مرايا

التربية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الفطرة

آمــال‭ ‬سـلام

‭ ‬لم‭ ‬تعدْ‭ ‬تربيةُ‭ ‬الأبناءِ‭ ‬اليوم‭ ‬مجرد‭ ‬توفير‭ ‬الطعام،‭ ‬والتعليم،‭ ‬بل‭ ‬أصبحتْ‭ ‬معركة‭ ‬حقيقية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الفطرة‭ ‬وسط‭ ‬عالم‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬المفاهيم‭ ‬وتختلط‭ ‬فيه‭ ‬الأدوار‭.‬

وبين‭ ‬دعوات‭ ‬إلغاء‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬الذكر،‭ ‬والأنثى،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬جوهري‭: ‬هل‭ ‬تتحقق‭ ‬العدالة‭ ‬بالمساواة‭ ‬المطلقة،‭ ‬أم‭ ‬بفهم‭ ‬طبيعة‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬واحترامها؟

يؤكد‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬

‭)‬وليس‭ ‬الذكر‭ ‬كالأنثى‭(‬،‭ ‬وهي‭ ‬آية‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬انتقاصًا‭ ‬من‭ ‬أحد،‭ ‬وإنما‭ ‬ترسم‭ ‬قاعدة‭ ‬ربانية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬سُنة‭ ‬من‭ ‬سنن‭ ‬الخلق،‭ ‬وأن‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬الذكر‭ ‬والأنثى‭ ‬خصائص‭ ‬تؤهله‭ ‬لأدوار‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬تكوينه‭ ‬الجسدي‭ ‬والنفسي‭.‬

كما‭ ‬تشير‭ ‬دراسات‭ ‬‮«‬علم‭ ‬النفس‭ ‬وعلوم‭ ‬الأعصاب‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬فروق‭ ‬في‭ ‬متوسط‭ ‬الميول‭ ‬والقدرات‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬التربية‭ ‬واعية‭ ‬بهذه‭ ‬الفروق،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تتجاهلها‭. ‬فالولد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬روح‭ ‬المسؤولية‭ ‬والشجاعة‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفس،‭ ‬مع‭ ‬احتضانه‭ ‬عاطفيًا‭ ‬وعدم‭ ‬حرمانه‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعره‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تحتاج‭ ‬البنت‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬شخصية‭ ‬واثقة،‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الحياء‭ ‬والقوة،‭ ‬وبين‭ ‬الرقة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭.‬

إنَّ‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬الأسرة‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬تربية‭ ‬الأبناء‭ ‬وفق‭ ‬قوالب‭ ‬موحدة،‭ ‬أو‭ ‬مقارنتهم‭ ‬ببعضهم‭ ‬بعضًا،‭ ‬فينشأ‭ ‬الطفلُ‭ ‬فاقدًا‭ ‬لثقته‭ ‬بنفسه،‭ ‬وتكبر‭ ‬الفتاة‭ ‬وهي‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬صوتها‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬له‭. ‬أما‭ ‬التربية‭ ‬السليمة،‭ ‬فتعني‭ ‬العدل‭ ‬لا‭ ‬التماثل،‭ ‬والإنصاف‭ ‬لا‭ ‬التشابه‭.‬

إنَّ‭ ‬بناء‭ ‬جيل‭ ‬متوازن‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الفطرة‭ ‬ليست‭ ‬قيدًا،‭ ‬بل‭ ‬نعمة،‭ ‬وأن‭ ‬المجتمع‭ ‬القوي‭ ‬لا‭ ‬يصنعه‭ ‬رجال‭ ‬بلا‭ ‬رحمة،‭ ‬ولا‭ ‬نساء‭ ‬بلا‭ ‬ثقة،‭ ‬وإنما‭ ‬يصنعه‭ ‬أبناء‭ ‬وبنات‭ ‬تربوا‭ ‬على‭ ‬القيم،‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية،‭ ‬واحترام‭ ‬ذواتهم‭ ‬والآخرين‭. ‬فالفطرة‭ ‬ليستْ‭ ‬عائقًا‭ ‬أمام‭ ‬التقدم،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أساسُ‭ ‬كل‭ ‬تربية‭ ‬ناجحة‭ ‬وكل‭ ‬مجتمع‭ ‬سليم‭. ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى