التراثيةالرئيسية

أهازيـــج الرحـــى نغمة الشجن النسوي بين اندثار الحجــر واستمرار الشاهد

منى بن هيبة

طحنتْ‭ ‬الأيامُ‭ ‬حبوب‭ ‬القمح‭ ‬كما‭ ‬طحنتْ‭ ‬صمت‭ ‬النساء،‭ ‬وتحت‭ ‬وقع‭ ‬دوران‭ ‬الرحى‭ ‬الحجرية،‭ ‬ولدتْ‭ ‬حكاياتٌ‭ ‬وصرخاتٌ‭ ‬وأشواق‭ ‬ومكائد‭ ‬ظلتْ‭ ‬حبيسة‭ ‬جدران‭ ‬البيوت‭ ‬المحافظة،‭ ‬لتعبر‭ ‬عنها‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية‭ ‬دون‭ ‬سواها‭ ‬بمنبرها‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأوحد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقفل‭ ‬ولا‭ ‬يخضع‭ ‬للرقابة‭ ‬العرفية‭ ‬أو‭ ‬القبلية‭.‬‭ ‬ومع‭ ‬توقف‭ ‬هذا‭ ‬الإيقاع‭ ‬الخشن‭ ‬لزمن‭ ‬الرحى‭ ‬واكتساح‭ ‬البدائل‭ ‬العصرية‭ ‬لإنتاج‭ ‬الدقيق،‭ ‬غاب‭ ‬صوت‭ ‬الاحتكاك‭ ‬الحجري،‭ ‬لكن‭ ‬الدهشة‭ ‬الكبرى‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬وتناقل‭ ‬أهازيج‭ ‬النساء‭ ‬الهجائية‭ ‬والنقديّة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا؛‭ ‬كأنها‭ ‬سيف‭ ‬بتار‭ ‬رفض‭ ‬أن‭ ‬يُغمد،‭ ‬ووثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬أنطقتها‭ ‬الحناجر‭ ‬بما‭ ‬عجز‭ ‬عنه‭ ‬المؤرخون‭ ‬والمدونون‭.‬

فبينما‭ ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬يكتفي‭ ‬بتطويع‭ ‬القصيدة‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬صنعت‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬طحن‭ ‬الحب‭ ‬فلسفةً‭ ‬بليغة‭ ‬ومقاومة‭ ‬ناعمة‭. ‬وفي‭ ‬محاولة‭ ‬لتتبع‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬الباقي،‭ ‬يقف‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬والنقد‭ ‬التراثي،‭ ‬مستفتحاً‭ ‬محطاته‭ ‬الأولى‭ ‬مع‭.. ‬الباحث‭ ‬والناقد‭ ‬الشعبي‭/ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬بن‭ ‬دلة‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬بني‭ ‬وليد،‭ ‬ليدلي‭ ‬برأيه‭ ‬العميق‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬وتطورها‭ ‬التاريخي‭ ‬والدلالي‭:‬

‮«‬ما‭ ‬سأقوله‭ ‬لا‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬النقد؛‭ ‬فالنقد‭ ‬هو‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬القصيدة‭ ‬وتركيب‭ ‬كلماتها‭ ‬وأصل‭ ‬ومعنى‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬المستخدمة،‭ ‬لكنني‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأدب‭ ‬والتمحيص‭ ‬أقول‭: ‬الشعر‭ ‬لا‭ ‬يزول‭ ‬بزوال‭ ‬قائله‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬بزوال‭ ‬كلماته‭ ‬المستخدمة،‭ ‬بل‭ ‬كلما‭ ‬قدم‭ ‬ومضى‭ ‬عليه‭ ‬زمن‭ ‬صار‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬واهتماماً‭ ‬لحاجة‭ ‬الناس‭ ‬لفك‭ ‬رموزه‭ ‬وحل‭ ‬شفراته‭ ‬المعقدة،‭ ‬وضل‭ ‬شاهداً‭ ‬ودليلاً‭ ‬على‭ ‬كلمات‭ ‬كانت‭ ‬تقال،‭ ‬ومقتنيات‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم،‭ ‬وأقوال‭ ‬مأثورة‭ ‬كانت‭ ‬تردد،‭ ‬وموروثات‭ ‬كانت‭ ‬تحترم‭ ‬وتقدس‭. ‬وما‭ ‬نسمعه‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬جاهلي‭ ‬خلد‭ ‬أسماء‭ ‬شعراء‭ ‬نعرفهم‭ ‬وبيننا‭ ‬وبينهم‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬إلا‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬وما‭ ‬يلحق‭.‬

وعرفت‭ ‬القصائد‭ ‬الشعرية‭ ‬بأنواعها

فمنها‭ ‬الأهجوزة،‭ ‬ومنها‭ ‬قصيدة‭ ‬البيتين‭ ‬‮«‬الرباعية‮»‬،‭ ‬ومنها‭ ‬قصيدة‭ ‬البيت‭ ‬الواحد‭ ‬‮«‬غناوة‭ ‬العلم‮»‬‭. ‬ونظرًا‭ ‬لسهولة‭ ‬حفظ‭ ‬الأخيرتين‭ ‬وتركيز‭ ‬وقوة‭ ‬كلماتهما،‭ ‬كانتا‭ ‬أكثر‭ ‬بقاءً،‭ ‬وأطول‭ ‬عمرًا‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬الأهزوجة‮»‬‭. ‬وعند‭ ‬التوقف‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الرباعية‮»‬،‭ ‬فهي‭ ‬كثيرة‭ ‬ولكن‭ ‬مطلبنا‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬‮«‬غناوة‭ ‬الرحى‮»‬‭. ‬ونقول‭ ‬فيها‭: ‬نحن‭ ‬مجتمع‭ ‬محافظ،‭ ‬وصوت‭ ‬المرأة‭ ‬عندنا‭ ‬لا‭ ‬يسمع‭ ‬ووجهها‭ ‬لا‭ ‬يرى،‭ ‬فكيف‭ ‬لنا‭ ‬معرفة‭ ‬معاناتها‭ ‬وما‭ ‬بداخلها‭ ‬من‭ ‬أشواق‭ ‬ومكائد‭ ‬وغيرها؟‭ ‬

فقد‭ ‬كانت‭ ‬غناوة‭ ‬الرحى‭ ‬هي‭ ‬المنبر‭ ‬الإعلامي‭ ‬للمرأة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقفل،‭ ‬ولا‭ ‬تحاسب‭ ‬عليه،‭ ‬ولا‭ ‬حدود‭ ‬فيه‭ ‬أدبية‭ ‬وقبلية‭ ‬وعرفية‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬حددت‭ ‬المرأة‭ ‬لنفسها‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬غناوة‭ ‬الرحى‭ ‬لا‭ ‬تقارن‭ ‬بغيرها‭ ‬من‭ ‬الشعر،‭ ‬وتؤخذ‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬كجملة‭ ‬صادقة‭ ‬ورسالة‭ ‬واضحة‭ ‬أو‭ ‬مشفرة‭ ‬لمن‭ ‬يهمه‭ ‬الأمر‭.‬

وفي‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬

كانت‭ ‬سيفاً‭ ‬بتاراً‭ ‬يخشى‭ ‬استخدامه‭ ‬لكثرة‭ ‬انتشاره‭ ‬واهتمام‭ ‬الناس‭ ‬به،‭ ‬فالكل‭ ‬يتحاشى‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬فيه‭ ‬امرأة‭ ‬غناوة‭ ‬رحى‭ ‬تنتقده‭ ‬أو‭ ‬تذمه‭. ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬أيضاً‭ ‬السيف‭ ‬البتار‭ ‬المحارب‭ ‬مع‭ ‬الفرسان؛‭ ‬فغناوة‭ ‬رحى‭ ‬من‭ ‬شابة‭ ‬أو‭ ‬عانس‭ ‬عند‭ ‬الاستعداد‭ ‬للهجوم‭ ‬تجعل‭ ‬الفارس‭ ‬يضاهي‭ ‬عشرة‭ ‬أمثاله‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬كثيرة‭ ‬فاقت‭ ‬القصيدة‭ ‬وغناوة‭ ‬العلم‭ ‬نظراً‭ ‬لخصوصيتها‭ ‬واهتمام‭ ‬السامعين‭ ‬لها،‭ ‬كما‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬والمقتنيات‭ ‬الشعبية،‭ ‬ودونت‭ ‬ما‭ ‬عجز‭ ‬عنه‭ ‬المؤرخون‭ ‬من‭ ‬المعارك‭ ‬والغزوات،‭ ‬وحتى‭ ‬النبل‭ ‬والكرم‭ ‬وحسن‭ ‬الضيافة،‭ ‬واستدل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فقط‭ ‬بهذين‭ ‬البيتين‭:‬

قالت‭:‬تكالن‭ ‬على‭ ‬أولاد‭ ‬محمود‭.. ‬مكالات‭ ‬سيل‭ ‬المخاسر

وهدن‭ ‬منين‭ ‬زغرتت‭ ‬جود‭.. ‬اشويات‭ ‬والريم‭ ‬ياسر

وفي‭ ‬الكرم‭ ‬قيل‭ ‬الكثير،‭ ‬وأضاف‭: ‬

النقيق‭ ‬نا‭ ‬يا‭ ‬دقيقي‭ ‬ما‭ ‬يالك‭ ‬غير‭ ‬خاطر‭.. ‬ولا‭ ‬غوالي‭ ‬على‭ ‬العين‭ ‬جو‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬المخاطر‭..‬

أما‭ ‬عن‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬فالغزو‭ ‬الثقافي‭ ‬والفكري‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬شيئاً‭ ‬في‭ ‬مكانه؛‭ ‬فرحلة‭ ‬غناوة‭ ‬الرحى‭ ‬لمناسبة‭ ‬الأفراح‭ ‬قد‭ ‬انتهت،‭ ‬ودخلت‭ ‬الموسيقى‭ ‬على‭ ‬القصيدة‭ ‬فصارت‭ ‬أغنية،‭ ‬ودخلت‭ ‬المادة‭ ‬على‭ ‬الشاعر‭ ‬فأصبح‭ ‬زكاراً،‭ ‬وهلم‭ ‬جرا‭. ‬هجاوة‭ ‬الرحى‭ ‬توقفت؛‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محتاجة‭ ‬لكلاهما‭ ‬فقد‭ ‬ترجلت،‭ ‬وصار‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬ينادي‭ ‬بالمساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الميراث‭ ‬وخراب‭ ‬البيوت‭ ‬والنسيج‭ ‬الاجتماعي‭.‬‮»‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬ذاته،‭ ‬تُؤكد‭ ‬المهتمة‭ ‬بالتراث‭ ‬الشعبي‭ ‬الشفهي‭ ‬فاطمة‭ ‬الهوني‭ ‬أن‭:‬

‭ ‬أهازيج‭ ‬الرحى‭ ‬تُعدّ‭ ‬لوناً‭ ‬فريداً‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭ ‬الخالص‭ ‬وفناً‭ ‬نسائياً‭ ‬بامتياز،‭ ‬إذ‭ ‬ارتبطت‭ ‬المرأة‭ ‬ارتباطاً‭ ‬وثيقاً‭ ‬بالرحى‭ ‬فكانت‭ ‬رفيقتها‭ ‬الصامتة‭ ‬في‭ ‬خلوتها‭ ‬والوعاء‭ ‬الأمين‭ ‬الذي‭ ‬تبوح‭ ‬له‭ ‬بأسرارها‭ ‬وتفرغ‭ ‬فيه‭ ‬مكنونات‭ ‬نفسها‭ ‬وما‭ ‬تكابده‭ ‬من‭ ‬لوعة‭ ‬وشجون‭.‬

الرحى‭ ‬بين‭ ‬مشقة‭ ‬الجسد‭ ‬وتنفيس‭ ‬الروح‭: ‬

تحملت‭ ‬المرأة‭ ‬أعباء‭ ‬جساماً‭ ‬في‭ ‬طحن‭ ‬الحبوب‭ ‬مبذولة‭ ‬جهداً‭ ‬مضنياً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬حجري‭ ‬الرحى‭ ‬بواسطة‭ ‬مقبض‭ ‬خشبي،‭ ‬ولتخفيف‭ ‬وطأة‭ ‬هذا‭ ‬العناء‭ ‬كانت‭ ‬تترنم‭ ‬بأهازيج‭ ‬عذبة‭ ‬يمتزج‭ ‬فيها‭ ‬رنين‭ ‬النغم‭ ‬بخشخشة‭ ‬الرحى‭ ‬المنتظمة،‭ ‬وقد‭ ‬عكس‭ ‬هذا‭ ‬الغناء‭ ‬الفطري‭ ‬صدق‭ ‬معاناتها‭ ‬وما‭ ‬تلاقيه‭ ‬من‭ ‬إرهاق‭ ‬بدني‭ ‬ونفسي‭ ‬لتتحول‭ ‬طقوس‭ ‬الطحن‭ ‬اليومية‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬تعبيرية‭ ‬واسعة‭ ‬تشمل‭ ‬شكوى‭ ‬التعب‭ ‬والوجد‭ ‬الوطني‭ ‬والأسري‭ ‬والبكاء‭ ‬على‭ ‬الأطلال‮»‬‭.‬

وتتابع‭ ‬الهوني‭:‬‮«‬بلاغة‭ ‬الاختزال‭ ‬ومشاعر‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬صغرى‭: ‬تجلت‭ ‬مشاعر‭ ‬المرأة‭ ‬البسيطة‭ ‬والعميقة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كلمات‭ ‬نابضة‭ ‬بالحياة‭ ‬تستحضر‭ ‬الحبيب‭ ‬والمعين‭ ‬وتناجي‭ ‬الجسد‭ ‬المتعب‭ ‬والرحى‭ ‬والزمن‭ ‬باختزال‭ ‬شديد‭ ‬لمعانٍ‭ ‬مكثفة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬بكلمات‭ ‬بسيطة‭ ‬ومعدودة،

بين‭ ‬اندثار‭ ‬الحجر‭ ‬وبقاء‭ ‬الشاهد‭ ‬النفسي‭: ‬تظل‭ ‬هذه‭ ‬الأهازيج‭ ‬شاهداً‭ ‬حيّا‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬الرحى‭ ‬كأداة‭ ‬تفريغ‭ ‬نفسي‭ ‬ومساحة‭ ‬علاجية‭ ‬للمرأة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬قسوة‭ ‬الحياة‭ ‬ووعورة‭ ‬الزمن،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإبداع‭ ‬النسوي‭ ‬التلقائي‭ ‬يبقى‭ ‬خالداً‭ ‬رغم‭ ‬تباعد‭ ‬الأزمنة،‭ ‬وتغير‭ ‬أدوات‭ ‬المعيشة‮»‬‭.‬

‭ ‬الكبسولة‭ ‬الزمنية‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬البادية

حين‭ ‬تختفي‭ ‬الآلات‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬اليومي،‭ ‬قد‭ ‬تذبل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحكاية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الرحى‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬الليبية‭ ‬ظلت‭ ‬تحتفظ‭ ‬بمكانتها‭ ‬كأكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لطحن‭ ‬الحبوب؛‭ ‬إذ‭ ‬يصفها‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬الشعبي‭/ ‬حافظ‭ ‬صالح‭ ‬اشحيمة‭ ‬بأنها‭ ‬كبسولة‭ ‬زمنية‭ ‬متمثلة‭ ‬في‭ ‬الرحى،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬اختفاء‭ ‬الرحى،‭ ‬بقيت‭ ‬الكبسولة‭ ‬وهي‭ ‬قنبلة‭ ‬الحنين‭ ‬للأهل‭ ‬والنجع‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬الحجرية‭ ‬البسيطة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يوماً‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬قسوة‭ ‬الحياة‭ ‬أو‭ ‬شقائها،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مسرحاً‭ ‬فنيّاً‭ ‬ونفسياً‭ ‬منسجماً،‭ ‬ومحطة‭ ‬إنسانية‭ ‬تلتقي‭ ‬عندها‭ ‬نساء‭ ‬البادية‭ ‬لتدندن،‭ ‬فتُطلق‭ ‬العنان‭ ‬لهجاوة‭ ‬الرحى‭ ‬لتكون‭ ‬أشبه‭ ‬ببريد‭ ‬عاطفي‭ ‬وثائقي‭ ‬ينقل‭ ‬مشاعر‭ ‬الغربة‭ ‬والحنين‭ ‬للأهل‭.‬

المرأة‭ ‬والنجع‭: ‬بناء‭ ‬الجسور‭ ‬الاجتماعية

في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬البدوية،‭ ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬نجع‭ ‬أهله‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬عمومته،‭ ‬بينما‭ ‬ترحل‭ ‬المرأة‭ ‬وتسكن‭ ‬نجعاً‭ ‬آخر‭ ‬بالزواج‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬الدور‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والوجداني‭ ‬الجليل‭ ‬للمرأة؛‭ ‬فهي‭ ‬التي‭ ‬تقرب‭ ‬العرب‭ ‬وتأتي‭ ‬بعرب‭ ‬أخرى‭ ‬لأهلها‮»‬‭.‬

ويضيف‭:‬‮«‬‭ ‬كانت‭ ‬أهازيج‭ ‬الرحى‭ ‬تصدح‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬النجع‭ ‬وقت‭ ‬المغرب،‭ ‬وحين‭ ‬تقصد‭ ‬النساء‭ ‬بيت‭ ‬الجلاس‭ ‬تملأ‭ ‬أصواتهن‭ ‬الفضاء‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬النجوع‭ ‬والبيوت‭ ‬في‭ ‬برقة،‭ ‬مثل‭ ‬بيوت‭ ‬الفواخر،‭ ‬سُميت‭ ‬على‭ ‬أسماء‭ ‬نساء‭ ‬عُرفن‭ ‬بالمكانة‭ ‬والرفعة،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬زعامات‭ ‬تاريخية‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬الزعيمة‭ ‬البدوية‭ ‬الشهيرة‭ ‬احبارة‭ ‬التي‭ ‬عُرفت‭ ‬بمكانتها‭ ‬الرفيعة‭.‬

الهجاوة‭ ‬وغناوة‭ ‬العلم‭: ‬

فن‭ ‬نسائي‭ ‬خالص‭ ‬وبنت‭ ‬الرحى

ينحصر‭ ‬التعبير‭ ‬الشعري‭ ‬القديم‭ ‬للمرأة‭ ‬البدوية‭ ‬في‭ ‬قالبين‭ ‬أساسيين‭: ‬الهجاوة‭ ‬وغناوة‭ ‬العلم‭. ‬والهجاوة‭ ‬فن‭ ‬نسائي‭ ‬صِرف،‭ ‬وتُعد‭ ‬بنت‭ ‬الرحى‭ ‬بامتياز،‭ ‬وتنقسم‭ ‬إلى‭ ‬نوعين‭ ‬‮«‬الرباعية‭ ‬وغناوة‭ ‬العلم‮»‬،‭ ‬وربما‭ ‬استُخدمت‭ ‬أحياناً‭ ‬كلغز‭ ‬بين‭ ‬النساء‭ ‬لاختبار‭ ‬الفطنة‮»‬‭.‬

شواهد‭ ‬تاريخية‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعرية‭:‬

ابنة‭ ‬بو‭ ‬رميلة‭: ‬تُعد‭ ‬أقدم‭ ‬هجاوة‭ ‬قيل‭ ‬إن‭ ‬عمرها‭ ‬يجاوز‭ ‬150‭ ‬عاماً‭ ‬لابنة‭ ‬الشاعر‭ ‬الفحل‭ ‬بو‭ ‬رميلة،‭ ‬وهي‭ ‬ربيعة‭ ‬بنت‭ ‬يادم‭ ‬ارميلة،‭ ‬التي‭ ‬قالت‭ ‬فيها‭:‬

كمين‭ ‬وطن‭ ‬من‭ ‬بارق‭ ‬السيل‭.. ‬نواره‭ ‬امسوي‭ ‬كداده‭..‬

بعيد‭ ‬المكانات‭ ‬بالحيل‭.. ‬على‭ ‬غير‭ ‬هلنا‭ ‬مكاده‭..‬

‮«‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬الكداد‭ ‬هو‭ ‬نبات‭ ‬ينبت‭ ‬في‭ ‬الأودية‮»‬‭.‬

قصة‭ ‬الفطنة‭ ‬والزواج‭: ‬تحكي‭ ‬الروايات‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬وابنتها‭ ‬ذهبتا‭ ‬لنجع‭ ‬مجاور‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬الارتباط‭ ‬وإقامة‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬‮«‬اتريد‭ ‬ادير‭ ‬عرب‭ ‬ورمه‮»‬،‭ ‬فلما‭ ‬جلستا‭ ‬على‭ ‬الرحى،‭ ‬قالت‭ ‬الأم‭ ‬لابنتها‭ ‬بلغة‭ ‬الرمز‭:‬

شعيرها‭ ‬على‭ ‬الوطن‭ ‬ارقاق‭.. ‬سفسوفة‭ ‬ملا‭ ‬عين‭ ‬الرحى‭..‬

بمعنى‭: ‬لا‭ ‬رجل‭ ‬يصلح‭ ‬هنا‭ ‬للزواج،‭ ‬هبا‭ ‬فلنغادر‭ ‬إلى‭ ‬نجع‭ ‬آخر‭.‬

سيدة‭ ‬العواقير‭: ‬يروي‭ ‬العم‭ ‬أحمد‭ ‬بورميلة‭ ‬أنه‭ ‬نزل‭ ‬ضيفاً‭ ‬على‭ ‬رفيق‭ ‬دربه‭ ‬بنجع‭ ‬قبيلة‭ ‬المنفة،‭ ‬فسمع‭ ‬صوت‭ ‬امرأة‭ ‬تطحن‭ ‬شعيرها‭ ‬وقمحها‭ ‬كل‭ ‬مغرب‭ ‬لتعد‭ ‬عشائها،‭ ‬وصوتها‭ ‬يصدح‭ ‬بذكر‭ ‬محاسن‭ ‬أهلها‭ ‬‮«‬وتلهد‭ ‬بخيل‭ ‬ضنا‭ ‬سيدها‭ ‬علينا‮»‬،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬الهجاوي‭ ‬منبراً‭ ‬لترويير‭ ‬سير‭ ‬الأهل‭.‬

أنواع‭ ‬الرحى‭ ‬وأسرار‭ ‬تركيبها‭ ‬المادي

لم‭ ‬تكن‭ ‬الرحى‭ ‬قطعة‭ ‬حجر‭ ‬عادية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬أنواع‭ ‬دقيقة‭ ‬وأصول‭ ‬في‭ ‬التركيب‭ ‬والتأليف‭ ‬بين‭ ‬الفردتين‭ ‬‮«‬العلوي‭ ‬والسفلي‮»‬‭:‬

رحى‭ ‬الطوري‭: ‬وتأتي‭ ‬من‭ ‬جبل‭ ‬طور‭ ‬بمصر،‭ ‬وتتميز‭ ‬بثقل‭ ‬وزنها‭ ‬ولونها‭ ‬الأسود‭.‬

رحى‭ ‬القبيصي‭: ‬ويقال‭ ‬إنها‭ ‬من‭ ‬قابس‭ ‬التونسية،‭ ‬أو‭ ‬الأرجح‭ ‬من‭ ‬القبيص‭ ‬وهو‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬جلوة‭ ‬السلوم،‭ ‬ولونها‭ ‬أفتح‭ ‬من‭ ‬الطوري‭.‬

قواعد‭ ‬تركيب‭ ‬الرحى‭:‬

تُوضع‭ ‬الرحى‭ ‬الأثقل‭ ‬‮«‬الطوري‮»‬‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬الأسفل،‭ ‬وفوقها‭ ‬الرحى‭ ‬الأخف‭ ‬‮«‬القبيصي‮»‬‭. ‬ولو‭ ‬وُضِعَتْ‭ ‬الأثقل‭ ‬في‭ ‬الأعلى‭ ‬لتدششها‭ ‬وتأكل‭ ‬منها‭ ‬وتتآكل‭ ‬وتذوبها،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬العرب‭ ‬قديماً‭ ‬تعاير‭ ‬أبا‭ ‬زيد‭ ‬الهلالي‭ ‬بالرحى‭ ‬لسمرة‭ ‬لونه،‭ ‬فتقول‭: ‬يا‭ ‬بوزيد‭ ‬يا‭ ‬فردة‭ ‬الرحى‭ ‬أو‭ ‬يا‭ ‬حك‭ ‬الصوف‭ ‬يا‭ ‬فردة‭ ‬الرحى‭.‬

بين‭ ‬عِصي‭ ‬الشظ‭ ‬ومثل‭ ‬الشعراء

‭ ‬بلاغة‭ ‬الطحين‭ ‬والرجال

تتطلب‭ ‬عملية‭ ‬الطحن‭ ‬جهداً‭ ‬جماعياً‭ ‬شاقاً،‭ ‬تستخدم‭ ‬فيها‭ ‬عصاة‭ ‬الشظ‭ ‬‮«‬العصا‭ ‬الغليظة‭ ‬العمودية‮»‬‭ ‬لتحريك‭ ‬الفردتين‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تداول‭ ‬الشعراء‭ ‬الأمثال‭ ‬والمساجلات؛‭ ‬فقد‭ ‬دخل‭ ‬الشاعر‭ ‬الكبير‭ ‬إبراهيم‭ ‬بوجلاوي‭ ‬في‭ ‬معارضات‭ ‬ومساجلات‭ ‬بليغة‭ ‬حول‭ ‬أصول‭ ‬الطحين‭ ‬وعيوبه‭:‬

وصف‭ ‬جودة‭ ‬الطحين‭:‬

يُقال‭ ‬إن‭ ‬ثقيلة‭ ‬الرحى‭ ‬ما‭ ‬تدشش‭ ‬‮«‬أي‭ ‬لا‭ ‬تفتت‭ ‬الحبوب‭ ‬جيداً‮»‬،‭ ‬وإن‭ ‬حدث‭ ‬وطحنت‭ ‬وخرج‭ ‬الطحين‭ ‬رطباً‭ ‬وليس‭ ‬جافاً،‭ ‬يُعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬عيباً‭ ‬فادحاً‭ ‬في‭ ‬الرحى‭ ‬‮«‬عوار‭ ‬عالرحى‭ ‬بعد‭ ‬الدقيق‭ ‬رطايب‮»‬‭.‬

الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الطحين‭ ‬والأصل‭ ‬البشري‭:‬

شبّه‭ ‬البدو‭ ‬الرحى‭ ‬الأصيلة‭ ‬وما‭ ‬تنتجه‭ ‬من‭ ‬طحين‭ ‬جاف‭ ‬نقي‭ ‬بالعقلاء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يصدر‭ ‬عنهم‭ ‬إلا‭ ‬الحق،‭ ‬معبرين‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بأمثالهم‭ ‬الدارجة‭:‬

ثقيلة‭ ‬الرحى‭ ‬ما‭ ‬تدششش‭.. ‬وكان‭ ‬دششت‭ ‬راي‭ ‬انخاله‭..‬

ومن‭ ‬الأصل‭ ‬الردي‭ ‬ما‭ ‬تعششش‭.. ‬وثلثين‭ ‬الولد‭ ‬يبقن‭ ‬الخاله‭..‬

ختاما‭ ‬

بهذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬العميقة،‭ ‬تظل‭ ‬الرحى‭ ‬الليبية‭ ‬رمزاً‭ ‬لهوية‭ ‬متكاملة؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬إطعام‭ ‬البطون،‭ ‬بل‭ ‬غذّت‭ ‬الروح‭ ‬بالهجاوة،‭ ‬وخلّدت‭ ‬مآثر‭ ‬الأجداد‭ ‬والجدات‭ ‬عبر‭ ‬أهازيج‭ ‬لم‭ ‬تُكتب‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬بل‭ ‬نُقشت‭ ‬بضربات‭ ‬الحجر‭ ‬الطيني‭ ‬الصادق‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬البادية‭ ‬الليبية‭.‬

غناوة‭ ‬الرحى‭ ‬كانت‭ ‬المنبر‭ ‬الإعلامي‭ ‬للمرأة

غناوة‭ ‬الرحى‭ ‬لا‭ ‬تقارن‭ ‬بغيرها‭ ‬من‭ ‬الشعر

تظل‭ ‬الرحى‭ ‬الليبية‭ ‬رمزاً‭ ‬لهوية‭ ‬متكاملة

الكل‭ ‬يتحاشى‭ ‬أن‭ ‬تقـــــول‭ ‬فيه‭ ‬امرأة‭ ‬غناوة‭ ‬رحى‭ ‬تنتقده‭ ‬أو‭ ‬تذمه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى