


بين المساحة واللون، وفلسفة الخشبة التي تتنفس بصرياً، يقف الفنان التشكيلي ومصمم السينوغرافيا عادل جربوع كأحد أبرز القامات الفنية التي شكلت وعينا البصري في ليبيا عبر عقود من العطاء. من أروقة بنغازي إلى منصات التكريم، نلتقي به في هذا الحوار ليأخذنا في رحلة داخل محطاته الفنية الغنية بين التشكيل، المسرح، والتصميم.
س: أستاذ عادل، انطلقت مسيرتك الفنية من بنغازي وشهدت فترة الثمانينيات حضوراً مكثفاً لك في المعارض الجماعية. كيف أثرت تلك الفترة المليئة بالحراك في صقل هويتك الفنية؟
ج: البداية الحقيقية بالنسبة لي كانت من خلال المرسم الجامعي ببنغازي (المرسم الحر) عام 1986 تحت إشراف الفنان الراحل محمد استيتة، حيث تعلمت منه الكثير. شاركت من خلاله في معارض عدة استمرت حتى 1990، وكانت تتنقل بين المرسم الجامعي وجامعتي قاريونس والعرب الطبية. كما كانت مشاركاتي في معارض مهرجان النهر الصناعي محطة فارقة؛ إذ كانت تقام في بنغازي على مستوى ليبيا وتستضيف فنانين من دول مثل المجر، بلغاريا، يوغوسلافيا، مصر، الجزائر، وتونس. كانت فرصة ثرية للالتفاء بفنانين ليبيين وعرب وأجانب، ومع المطالعة والقراءة في الكتب الفنية المتخصصة والفلسفة، تشكّلت لدي تراكمات معرفية وبصرية لها الأثر الأكبر في مسيرتي حتى اليوم.
س: أقمت معارض فردية وأخرى مشتركة؛ ما الفرق في تجربتك بين الوقوف وسط مجموعة والوقوف وحيداً أمام الجمهور؟
ج: المعارض المشتركة جميلة ولها طابع خاص؛ تتيح لك العرض بجانب تجارب مختلفة في الأسلوب والمدارس الفنية، وتتعلم منها تقنيات ومواد جديدة. أما المعرض الفردي فله قيمة أخرى؛ لأنك تعبر فيه عن أفكارك وهمومك الخاصة. حتى وإن تنوعت الأساليب داخل المعرض، فإنها تعكس وجهة نظري الشخصية في القضايا والمواضيع التي تهمني وتهم الناس باعتباري جزءاً منهم، وهي رؤية قد يتفق معها البعض أو يختلف، لكنها تمثلني تماماً.
س: شاركت في معرض “قامات من بلادي” عام 2024 بالجامعة الليبية الدولية، كيف ترى تكريم 41 فناناً تشكيلياً ليبيّاً في ظل الراهن الثقافي؟
ج: تكريم الفنان أمر حيوي يعطيه الدافع المعنوي والمادي للاستمرار في الإنتاج. مبادرة الجامعة الليبية الدولية ببنغازي كانت لفتة جميلة جداً في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. الأجمل في هذا الحدث كان التئام شمل فنانين من مختلف أنحاء ليبيا، وإقامة ندوات حوارية ناقشت هموم التشكيل الليبي وسُبل تطوّره، وهو حراك رائع بكل المقاييس.
س: نلت الجائزة الأولى في تصميم المناظر عن مسرحية “قالك ولع لي” عام 1999، كيف تحول النص المكتوب إلى فضاء سينوغرافي يعبر عن روح العمل؟
ج: النص في رأيي هو الأساس الذي يُبنى عليه العمل المسرحي بالكامل، والسينوغرافيا جزء جوهري منه. أقرا النص عدة مرات لاستخراج قيم بصريّة تعبر عنه من ديكور، أثاث، إضاءة، وملابس، بشرط أن تتوافق تماماً مع حركة الممثلين ورؤية المخرج؛ فالأخير هو قائد العمل وكاتب النص بطريقته الخاصة على الخشبة.
س: قدمت أعمالاً فارقة مثل “التحطيم”، “توتر”، و”لا تصالح”. ما الخيط الرفيع الذي يربط بين رؤيتك كرسام تشكيلي ورؤيتك كمصمم سينوغرافيا؟
ج: السينوغرافيا جزء من التشكيل لأنها تعتمد على المتعة البصرية. كلما كان السينوغرافي ملمّاً بالتشكيل، جاءت السينوغرافيا أعمق وأجمل؛ فالرابط بين المسرح والتشكيل قديم وأزلي. الفرق الأساسي هو أن اللوحة التشكيلية ساكنة واللوحة المسرحية متحركة، والتشكيل لعبة فردية بينما المسرح لعبة جماعية، والنتيجة في الحالتين هي صناعة الجمال. اعتز كثيراً بتجربتي المسرحية التي أثمرت نحو 13 عملاً مختلفاً.
س: خضت أيضاً تجارب سينوغرافية للتلفزيون في أعمال مثل “هدرازي 3″ و”ليبي-كوم”. هل تختلف أدواتك بين كواليس المسرح وشاشة التلفزيون؟
ج: نعم، الاختلاف كامل. الدراما المرئية تطلب دقة متناهية في الديكور لتناسب حركة الكاميرا والكادر الذي يحدده المخرج من زوايا تصوير مختلفة لشد الجمهور. أما في المسرح، فإن الجمهور هو من يختار زاويته ومكان مشاهدته بنفسه
س: صممت شعارات رسمية بارزة مثل شعار مجلس الثقافة العام ومهرجان بنغازي للفنون المسرحية 2023. كيف تختزل مؤسسة كاملة في “رمز بسيط”؟
ج: تصميم الشعارات ليس عملية سهلة كما يظن البعض. يجب على المصمم دراسة طبيعة المؤسسة، أهدافها، وإنتاجها، ليعرف كيف يترجم ذلك في رمز ولون مناسبين. القاعدة الذهبية لدي هي: كلما كان الشعار بسيطاً، كان ألفت لنظر الناس وأسرع استقراراً في ذاكرتهم.
س: عملت كمخرج صحفي لمجلة “الثقافة العربية” ومصمم لأغلفة العديد من الكتب. كيف ترى العلاقة بين الغلاف والمحتوى الأدبي؟
ج: العلاقة بين غلاف الكتاب ومحتواه وثيقة للغاية وتكاملية. الغلاف هو أول ما تقع عليه عين المتلقي، ومتى ما استوعب المصمم جوهر المحتوى وعبر عنه ببساطة وجمالية في الألوان والخطوط، كانت النتيجة النهائية ناجحة وجذابة.
س: توجت بـ “جائزة أوسكار ليبيا للتميز” عام 2016 وجوائز مسرحية عدة. ماذا تعني لك الجائزة اليوم؟
ج: الجوائز تقدير مهم يمنح الفنان دافعاً أكبر للإبداع ويسعد خاطره، لكنني أؤمن دائماً بأن الجائزة الأكبر والأبقى هي حب الناس وتفاعلهم مع ما تقدمه.
س: شاركت في معارض ومهرجانات دولية في إيطاليا وتونس. كيف ترى حوار الفن الليبي مع الخارج؟
ج: الفن التشكيلي الليبي يمتلك قامات وفنانين كباراً، لكنه يحتاج للعمل الجاد وتوفير البنية التحتية الثقافية ليواكب التطور العربي والدولي. تجربتي في معرض (ليكون البحر المتوسط بحر سلام) بمدينة فيرونا الإيطالية عام 2005 -والذي جمع فنانين من ليبيا وإيطاليا- كانت غنية ومفيدة جداً على مستوى التبادل الثقافي. أما مشاركتي في مهرجان الكاف بتونس (24 ساعة مسرح بدون توقف) عام 2005 فكانت مشاركة مسرحية فريدة أضافت لي الكثير في احتكاكها بالمسرح العربي.
يبقى الفنان عادل جربوع قامة فنية ليبية استطاعت أن تترك بصمة ملونة في سجل الفن التشكيلي والسينوغرافيا، مجسداً برؤيته البسيطة والعميقة مفهوم الجمال الشامل على اللوحة وعلى خشبة المسرح.



