الرئيسيةرصد

في المــولد تحضر المفرقعــات وتغيــب العادات

انتصار ميلاد

في‭ ‬المولد‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف‭ ‬تحتفل‭ ‬الأسر‭ ‬الليبية‭ ‬بهذه‭ ‬المناسبة‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بمكانة‭ ‬روحية‭ ‬واجتماعية‭.. ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬والمفرقعات‭ ‬التي‭ ‬تنتشر‭ ‬بين‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬حروق‭ ‬وإصابات‭ ‬خطيرة‭. ‬ويطرح‭ ‬انتشارها‭ ‬أسئلة‭ ‬قديمة‭ ‬جديدة‭: ‬كيف‭ ‬تدخل‭ ‬هذه‭ ‬الألعاب‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا؟‭ ‬ومن‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬تداولها؟‭ ‬ومن‭ ‬يشتريها؟‭ ‬وما‭ ‬أسعارها؟‭ ‬وهل‭ ‬تكفي‭ ‬الرقابة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬انتشارها؟‭ ‬وما‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬والحرس‭ ‬البلدي‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬والمواطنين؟

المشكلة‭ ‬في‭ ‬الأسلوب

يرى‭ ‬عقيد‭ /‬محمد‭ ‬شعبان‭ ‬رئيس‭ ‬مركز‭ ‬جمعية‭ ‬‮«‬أصدقاء‭ ‬الشرطة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الجبل‭ ‬الغربي‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الفرح‭ ‬بالاحتفال‭ ‬بالمولد‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬الفرح‭. ‬داعياً‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المظاهر‭ ‬التراثية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬الدين،‭ ‬وبين‭ ‬المبالغة‭ ‬والإسراف‭ ‬والممارسات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تسبب‭ ‬أضراراً‭.‬

وأضاف‭: ‬أن‭ ‬استيراد‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬يتم‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬عبر‭ ‬كبار‭ ‬التجار‭ ‬وأصحاب‭ ‬الشركات‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬الأدوات‭ ‬المكتبية‭ ‬باعتبار‭ ‬موسم‭ ‬المولد‭ ‬النبوي‭ ‬فرصة‭ ‬تجارية‭ ‬مربحة‭. ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬قانون‭ ‬واضح‭ ‬يحظر‭ ‬استيراد‭ ‬هذه‭ ‬الألعاب‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬استخدامها‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬المولد‭ ‬النبوي‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬الأعراس‭ ‬وحفلات‭ ‬التخرج‭. ‬والطلب‭ ‬عليها‭ ‬أدى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعارها،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬سعر‭ ‬‮«‬الخط‭ ‬واللوح‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬5‭ ‬دنانير‭ ‬للطرف‭ ‬فيما‭ ‬تبدأ‭ ‬أسعار‭ ‬بعض‭ ‬المفرقعات‭ ‬الخفيفة‭ ‬من‭ ‬دينار‭ ‬وتختلف‭ ‬الأسعار‭ ‬حسب‭ ‬نوعها‭ ‬ومكان‭ ‬بيعها‭ ‬وتكلفة‭ ‬إيجار‭ ‬الموقع‭. ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬إنفاق‭ ‬مبالغ‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬200‭ ‬دينار‭ ‬على‭ ‬ألعاب‭ ‬تُحرق‭ ‬خلال‭ ‬دقائق‭ ‬يمثل‭ ‬هدراً‭ ‬للمال‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يعتقد‭ ‬ولي‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬وسيلة‭ ‬لإدخال‭ ‬البهجة‭ ‬على‭ ‬أطفاله‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬فرحته‭ ‬بالمولد‭.‬

وفيما‭ ‬يخص‭ ‬الجانب‭ ‬الرقابي‭ ‬أوضح‭ ‬عقيد‭ /‬محمد‭ ‬أن‭ ‬جهاز‭ ‬الحرس‭ ‬البلدي‭ ‬يقوم‭ ‬بمصادرة‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬التي‭ ‬تُعرض‭ ‬على‭ ‬الأرصفة‭ ‬وتعرقل‭ ‬حركة‭ ‬المشاة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬بحسب‭ ‬رأيه‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬ظاهرة‭ ‬بيعها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الطرق‭ ‬والشوارع‭ ‬الرئيسة‭. ‬وشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬المواطنين‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬والحرس‭ ‬البلدي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أهمية‭ ‬دور‭ ‬خطباء‭ ‬المساجد‭ ‬في‭ ‬توعية‭ ‬الناس‭ ‬بالممارسات‭ ‬الدخيلة‭ ‬والخاطئة‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الفرح‭ ‬بالمولد‭.‬

محذرًا‭ ‬الآباء‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭ ‬لضغوط‭ ‬أبنائهم‭ ‬وشراء‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬لهم‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الطلب‭ ‬عليها‭ ‬يشجع‭ ‬التجار‭ ‬على‭ ‬استيرادها‭.‬

آثار‭ ‬صحية‭ ‬ونفسية

وحذرت‭ ‬د‭. ‬نعيمة‭ ‬النطاح‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬الآثار‭ ‬الصحية‭ ‬والنفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المترتبة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬الأطفال‭ ‬للألعاب‭ ‬النارية‭. ‬وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬احتراق‭ ‬هذه‭ ‬الألعاب‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انتشار‭ ‬الدخان‭ ‬والكربون‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يضر‭ ‬بالجهاز‭ ‬التنفسي‭ ‬خصوصًا‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬حساسية‭ ‬الصدر،‭ ‬وأشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الصحي‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬السلوكي‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬أصوات‭ ‬المفرقعات‭ ‬والانفجارات‭ ‬قد‭ ‬يغذي‭ ‬لديهم‭ ‬سلوكًا‭ ‬عدوانيًا‭ ‬ويجعل‭ ‬مشاهد‭ ‬القوة‭ ‬والعنف‭ ‬تبدو‭ ‬أمرًا‭ ‬طبيعيًا‭. ‬وأضافت‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬عاشت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬حروبًا‭ ‬وتوترات‭ ‬أمنية‭ ‬خلّفت‭ ‬آثارًا‭ ‬نفسية‭ ‬لدى‭ ‬المجتمع‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الخوف‭ ‬والرعب‭ ‬من‭ ‬أصوات‭ ‬القذائف‭ ‬والانفجارات‭. ‬ومن‭ ‬المؤسف‭ ‬أن‭ ‬تتحوَّل‭ ‬المفرقعات‭ ‬خلال‭ ‬المولد‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬ترفيه‭ ‬تعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬آثارها‭ ‬النفسية‭ ‬السلبية‭. ‬

وطالبت‭ ‬د‭. ‬نعيمة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬بعدم‭ ‬ترك‭ ‬فراغ‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتفال‭ ‬بالمولد‭ ‬النبوي‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬فعاليات‭ ‬ثقافية‭ ‬وتراثية‭ ‬وترفيهية‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬الليبية‭ ‬ولا‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬تعاليم‭ ‬الإسلام‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يُملأ‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ‭ ‬بممارسات‭ ‬خطرة‭ ‬كالألعاب‭ ‬النارية،‭ ‬وإشعال‭ ‬النار‭ ‬وتشويه‭ ‬الشوارع‭. ‬

وقال‭ ‬الشيخ‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬الفوني‭ ‬إن‭ ‬الاحتفال‭ ‬بالمولد‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف‭ ‬يأتي‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬محبة‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬وفرصة‭ ‬للتعرف‭ ‬إلى‭ ‬سيرته‭ ‬العطرة‭ ‬والاقتداء‭ ‬بأخلاقه‭ ‬وسنته‭. ‬وأضاف‭: )‬لو‭ ‬كانتْ‭ ‬لديك‭ ‬نعجة‭ ‬وولدت‭ ‬خروفًا‭ ‬لفرحت‭ ‬به‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بمولد‭ ‬سيدنا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬الذي‭ ‬تفضل‭ ‬الله‭ ‬به‭ ‬علينا‭ ‬وعلّمنا‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الإسلام‭(. ‬وانتقد‭ ‬الفوني‭ ‬استخدام‭ ‬الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬خلال‭ ‬الاحتفالات،‭ ‬لما‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬إزعاج‭ ‬وتلوث‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬تُنفق‭ ‬عليها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُوجَّه‭ ‬إلى‭ ‬إطعام‭ ‬أسرة‭ ‬محتاجة،‭ ‬أو‭ ‬توفير‭ ‬الدواء‭ ‬لمريض،‭ ‬أو‭ ‬تُستثمر‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الخير‭. ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬ذكرى‭ ‬المولد‭ ‬النبوي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مناسبة‭ ‬لدراسة‭ ‬سيرة‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬والاقتداء‭ ‬به‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬فرحة‭ ‬الأطفال‭ ‬يمكن‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭ ‬بوسائل‭ ‬آمنة‭ ‬ومفيدة،‭ ‬متسائلًا‭: )‬ألم‭ ‬يكفِ‭ ‬ليبيا‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬فيه؟‭(.‬

وعبرت‭ ‬د‭. ‬فتحية‭ ‬البوراوي‭ ‬رئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬الحرف‭ ‬اليدوية‭ ‬والصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬فرع‭ ‬طرابلس‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬العادات‭ ‬المصاحبة‭ ‬للمولد‭ ‬منها‭ ‬أكل‭ ‬العصيدة‭ ‬موضحة‭ ‬أنها‭ ‬عادة‭ ‬ليبية‭ ‬قديمة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالمولد‭ ‬ودارجة‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬البيوت‭ ‬وأصلها‭ ‬ليست‭ ‬عبادة‭ ‬ولا‭ ‬سنة‭ ‬ثابتة‭ ‬وطابعها‭ ‬اجتماعي‭ ‬خالص‭. ‬

وأردفت‭ ‬البوراوي‭ ‬أن‭ ‬النَّاس‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬كانت‭ ‬توزعها‭ ‬بنية‭ ‬‮«‬إطعام‭ ‬الطعام‮»‬‭ ‬وحباً‭ ‬في‭ ‬النبي‭ ‬‭ ‬فهي‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬اعتقاد‭ ‬إنها‭ ‬ركن‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬وعلقت‭: ‬ما‭ ‬فيهاش‭ ‬إسراف‭ ‬أو‭ ‬منكرات‭ ‬وحسب‭ ‬اعتقادي‭ ‬جائزة‭ ‬وكذا‭ ‬فالمعنى‭ ‬الجميل‭ ‬فيها‭ ‬هو‭ )‬لمة‭ ‬العيلة‭(.‬

‭ ‬وقالت‭ ‬خزيمة‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬حرفية‭ ‬في‭ ‬زي‭ ‬التراث‭ ‬إن‭ ‬الاحتفال‭ ‬بالمولد‭ ‬النبوي‭ ‬أصبح‭ ‬سمة‭ ‬بارزة‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬التراثي‭ ‬الليبي‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬طرابلس؛‭ ‬حيث‭ ‬ارتبط‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬بمظاهر‭ ‬الزوايا‭ ‬والطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬والذكر‭ ‬والمدائح‭ ‬النبوية‭.‬

من‭ ‬ذاكرة‭ ‬العادات

وترجع‭ ‬خزيمة‭ ‬بذاكرتها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬الاستعداد‭ ‬للمولد‭ ‬يبدأ‭ ‬قبله‭ ‬بأيام؛‭ ‬حيث‭ ‬تمتلئ‭ ‬الأسواق‭ ‬بمستلزمات‭ ‬الموسم‭ ‬من‭ ‬الشموع‭ ‬والحلوى‭ ‬مثل‭: )‬الشكار‭ ‬والطروني‭ ‬وحلوة‭ ‬‮«‬بر‭ ‬الترك‮»‬‭ ‬والشامية‭( ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شراء‭ ‬‮«‬الدرابيك‮»‬‭ ‬والخميسات‭ ‬للبنات‭ ‬وقناديل‭ ‬القطران‭ ‬للأطفال‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إعداد‭ ‬الأكلات‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬رشتة‭ ‬الكسكاس،‭ ‬والعصيدة‭ ‬بالزيت،‭ ‬أو‭ ‬السمن‭ ‬والعسل،‭ ‬والرب‭.‬

وتواصل‭ ‬خزيمة‭:‬‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬المولد‭ ‬وبعد‭ ‬صلاة‭ ‬المغرب‭ ‬كان‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬يجتمعون‭ ‬أمام‭ ‬البيت‭ ‬بملابس‭ ‬نظيفة‭ ‬ويشارك‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬القناديل‭ ‬والخميسات‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬الفرح‭ ‬وزغاريد‭ ‬النساء‭ ‬قبل‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬لتناول‭ ‬العشاء‭. ‬ثم‭ ‬يتوجه‭ ‬الرجال‭ ‬إلى‭ ‬المساجد‭ ‬لإحياء‭ ‬الليلة‭ ‬بالذكر‭ ‬والصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬على‭ ‬النبي‭ ‬‭ ‬وأن‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتفال‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬يرويها‭ ‬الأجداد‭ ‬أن‭ ‬شيوخ‭ ‬الزاوية‭ ‬الكبيرة‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬السنوات‭ ‬يشترون‭ ‬جملاً‭ ‬من‭ ‬التبرعات‭ ‬قبل‭ ‬المولد‭ ‬بيوم‭ ‬ويُطاف‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬أزقة‭ ‬‮«‬باب‭ ‬الحرية‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الزاوية‭ ‬ثم‭ ‬يُذبح‭ ‬لإقامة‭ ‬وليمة‭ ‬لضيوف‭ ‬وخدام‭ ‬الزاوية‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬الختم‭.‬

وتحدثت‭ ‬صانعة‭ ‬الحلويات‭ ‬نادية‭ ‬مروان‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العادات‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالمولد‭ ‬النبوي‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ«خمرة‭ ‬الميلود‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬خليط‭ ‬شعبي‭ ‬كان‭ ‬يُحضّر‭ ‬داخل‭ ‬بعض‭ ‬الزوايا‭ ‬ويُوزع‭ ‬على‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬موسم‭ ‬المولد‭.  ‬وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬إعدادها‭ ‬كان‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬روحانية‭ ‬بمشاركة‭ ‬شيوخ‭ ‬الزوايا‭ ‬والمريدين‭ ‬والمتطوعين؛‭ ‬حيث‭ ‬تُقرأ‭ ‬آيات‭ ‬القرآن‭ ‬والأذكار‭ ‬والصلاة‭ ‬على‭ ‬النبي‭ ‬‭ ‬أثناء‭ ‬عملية‭ ‬التحضير‭ ‬ثم‭ ‬تُعبأ‭ ‬في‭ ‬أكياس،‭ ‬أو‭ ‬علب‭ ‬صغيرة‭ ‬لتوزع‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الختمة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الشكار‭ ‬والحلوى‭ ‬والسفنز‭ ‬والمشروبات‭ ‬وتتكون‭ ‬‮«‬خمرة‮»‬‭ ‬الميلود‭ ‬بحسب‭ ‬الرواية‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬نقلها‭ ‬من‭ ‬العسل‭ ‬الأصلي‭ ‬وزيت‭ ‬الزيتون‭ ‬والحمص‭ ‬والكاكاوية‭ ‬واللوز‭ ‬والجلجلان‭ ‬والزعفران‭ ‬والمستكة‭ ‬وماء‭ ‬الزهر‭ ‬والعطر‭ ‬وماء‭ ‬الورد‭ ‬والتمر‭ ‬وقليل‭ ‬من‭ ‬الماء‭. ‬وكانت‭ ‬المكسرات‭ ‬والبذور‭ ‬تُحمّص‭ ‬على‭ ‬نار‭ ‬هادئة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتغير‭ ‬طعمها‭ ‬بينما‭ ‬يُعجن‭ ‬التمر‭ ‬ويُخلط‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬المكونات‭ ‬حتى‭ ‬تتجانس‭ ‬ثم‭ ‬تُحفظ‭ ‬في‭ ‬أوانٍ‭ ‬معدنية‭ ‬قبل‭ ‬تقسيمها‭ ‬وتوزيعها‭ ‬على‭ ‬الحاضرين‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬خمرة‭ ‬الميلود‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬طعام‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬اجتماعية‭ ‬وروحانية‭ ‬ارتبطت‭ ‬بختم‭ ‬القرآن‭ ‬والذكر‭ ‬والمدائح،‭ ‬وكانت‭ ‬تُعد‭ ‬بتبرعات‭ ‬أهل‭ ‬الخير‭ ‬والميسورين‭.‬

مواسم‭ ‬الذكر‭ ‬والمدائح

من‭ ‬جانبها‭ ‬قالت‭ ‬السيدة‭ ‬لطفية‭ ‬محمد‭ ‬إن‭ ‬أجواء‭ ‬المولد‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬كانت‭ ‬تمثل‭ ‬موسماً‭ ‬شعبياً‭ ‬مميزاً‭ ‬تتوافد‭ ‬خلاله‭ ‬المواكب‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭ ‬إلى‭ ‬ميدان‭ ‬الشهداء،‭ ‬أو‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬الحارات‭ ‬والأزقة‭ ‬وسط‭ ‬إيقاعات‭ ‬ضرب‭ ‬الدفوف‭ ‬وفرحة‭ ‬الأطفال‭ ‬وزغاريد‭ ‬النساء‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬العطر‭ ‬وماء‭ ‬الزهر‭ ‬يُنثران‭ ‬على‭ ‬المشاركين‭ ‬وتتعالى‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬على‭ ‬النبي‭ ‬وآلة‭.‬

وأضافت‭ ‬ومن‭ ‬أشهر‭ ‬الزوايا‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بهذه‭ ‬المواكب‭:‬

الزاوية‭ ‬الكبيرة‭ ‬بباب‭ ‬الحرية،‭ ‬والزاوية‭ ‬الصغيرة‭ ‬بباب‭ ‬البحر،‭ ‬والزاوية‭ ‬القادرية،‭ ‬وزاوية‭ ‬سيدي‭ ‬المصري،‭ ‬والزاوية‭ ‬الكتانية،‭ ‬وزاوية‭ ‬الشيخة‭ ‬راضية،‭ ‬وغيرها‭.‬

كما‭ ‬كانت‭ ‬القصائد‭ ‬والمدائح‭ ‬النبوية‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬الاحتفال‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬الأناشيد‭ ‬التي‭ ‬تتغنى‭ ‬بمولد‭ ‬الرسول‭ ‬‭ ‬والصلاة‭ ‬عليه‭ ‬وتعبّر‭ ‬عن‭ ‬شوق‭ ‬النَّاس‭ ‬لزيارة‭ ‬الأماكن‭ ‬المقدسة،‭ ‬وأداء‭ ‬الحج‭ ‬والعمرة‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الاحتفال‭ ‬بالمولد‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الكيفية

مواكب‭ ‬الذكر‭ ‬والمدائح‭ ‬

كانت‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬الزوايا‭ ‬الصوفية

‮«‬خمرة‭ ‬الميلود‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬طعام‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬اجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى