
الثانوية تقتصر على ابتسامة داخل بيت، أو دعاء من أم، أو عناق أب لابنه بعد عام طويل من التعب والسهر والقلق. ففي السنوات الأخيرة، أخذتْ بعض مظاهر الاحتفال منحى مختلفًا، تحوّلتْ معه المناسبة من لحظة أسرية للاعتزاز بالإنجاز إلى مشهد اجتماعي تتداخل فيه الصالات والاستراحات والمواكب والألعاب النَّارية والهدايا باهظة الثمن، حتى أصبح حجم الاحتفال في بعض الحالات معيارًا غير معلن لحجم النجاح.
وبينما يظل الاحتفال بالنجاح حقًا مشروعًا، يطرح هذا التحول سؤالًا أعمق: هل نحتفل بنجاح أبنائنا، أم نحتفل بالصورة التي نريد أن يراها الآخرون عنا؟
في مجتمع يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاوتًا واضحًا في القدرة المادية بين الأسر، قد تتحول المنافسة في الاحتفال إلى عبء نفسي ومالي. فأسرة محدودة الدخل قد تجد نفسها أمام سؤال محرج: لماذا لا نقيم حفلًا مثل الآخرين؟ ولماذا لا نشتري الألعاب النارية ونحجز الصالة ونقيم مأدبة كبيرة؟ وهنا تصبح الفرحة، بدل أن تكون مصدرًا للسعادة، سببًا للضغط والمقارنة والشعور بالنقص.
الفرح حق.. لكن أين تبدأ المبالغة؟
ترى عائشة التليلي أن المبالغة في احتفالات الشهادة الثانوية أصبحت بالفعل ظاهرة تستحق التوقف والمراجعة، مؤكدة أن المشكلة ليست في الفرح نفسه، فالطالب الذي أمضى عامًا من التعب والسهر والضغط يستحق التكريم، وإنما في تحول الفرح إلى منافسة اجتماعية: «من دار حفلة أكبر؟ ومن صرف أكثر؟ ومن جاب ألعاب نارية أكثر؟».
وتشير إلى أن بعض الأسر قد تنفق مبالغ كبيرة في ليلة واحدة، في وقت تعجز فيه أسر أخرى عن توفير احتياجاتها الأساسية، معتبرة أن الأولى أن يُنظر إلى المستقبل، لا إلى ساعات الاحتفال، فتقول: «النجاح يستحق الاحتفال، لكن المستقبل يستحق إننا نصرفوا عليه أكثر». وتضع التليلي يدها على جوهر المشكلة: قيمة الطالب لا ينبغي أن تقاس بحجم الصالة التي احتُفل فيها، ولا بعدد الألعاب النارية، ولا بحجم الأموال التي أُنفقت، وإنما بما بذله من جهد وما حققه من إنجاز وما سيبنيه بعد مرحلة الثانوية.
أما محمد النعمي، فيرى أن المبالغة أصبحت ظاهرة تستحق الوقوف عندها، خصوصًا عندما يتحول الاحتفال من تعبير طبيعي عن الفرح إلى منافسة اجتماعية يسعى فيها كل طرف إلى أن يظهر بصورة أكبر من غيره. ويؤكد أن قيمة النجاح ليست في حجم الصالة ولا في كمية الألعاب النارية، بل في الإنجاز نفسه، داعيًا إلى أن تكون الاحتفالات في حدود المعقول، بعيدًا عن تحميل الأسرة أعباء مالية فقط لإرضاء نظرة المجتمع. عندما يصبح الفرحُ مرتبطًا بنظرة الآخرين وفي قراءة أكثر عمقًا للمشهد. يرى محمد أبو سالم أن القضية لا تتعلق فقط بحجم الإنفاق، وإنما بطريقة تغير مفهوم الفرح ذاته، معتبرًا أن المشكلة تكمن في أننا بدأنا ننسى كيف نفرح دون أن يرانا أحد، وأن الفرح انتقل تدريجيًا من البيت إلى الشارع، ومن الذاكرة العائلية إلى ذاكرة الهاتف. وهنا تبرز ظاهرة أخرى مرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث لم تعد المناسبة تنتهي بانتهاء الحفل، بل تتحول إلى صور ومقاطع ومنشورات ومقارنات. ما يراه الآخرون يصبح جزءًا من تقييم المناسبة، وقد يدفع ذلك بعض الأسر إلى تقليد مظاهر احتفالية تفوق إمكاناتها حتى لا تبدو أقل من غيرها.إنها ليست مجرد مسألة إنفاق، بل مسألة ثقافة اجتماعية تتشكل تدريجيًا حول النجاح: كيف نحتفل؟ ماذا نرتدي؟ أين نقيم المناسبة؟ كم أنفقنا؟ ومن حضر؟ وماذا سيقول الناس؟. فالاحتفال الذي يعرّض حياة الطالب أو أصدقائه للخطر يفقد معناه الأخلاقي والإنساني. ولا يمكن أن تكون الألعاب النارية أو السرعة أو التجمعات العشوائية ثمنًا مقبولًا لفرحة النجاح.
نجاح الطالب.. أم نجاح المظاهر؟
المشكلة الحقيقية ليست في أن تفرح الأسرة بابنها، ولا في أن تقدم له هدية أو تقيم له احتفالًا جميلًا. المشكلة تبدأ عندما تصبح المظاهر أهم من الإنسان، وعندما تتحول الفرحة إلى سباق، ويصبح إنفاق المال وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية.
لماذا لا يكون جزء من هذا الإنفاق في صورة دورة لغة أو مهارات حاسوب؟ لماذا لا يُخصص للجامعة أو الكتب أو احتياجات الدراسة؟ ولماذا لا تتحوَّل بعض أموال الاحتفالات إلى مساعدة طالب آخر لا تسمح له ظروف أسرته بأن يحتفل؟
هنا يمكن للفرحة أن تتجاوز حدود اللحظة لتصبح استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الابن. فالاحتفال ليس خطأ، والإسراف ليس دليلًا على المحبة، والمباهاة ليست مقياسًا للنجاح. خاتما فلنحتفل بالإنجاز لا بالمظاهر ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف الفرح. أن نفرح لأن أبناءنا نجحوا، لا لأن الآخرين رأوا كيف احتفلنا بهم. أن نكرّم الطالب على تعبه، لا أن نحوله إلى جزء من سباق اجتماعي لا ينتهي. فالنجاح الحقيقي ليس في صالة فخمة، ولا في ألعاب نارية تضيء السماء لدقائق، ولا في أموال تُنفق خلال ساعات؛ النجاح الحقيقي أن يكون وراء هذه الفرحة مستقبلٌ أفضل لابن أو ابنة اجتهدا حتى وصلا إلى هذه اللحظة. والأجمل أن نتذكر أن الفرحَ نعمةٌ، والنعمةُ تحتاج إلى شكر لا إلى إسراف، وأنَّ الله تعالى يقول: )وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(.
فلنفرح بأبنائنا، ولنرفع رؤوسنا بهم، لكن من غير أن تتحوَّل فرحتنا إلى عبء على الأسرة، أو جرح في نفس أسرة أخرى، أو خطر يهدَّد حياة شاب. فالفرحة التي تحفظ كرامة الأسرة، وتصون المال، وتحمي الأرواح، وتضع المستقبل قبل المظاهر، هي وحدها الفرحة التي تستحق أن تبقى في الذاكرة.
من الفرح الصحي إلى ضغط المقارنة
وترى د. دعاء مرمش أن الاحتفال بالنجاح حق مشروع ومهم نفسيًا، لأنه يعزز لدى الطالب إحساسه بالإنجاز ويشعره بأن تعبه محل تقدير، غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفرح من احتفاء بالطالب إلى استعراض اجتماعي ومقارنة: من حقق الدرجة الأعلى؟ ومن أقام الحفل الأكبر؟ ومن قدم الهدية الأغلى؟. وتوضح أن المقارنة المستمرة قد تجعل الطالب يربط قيمته الشخصية بدرجاته ونظرة الآخرين إليه، بدل أن ينظر إلى النجاح باعتباره مرحلة من مراحل تطوره، ما قد يزيد لديه الخوف من الفشل والقلق والسعي المفرط إلى الكمال. ومع حضور وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح الضغط أكبر، إذ يشاهد الشباب احتفالات منتقاة ومبالغًا فيها، فيقارنون واقعهم بما يرونه أمامهم.
وتختصر مرمش رسالتها بالقول: «احتفلوا بأبنائكم، وأشعروهم بالفخر، لكن اجعلوا الرسالة: نحن فرحون بتعبكم ومجهودكم، وليس مطلوبًا أن نثبت للناس أن أبناءنا أفضل من غيرهم. فأجمل احتفال هو الذي يزيد ثقة الطالب بنفسه، لا الذي يجعله خائفًا من النجاح القادم».

