأثقل «الطوري» دائماً في الأسفل، وفوقها الرحى الأخف «القبيصي». ولو وُضِعَتْ الأثقل في الأعلى لتدششها وتأكل منها وتتآكل وتذوبها، وقد كانت العرب قديماً تعاير أبا زيد الهلالي بالرحى لسمرة لونه، فتقول: يا بوزيد يا فردة الرحى أو يا حك الصوف يا فردة الرحى.
بين عِصي الشظ ومثل الشعراء
بلاغة الطحين والرجال
تتطلب عملية الطحن جهداً جماعياً شاقاً، تستخدم فيها عصاة الشظ «العصا الغليظة العمودية» لتحريك الفردتين. وفي هذا السياق، تداول الشعراء الأمثال والمساجلات؛ فقد دخل الشاعر الكبير إبراهيم بوجلاوي في معارضات ومساجلات بليغة حول أصول الطحين وعيوبه:
وصف جودة الطحين:
يُقال إن ثقيلة الرحى ما تدشش «أي لا تفتت الحبوب جيداً»، وإن حدث وطحنت وخرج الطحين رطباً وليس جافاً، يُعتبر ذلك عيباً فادحاً في الرحى «عوار عالرحى بعد الدقيق رطايب».
الموازنة بين الطحين والأصل البشري:
شبّه البدو الرحى الأصيلة وما تنتجه من طحين جاف نقي بالعقلاء الذين لا يصدر عنهم إلا الحق، معبرين عن ذلك بأمثالهم الدارجة:
ثقيلة الرحى ما تدششش.. وكان دششت راي انخاله..
ومن الأصل الردي ما تعششش.. وثلثين الولد يبقن الخاله..
ختاما
بهذه التفاصيل العميقة، تظل الرحى الليبية رمزاً لهوية متكاملة؛ إذ لم تقتصر على إطعام البطون، بل غذّت الروح بالهجاوة، وخلّدت مآثر الأجداد والجدات عبر أهازيج لم تُكتب على الورق، بل نُقشت بضربات الحجر الطيني الصادق في ذاكرة البادية الليبية.
غناوة الرحى كانت المنبر الإعلامي للمرأة
غناوة الرحى لا تقارن بغيرها من الشعر
تظل الرحى الليبية رمزاً لهوية متكاملة
الكل يتحاشى أن تقـــــول فيه امرأة غناوة رحى تنتقده أو تذمه



