ثقافة

دينامية‭ ‬الذاكرة‭ ‬وفجيعة‭ ‬المآل.. ‭‬قراءة‭ ‬نقديّة‭ ‬مقارنة‭ ‬في‭ ‬رواية‭ )‬تراب‭ ‬درنة‭( ‬لعوض‭ ‬الشاعري

‭‬سعد‭ ‬الحمري‮ ‬

مقدمة‭ ‬الدراسة‭ ‬والمدخل‭ ‬المنهجي

لا‭ ‬تقف‭ ‬رواية‭ )‬تراب‭ ‬درنة‭( ‬للأديب‭ ‬الليبي‭ ‬عوض‭ ‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬الشاعري‭ [‬1‭] ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التوثيق‭ ‬الصحفي،‭ ‬أو‭ ‬التقريري‭ ‬لحدث‭ ‬إعصار‭ ‬‮«‬دانيال‮»‬‭ ‬التراجيدي‭ ‬الذي‭ ‬ضرب‭ ‬شرق‭ ‬ليبيا،‭ ‬بل‭ ‬تتخذه‭ ‬ذروةً‭ ‬درامية،‭ ‬ومحركًا‭ ‬سرديًا‭ ‬لمساءلة‭ ‬الوجود‭ ‬والجغرافيا‭ ‬والتاريخ‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عتبة‭ ‬العنوان‭ ‬الفرعي‭ ‬‮ ‬‮ «‬انتحار‭ ‬دارنيسا‭ ‬وهدّ‭ ‬وادي‭ ‬الشواعر‮»‬،‭ ‬يضعنا‭ ‬الكاتب‭ ‬أمام‭ ‬جدلية‭ ‬البناء‭ ‬والزوال؛‭ ‬حيث‭ ‬تلتقي‭ ‬الحقيقة‭ ‬التاريخية‭ ‬الجافة‭ ‬بالمتخيل‭ ‬السردي‭ ‬الخصب‭. ‬ولتفكيك‭ ‬هذا‭ ‬النصّ‭ ‬الملحمي،‭ ‬تقتضي‭ ‬الضرورة‭ ‬المنهجية‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬القراءة‭ ‬الانطباعية‭ ‬إلى‭ ‬استنطاق‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه‭ ‬عبر‭ ‬مسارات‭ ‬نقدية‭ ‬تتقاطع‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬النص‭ ‬ومضمونه‭ ‬الثقافي‭.‬

مقاربة‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ (‬القبيلة‭ ‬كحامل‭ ‬حضاري‭ ‬والنسق‭ ‬الكوزموبوليتاني‭)‬

ينظر‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬النصّ‭ ‬الأدبي‭ ‬بوصفه‭ ‬حاملاً‭ ‬لأنساق‭ ‬مضمرة‭ ‬تعكس‭ ‬تحولات‭ ‬المجتمع‭ ‬وصراعات‭ ‬الهوية،‭ ‬متجاوزاً‭ ‬الجماليات‭ ‬اللغوية‭ ‬الصرفة‭ [‬2‭].‬

أنسنة‭ ‬القبيلة‭ ‬وتدويل‭ ‬التاريخ‭:‬‭ ‬يتتبع‭ ‬الشاعري‭ ‬ارتحال‭ ‬قبيلته‭ ‬‮«‬الشواعر‮»‬‭ ‬من‭ ‬المشرق‭ ‬‮«‬اليمن‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الأندلس،‭ ‬ثم‭ ‬العودة‭ ‬قسرًا‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬غرناطة‭ ‬لاستيطان‭ ‬درنة‭ ‬وإعمارها‭. ‬هنا،‭ ‬يتجاوز‭ ‬الكاتب‭ ‬فخ‭ ‬‮«‬الفخر‭ ‬القبلي‭ ‬الضيق»؛‭ ‬ليحوّل‭ ‬القبيلة‭ ‬عبر‭ ‬المنهج‭ ‬الثقافي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مكوك‭ ‬زمني‮»‬‭ ‬يربط‭ ‬جغرافيا‭ ‬الأمة،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬وثيقة‭ ‬أنثروبولوجية‭ ‬متحركة‭ ‬تعكس‭ ‬سيرورة‭ ‬التاريخ‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخاص‭.‬

التعايش‭ ‬ومرور‭ ‬الأديان‭:‬‮ ‬تظهر‭ ‬درنة‭ ‬في‭ ‬النص‭ ‬كبقعة‭ ‬كوزموبوليتانية‭ ‬‮«‬عالمية‮»‬‭ ‬تلاقحت‭ ‬فيها‭ ‬الروحانيات؛‭ ‬من‭ ‬الكنائس‭ ‬البيزنطية‭ ‬القديمة‭ (‬دارنيس‭)‬،‭ ‬إلى‭ ‬رمزية‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي‭ ‬المتجسدة‭ ‬في‭ ‬‮«‬أضرحة‭ ‬الصحابة‮»‬،‭ ‬وصولاً‭ ‬للتسامح‭ ‬الأندلسي‭ ‬الذي‭ ‬طبع‭ ‬المدينة‭ ‬بطراز‭ ‬معماري‭ ‬واجتماعي‭ ‬فريد‭ [‬3‭]. ‬هذا‭ ‬النسق‭ ‬الثقافي‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬درنة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جغرافيا‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬مختبراً‭ ‬للتعايش‭ ‬الإنساني،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬فجيعة‭ ‬زوالها‭ ‬فجيعة‭ ‬للحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬برمتها‭.‬

مقاربة‭ ‬الجيونقد‭ ‬وشعرية‭ ‬المكان‭ (‬صراع‭ ‬العناصر‭ ‬وثنائية‭ ‬التراب‭ ‬والماء‭)‬

تُعد‭ ‬المدرسة‭ ‬الجيونقدية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تداخل‭ ‬الأدب‭ ‬والجغرافيا‭ [‬4‭]‬،‭ ‬وامتدادها‭ ‬في‭ ‬‮«‬شعرية‭ ‬المكان‮»‬‭ ‬عند‭ ‬غاستون‭ ‬باشلار‭ [‬5‭]‬،‭ ‬الأداة‭ ‬الأمثل‭ ‬لتفكيك‭ ‬فضاء‭ ‬الرواية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬صراع‭ ‬العناصر‭ ‬الطبيعية‭:‬

جدلية‭ )‬التراب‭ ‬ضد‭ ‬الماء‭(:‬‭ ‬يحمل‭ ‬العنوان‭ ‬الرئيس‭ ‬‮«‬تراب‭ ‬درنة‮»‬‭ ‬شحنة‭ ‬مكانية‭ ‬مكثفة؛‭ ‬فالتراب‭ ‬يرمز‭ ‬للثبات،‭ ‬الهوية،‭ ‬جذور‭ ‬الأجداد،‭ ‬والملكية‭ ‬التاريخية‭ ‬للأرض‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يقتحم‭ ‬‮«‬الماء‭ – ‬السيل‮»‬‭ ‬النص‭ ‬كعنصر‭ ‬هلامي،‭ ‬متقلب،‭ ‬وجارف‭. ‬إنها‭ ‬معركة‭ ‬تراجيدية‭ ‬بين‭ ‬ثبات‭ ‬التراب‭ ‬وعنفوان‭ ‬الطوفان‭ ‬المحوّي‭ ‬للهوية‭.‬

تحول‭ ‬المكان‭ )‬هدّ‭ ‬وادي‭ ‬الشواعر‭(: ‬يتحول‭ ‬‮«‬الوادي‭ ‬والسد‮»‬‭ ‬في‭ ‬المنظور‭ ‬الباشلاري‭ ‬من‭ ‬فضاء‭ ‬‮«‬أليف‮»‬‭ ‬ومستقر‭ )‬مصدر‭ ‬الزراعة‭ ‬والحياة‭ ‬التاريخية‭ ‬للقبيلة‭( ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬‮«‬معادٍ‮»‬‭ ‬وموحش‭ ‬لحظة‭ ‬الانهيار‭.‬

إن‭ ‬الانهيار‭ ‬الحسي‭ ‬للسد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬انهيار‭ ‬رمزي‭ ‬لدرع‭ ‬الحماية‭ ‬القبلي‭ ‬والمدني‭ ‬الذي‭ ‬تشكل‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭.‬

المقاربة‭ ‬التفكيكية‭ (‬تقويض‭ ‬عتبة‭ ‬الانتحار‭ ‬وزحزحة‭ ‬الزمن‭)‬

تسعى‭ ‬التفكيكية‭ ‬إلى تقويض‭ ‬الثنائيات‭ ‬المركزية‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬التناقضات‭ ‬الداخلية‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬النص‭ [‬6‭]:‬

تفكيك‭ ‬عتبة‭ ‬‮«‬انتحار‭ ‬دارنيسا‮»‬‭: ‬تمنحنا‭ ‬هذه‭ ‬المفردة‭ ‬مفتاحاً‭ ‬تفكيكياً‭ ‬بامتياز؛‭ ‬فـ‭ ‬‮«‬دارنيسا‮»‬‭ ‬‮«‬الاسم‭ ‬التاريخي‭ ‬الإغريقي‭ ‬لدرنة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تموت‭ ‬مقتولة‭ ‬بقوى‭ ‬الطبيعة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬‮«‬تنتحر‮»‬‭. ‬يقودنا‭ ‬هذا‭ ‬التفكيك‭ ‬إلى‭ ‬زحزحة‭ ‬المسؤولية‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الوعي‭ ‬البشري‮»‬‭ ‬والإهمال‭ ‬المتراكم‭ ‬عبر‭ ‬العقود؛‭ ‬فالمدينة‭ ‬انتحرت‭ ‬لأن‭ ‬شروط‭ ‬بقائها‭ ‬الحضاري‭ ‬والمعماري‭ ‬دُمّرت‭ ‬داخلياً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يجرفها‭ ‬السيل‭ ‬خارجياً‭.‬

تقويض‭ ‬الزمن‭ ‬التصاعدي‭: ‬يفكك‭ ‬الكاتب‭ ‬مفهوم‭ ‬الزمن؛‭ ‬فالإرث‭ ‬الحضاري‭ ‬والقبلي‭ ‬الذي‭ ‬استغرق‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬للبناء‭ )‬عصور،‭ ‬أديان،‭ ‬هجرات،‭ ‬استيطان‭(‬،‭ ‬يتفكك‭ ‬ويزول‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬زمني‭ ‬أفقي‭ ‬خاطف‭ ‬

‭)‬ليلة‭ ‬الفيضان‭(‬،‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬القارئ‭ ‬أمام‭ ‬عبثية‭ ‬المآل‭ ‬وصدمة‭ ‬الفناء‭ ‬الوجودي‭.‬

الأفق‭ ‬المقارن‭.. ‬‮«‬تراب‭ ‬درنة‮»‬‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬الرواية‭ ‬الكارثية‭ ‬الكونية

تتقاطع‭ ‬رواية‭ ‬عوض‭ ‬الشاعري‭ ‬مع‭ ‬متون‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬والعربي‭ ‬التي‭ ‬وظّفتْ‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية‭ ‬كمرآة‭ ‬للانكسارات‭ ‬الحضارية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬المثاقفة‭ ‬السردية‭ ‬عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬نماذج‭:‬

مع‭ ‬غابرييل‭ ‬غارسيا‭ ‬ماركيز‭ )‬‮«‬مئة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬العزلة‮»‬‭(:‬‮ ‬يلتقي‭ ‬الشاعري‭ ‬مع‭ ‬واقعية‭ ‬ماركيز‭ ‬السحرية‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الطوفان‭ ‬الممحّي‭ ‬للهوية‮»‬‭ [‬7‭]. ‬أمطار‭ ‬قرية‭ ‬‮«‬ماكوندو‮»‬‭ ‬غسلتْ‭ ‬تاريخ‭ ‬سلالة‭ ‬‮«‬بوينديا‮»‬‭ ‬وأنهتها‭ ‬بالفناء‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬طوفان‭ ‬ماركيز‭ ‬ممتدًا‭ ‬وفانتازيًا،‭ ‬فإن‭ ‬فيضان‭ ‬‮«‬دانيال‮»‬‭ ‬عند‭ ‬الشاعري‭ ‬كان‭ ‬خاطفاً‭ ‬وواقعياً‭ ‬وصادماً،‭ ‬لكن‭ ‬كلاهما‭ ‬يتفق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الماء‮»‬‭ ‬يتدخل‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬فارقة‭ ‬ليمحو‭ ‬آثار‭ ‬‮«‬التراب‮»‬‭ ‬والبناء‭ ‬البشري‭.‬

مع‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬منيف‭ (‬خماسية‭ ‬‮«‬مدن‭ ‬الملح‮»‬‭):‬‮ ‬يتشابه‭ ‬العملان‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬‮«‬الزلزال‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬تغير‭ ‬الجغرافيا‭ ‬العنيف‭ [‬8‭]. ‬وثّق‭ ‬منيف‭ ‬كيف‭ ‬جرفت‭ ‬الصحراء‭ ‬وحفر‭ ‬النفط‭ ‬هوية‭ ‬الإنسان‭ ‬البدوي‭ ‬واقتلعت‭ ‬جذوره‭. ‬ويعالج‭ ‬الشاعري‭ ‬فكرة‭ ‬الاقتلاع‭ ‬ذاتها،‭ ‬ولكن‭ ‬عبر‭ ‬قوة‭ ‬نقيضة‭ ‬للصحراء‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬السيل‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تحول‭ ‬وادي‭ ‬الشواعر‭ ‬من‭ ‬ملاذ‭ ‬آمن‭ ‬وثابت‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬طاردة‭ ‬وماحية‭ ‬للوجود‭ ‬الإنساني‭.‬

مع‭ ‬إميل‭ ‬زولا‭ )‬رواية‭ ‬‮«‬الفيضان‮»‬‭(:‬‭ ‬قدم‭ ‬زولا‭ ‬رؤية‭ ‬طبيعية‭ ‬قاسية لكيفية‭ ‬انهيار‭ ‬الروابط‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬فيضان‭ ‬نهر‭ ‬الرون‭ ‬الفرنسي‭ [‬9‭]. ‬واعتمد‭ ‬‮«‬زولا‮»‬‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الصرف‭ ‬للكارثة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬آنية،‭ ‬بينما‭ ‬تجاوز‭ ‬الشاعري‭ ‬البُعد‭ ‬الآني‭ ‬ليمنح‭ ‬الفاجعة‭ ‬عمقاً‭ ‬أنثروبولوجياً‭ ‬وتاريخياً؛‭ ‬فالفيضان‭ ‬عنده‭ ‬لم‭ ‬يقتل‭ ‬أفراداً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هدّ‭ ‬تاريخاً‭ ‬ممتداً‭ ‬من‭ ‬تعاقب‭ ‬الأديان‭ ‬والهجرات‭ ‬الأندلسية‭.‬

الخاتمة‭ .. (‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الكلمة‭ ‬ضد‭ ‬المحو‭)‬

تتجاوز‭ ‬رواية‭ )‬تراب‭ ‬درنة‭( ‬لعوض‭ ‬الشاعري‭ ‬سياقها‭ ‬الإقليمي‭ ‬الضيق‭ ‬لتتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مرثية‭ ‬كونية‭ ‬تسائل‭ ‬هشاشة‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬أمام‭ ‬جبروت‭ ‬الطبيعة‭ ‬وفداحة‭ ‬الإهمال‭ ‬البشري‭. ‬لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬القراءة‭ ‬التفكيكية‭ ‬والثقافية‭ ‬للمتن‭ ‬الروائي‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬لم‭ ‬يسعَ‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الفجيعة‭ ‬بصورة‭ ‬بكائية‭ ‬استسلامية،‭ ‬بل‭ ‬قدم‭ ‬صرخة‭ ‬احتجاج‭ ‬جمالية‭ ‬وأنثروبولوجية‭ ‬تنقذ‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬النسيان‭.‬

إنَّ‭ ‬القيمة‭ ‬العليا‭ ‬لهذه‭ ‬الرواية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تقويض‭ ‬سلطة‭ ‬الطوفان؛‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬فيضان‭ ‬‮«‬دانيال‮»‬‭ ‬قد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تجريف‭ ‬معالم‭ ‬المدينة‭ ‬المادية‭ ‬وهدّ‭ ‬واديها،‭ ‬فإن‭ ‬الشاعري‭ ‬عبر‭ ‬فعل‭ ‬الكتابة‭ ‬استرد‭ ‬‮«‬التراب‮»‬‭ ‬من‭ ‬الغرق،‭ ‬ونقل‭ ‬‮«‬دارنيسا‮»‬‭ ‬من‭ ‬زوال‭ ‬الجغرافيا‭ ‬وهشاشتها‭ ‬إلى‭ ‬خلود‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬وثباته،‭ ‬ليظل‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬حارساً‭ ‬ساهراً‭ ‬لبلادٍ‭ ‬رُفعت‭ ‬من‭ ‬الأرض‭.. ‬وبقيت‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬والنص‭.‬

الهوامش

‭[‬1‭] ‬عوض‭ ‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬الشاعري،‭ ‬تراب‭ ‬درنة‭: ‬انتحار‭ ‬دارنيسا‭ ‬وهدّ‭ ‬وادي‭ ‬الشواعر،‭ (‬رواية‭ ‬تتناول‭ ‬السيرة‭ ‬التاريخية‭ ‬لمدينة‭ ‬درنة‭ ‬والتحولات‭ ‬القبلية‭ ‬وصولاً‭ ‬لكارثة‭ ‬إعصار‭ ‬دانيال‭)‬،‭ ‬‮ ‬

‭[‬2‭] ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الغذامي،‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭: ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬الأنساق‭ ‬الثقافية‭ ‬العربية،‭ ‬المركز‭ ‬الثقافي‭ ‬العربي،‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬ط2،‭ ‬2005،‭ ‬ص‭ ‬67‭.‬

‭[‬3‭] ‬الشاعري،‭ ‬تراب‭ ‬درنة،‭ ‬م‭. ‬س،‭ (‬فصل‭ ‬مرور‭ ‬الأديان‭ ‬والهجرة‭ ‬الموريسكية‭ ‬الأندلسية‭)‬،‭ ‬‮ ‬

‭[‬4‭] ‬برتراند‭ ‬ويستفال،‭ ‬الجيونقد‭: ‬الفضاء،‭ ‬الزمان،‭ ‬السرد،‭ ‬ترجمة‭: ‬الهادي‭ ‬رجب،‭ ‬دار‭ ‬كتابات‭ ‬جديدة،‭ ‬تونس،‭ ‬2014،‭ ‬ص‭ ‬43‭-‬45‭.‬

‭[‬5‭] ‬غاستون‭ ‬باشلار،‭ ‬جماليات‭ ‬المكان،‭ ‬ترجمة‭: ‬غالب‭ ‬هلسا،‭ ‬المؤسسة‭ ‬الجامعية‭ ‬للدراسات‭ ‬والنشر،‭ ‬بيروت،‭ ‬ط5،‭ ‬2006،‭ ‬ص‭ ‬32‭.‬

‭[‬6‭] ‬جاك‭ ‬دريدا،‭ ‬الكتابة‭ ‬والاختلاف،‭ ‬ترجمة‭: ‬كاظم‭ ‬جهاد،‭ ‬دار‭ ‬توبقال‭ ‬للنشر،‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬1988،‭ ‬ص‭ ‬112‭.‬

‭[‬7‭] ‬غابرييل‭ ‬غارسيا‭ ‬ماركيز،‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬العزلة،‭ ‬ترجمة‭: ‬صالح‭ ‬علماني،‭ ‬دار‭ ‬المدى،‭ ‬دمشق،‭ ‬2005،‭ ‬ص‭ ‬310‭.‬

‭[‬8‭] ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬منيف،‭ ‬مدن‭ ‬الملح‭: ‬التيه،‭ ‬المؤسسة‭ ‬العربية‭ ‬للدراسات‭ ‬والنشر،‭ ‬بيروت،‭ ‬ط1،‭ ‬1984،‭ ‬ص‭ ‬150‭.‬

‭[‬9‭]‬‮   ‬الفيضان‭ ‬ومنتخبات‭ ‬قصصية‭ ‬أخرى اميل‭ ‬زولا‭ ‬ت‭.‬دانيال‭ ‬صالح‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬كلمة‭ ‬للترجمة‮  ‬ابوظبي

‮  ‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى