لم تعدْ تربيةُ الأبناءِ اليوم مجرد توفير الطعام، والتعليم، بل أصبحتْ معركة حقيقية للحفاظ على الفطرة وسط عالم تتداخل فيه المفاهيم وتختلط فيه الأدوار.
وبين دعوات إلغاء الفروق بين الذكر، والأنثى، يبرز سؤال جوهري: هل تتحقق العدالة بالمساواة المطلقة، أم بفهم طبيعة كل منهما واحترامها؟
يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة في قوله تعالى:
)وليس الذكر كالأنثى(، وهي آية لا تحمل انتقاصًا من أحد، وإنما ترسم قاعدة ربانية مفادها أن الاختلاف سُنة من سنن الخلق، وأن لكل من الذكر والأنثى خصائص تؤهله لأدوار تتناسب مع تكوينه الجسدي والنفسي.
كما تشير دراسات «علم النفس وعلوم الأعصاب» إلى وجود فروق في متوسط الميول والقدرات بين الجنسين، وهو ما يستدعي أن تكون التربية واعية بهذه الفروق، لا أن تتجاهلها. فالولد يحتاج إلى تنمية روح المسؤولية والشجاعة والاعتماد على النفس، مع احتضانه عاطفيًا وعدم حرمانه من التعبير عن مشاعره. وفي المقابل، تحتاج البنت إلى بناء شخصية واثقة، تجمع بين الحياء والقوة، وبين الرقة والقدرة على الدفاع عن نفسها واتخاذ القرار.
إنَّ أخطر ما يواجه الأسرة اليوم هو تربية الأبناء وفق قوالب موحدة، أو مقارنتهم ببعضهم بعضًا، فينشأ الطفلُ فاقدًا لثقته بنفسه، وتكبر الفتاة وهي تشعر أن صوتها لا قيمة له. أما التربية السليمة، فتعني العدل لا التماثل، والإنصاف لا التشابه.
إنَّ بناء جيل متوازن يبدأ من بيت يدرك أن الفطرة ليست قيدًا، بل نعمة، وأن المجتمع القوي لا يصنعه رجال بلا رحمة، ولا نساء بلا ثقة، وإنما يصنعه أبناء وبنات تربوا على القيم، وتحمل المسؤولية، واحترام ذواتهم والآخرين. فالفطرة ليستْ عائقًا أمام التقدم، بل هي أساسُ كل تربية ناجحة وكل مجتمع سليم.


